الخميس، 23 أبريل 2020

امريكا

..هذه فصول كتبتها ما بين خريف 2001 وشتاء 2002، وكلها عن الزمن الأمريكي، بمعنى نشأة الولايات المتحدة الأمريكية وصعودها الاقتصادي الباهر أواخر القرن التاسع عشر ثم عبورها للمحيط عائدة إلى العالم القديم، تفرض على الدنيا زمانها وفيه تقدمها وقوتها وهيمنتها.
وكذلك فإن القرن العشرين أصبح قرناً أمريكياً مصداقاً لمقولة "والتر ليبمان" أهم كاتب ومحلل سياسي عرفته الولايات المتحدة الأمريكية.
والبشرية تعيش اليوم بدايات قرن هو الحادي والعشرون بعد ميلاد المسيح والكل يسأل نفسه: هل يكون القرن الحادي والعشرين أمريكياً أيضاً؟
ومجمل الشواهد على الساحة الدولية الآن تقول بذلك، لكن عاصفة التقدم الإنساني وقوة اندفاعها الهائلة لا تسمح لأحد بالتنبؤ عن "جو المستقبل" ولا تسمح بمدى للرؤية يتجاوز بالسنين عدد أصابع يد واحد، على ذلك فالأغلب ـ وتلك ليست مجازفة بالظن تتجاوز وسائل الرصد ـ فإن الثلث الأول من القرن الحادي والعشرين أمريكي أيضاً، ومعنى ذلك أن الإمبراطورية الأمريكية شبه يقين في المستقبل حتى خط الأفق المرئي وبعده أيضاً.
وهنا يصبح مهماً أن يحاول كل من يقدر ـ على قراءة "الزمن الأمريكي" حتى على سطح السحب العابرة، أو فوق كتل الضباب المتراكمة.
وتلك قراءة بأبجدية المجهول على سماء غائمة!
محمد حسنين هيكل




























إعادة اكتشاف أمريكا
1ـ أمريكا عند النظرة الأولى عبر المحيط:
هذه هي المرة التاسعة والعشرون التي أعبرُ فيها المحيط قاصداً العالم الجديد، وهو لم يعُد الآن جديداً، وإن ظلَّ ـ بعد ستَّة قرون ـ في حاجة إلى الاكتشاف أو إعادة الاكتشاف حتى يمكن فهمه، لأن أمريكا الآن لم تعد فقط تلك القارة المليئة بالفرص، أو المعبَّأة بالقوة، أو المصممة على مشروع يرث الإمبراطوريات القديمة ـ وإنما لأن الإمبراطورية الأمريكية أصبحت ظاهرة غير مسبوقة في قصة الإنسانية، فهي حاضرة في كل قارة من قارات الدنيا ـ ضاغطة على كل إقليم ـ محشورة في كل بلد ـ مندسَّة في كل بيت ـ وتلك أحوال تدعو بالتأكيد إلى القلق لأن العالم لم يعرف من قبل دولة "متداخلة"، إلى هذا الحد في حية ومستقبل غيرها من الدول. وقد عرف العالم من قبل دولا "متدخِّلة" لكن التداخل" الأمريكي في حياة البشرية مع بداية القرن الواحد والعشرين "الألفية الثالثة الميلادية" ـ تجربة طارئة تستوجب "القلق" ـ وتستدعي التنبه ـ في محاولة للفهم هي الآن "ضرورية" وعاجلة!.
……………………
ومن المصادفات أن هذا العبور التاسع والعشرين للمحيط إلى أمريكا توافق بالنسبة لي مع موعد العبور الأول، وبفارق خمسين سنة بالضبط ـ فقد كانت أول سفرة قصدت فيها "العالم الجديد" سنة 1951 ـ والآن 2001 ـ نصف قرن بالضبط!
وفي ذلك الزمن قبل خمسين سنة ـ بدت لي الولايات المتحدة الأمريكية قوة طالعة في أعقاب الحرب العالمية الثانية، توشك أن تدخل الساحة الدولية لاعباً كبيراً ـ لكنه لم يخطر ببالي في ذلك الوقت أن الولايات المتحدة ـ بعد خمسين سنة ـ سوف تصبح اللاعب الرئيسي ـ وربما الوحيد حتى إشعار لاحق ـ وأن تأثيرها على الدنيا، وعلى المنطقة التي تعنيني أكثر من غيرها في هذه الدنيا، سوف يبلغ هذا المدى الذي نراه، ونحس به ، ونتأثر منه إلى هذه الدرجة.
وعندما قصدت أول مرة إلى أمريكا كانت الرحلة من القاهرة إلى نيويورك تستغرق ستّاً وثلاثين ساعة في الجو، من القاهرة إلى أثينا محطة ـ ومن أثينا إلى روما محطة ثانية ـ ومن روما إلى لندن محطة ثالثة ـ ومن لندن إلى مطار "جاندر" في إيرلندا محطة رابعة ـ ومن "جاندر" ألى "ريكيجافيك" في أيسلندا محطة خامسة ـ ومن "ريكيجافيك" ينزلق الخط الملاحي بالطائرة إلى "جرينلاند"، ومنها على شواطئ "ماينز" وحتى نيويورك ـ وكذلك كانت هناك دائماً ضرورة لقضاء ليلة مبيت في منتصف الطريق، والغالب في باريس أو لندن.
أي أنها ـ بالطيران، ومحطات الوقوف، وليلة المبيت ـ ثلاثة أيام إلى نيويورك ـ ومع ذلك بدت تلك أيامها معجزة من المعجزات، قياساً على ما كان قبلا، وما ظل حتى الحرب العالمية الثانية، حين كان السفر بالبواخر أربعة أسابيع ـ شهر كامل على أقل تقدير ـ من الإسكندرية إلى نيويورك!
وربما أن طول المسافات على هذا النحو ـ حتى بالطائرة ثلاثة أيام ـ كان يوحي بأن أمريكا بعيدة، لكن الزمن راح يتلاشى بإيقاع تضطرب له الحواس، فقد عبرت المحيط في أوائل الثمانينات خمس مرات بطائرة "الكونكورد" في وقت لا يزيد على ثلاثة ساعات واثنتي عشرة دقيقة كل مرة، مخترقاً خمس مناطق زمنية في هذه الساعات الثلاث وبضع دقائق، ثم توقَّفتُ عن استعمال "الكونكورد" قانعاً بالنفاثات العادية تعبر المحيط في ست ساعات: ساعة أو أكثر قليلاً لكل منطقة زمنية، وهو عبء وجدته أخف على التوازن البدني والنفسي!
وكنت منذ أواخر الثمانينات وحتى أواخر التسعينات قد امتنعت عن السفر إلى أمريكا، لأن زيارتها أصبحت بالنسبة لي ـ على الأقل ـ عبئاً على الأعصاب تتزايد وطأته، فضلاً عن أنه لم يعد هناك إلحاح على ضرورته. وفي وقت من الأوقات كان أي مصري أو عربي مهتم بالسياسة يذهب إلى واشنطن ووراءه سند سياسي قوي ـ حتى ولو كان السند نوعاً من الأساطير (والأساطير حقائق سياسية إذا قبلها المعنيون بها، ومع ذلك فإن فكرة وحركة القومية العربية لم تكن أسطورة) ـ وكذلك فقد كان في مقدور أي مهتم بالسياسة ـ مصرياً كان أو عربياً ـ أن يقصد إلى نيويورك أو واشنطن معززاً بنوع من المصداقية فيما يقول به أو يحاور أو حتى يتفاوض عليه. لكن الصورة راحت تتغير بما جرى للعالم العربي وفيه، والنتيجة أن الأوضاع العربية في الولايات المتحدة أصبحت مكشوفة ـ بل وعارية. وكان المزعج أن السياسة العربية نفسها هي التي تكفّلت أولاً بنَزع سلاحها، ثم تطوعت ثانياً بنَزع ملابسها ـ ثم إنها ـ ثالثاً فرطت في ثقتها بنفسها وما يلازم هذه الثقة من عزة الكبرياء.
وهكذا أصبحت أجد عبور المحيط في ثلاثة أيام أو ثلاث ساعات عبئاً معنوياً ونفسياً لا حاجة لي به. وتوقفت عن السفر إلى أمريكا. ورغم أن "فرانك ويزنر" سفير الولايات المتحدة الأسبق في مصر لم يكف عن تذكيري بين وقت وآخر أن "الولايات المتحدة أكبر وأخطر من أن يقاطعها أحد" ـ فقد ظللت لأكثر من عشر سنوات مكتفياً بالشاطئ الشرقي للمحيط الأطلسي ـ لا أفكر في غربه!
ثم كان أن وجدت نفسي أخيراً ـ ولأسباب طارئة ـ عابراً للمحيط ثلاث مرات متوالية، عائداً مرة أخرى وأخرى وأخرى إلى أمريكا مسلِّماً مع "فرانك ويزنر" بأن "الولايات المتحدة أكبر وأخطر من أن يقاطعها أحد".
****
وهذه المرة الأخيرة ـ وهي العبور التاسع والعشرون إلى أمريكا ـ خطر ببالي أن ذلك البلد الذي لا يستطيع ـ لحسن الحظ، أو لسوء الحظ ـ أن يقاطعه أحد يحتاج إلى استكشاف جديد بعد مرور خمسين سنة على أول عبور إليه سنة 1951.
……………………
[والشاهد أن إعادة استكشاف الأشياء والأفكار والظروف ـ وحتى الأمزجة ـ عملية ضرورية لا بد أن يقوم بها الناس ما بين الوقت والآخر ـ نوعاً من الحساب والمراجعة والتثبت بالحذف والإضافة حيال أزمنة متغيرة ـ وإلا فإن هؤلاء قد يتنبَّهون ذات يوم وإذا الحقائق قد غافلَتْهم وسافرت إلى المستقبل، وتركتهم حيث توقَّفوا بظن ـ أو وهم ـ أنهم "أدركوا" و"تيقنوا" بما لم تعد بعده زيادة لمستزيد.]
………………….
وربما اعترفت أنني في ذلك العبور الأول للمحيط ـ السفرة الأولى للولايات المتحدة الأمريكية ـ سنة 1951 ـ لم أرتِّب نفسي بما فيه الكفاية لإعادة اكتشاف العالم الجديد!
○ وعلى نحو ما فقد تأثرتُ بالصورة الشائعة وقتها عن الولايات المتحدة الأمريكية، وانطباعها أن أمريكا بلد فادح الغنى، وهو غنى مفاجئ لم تروضه ثقافة متأصلة، ونتيجة لذلك فإن هذا البلد قوة هائلة لكنها ساذجة ـ لم تصل إليها خبرة وحكمة القارات القديمة. وكذلك فهو بلد سهل وبلا عقد كما تعبَّر عنه أفلام "هوليوود" ـ على عهد براءتها الأولى، فهم جميعاً رجال على رسم النجوم أمثال "كلارك جيبل" و"روبرت تيلور" و"جاري كوبر"، وهن نساء على رسم "جريتا جاربو" و"نورما شيرر" و"بيتي دافيز"، وأما الأطفال فكلهم "ميكي روني" (صبي مرح) ـ أو (شيرلي تمبل) (طفلة جميلة).
وبرغم هذه الصورة البرَّاقة فقد كان هناك كلام كثير خصوصاً في أوروبا مؤداه أن المخفي يختلف عن المعلن، وربما من هنا أنني تلك السفرة الأولى إلى الولايات المتحدة ـ قبل نصف قرن ـ وضعت في حقيبتي عدة مراجع لا بد أنها كانت تشير إلى شكوك ساورتني عن العلاقة بين المخفي والمعلن في الشأن الأمريكي.
وأتذكر أن المرجع الرئيسي الذي رحتُ أطالع فيه طول سفرتي الأولى عبر المحيط ـ كتابٌ ذاع شأنه وقتها للكاتب الإنجليزي الشهير "دوجلاس ريد" وكان عنوانه "بعيداً وواسعاً" far and Wide.  وما زلت أذكر فصل البداية في الكتاب، وملخصه ما لاحظه "ريد" من أن "كل الأمريكيين يجرون أو يهرولون، واستنتاجه أن بعضهم يحاول الهرب من ماض يخاف أن يلحقه ـ وبعضهم الآخر يحاول الإمساك بفرصة يخاف أن لا يلحقها!"
وعندما أراجع ما نشرته عن تلك السفرة الأولى إلى أمريكا ـ في مجلة "آخر ساعة" ـ وكنت أرأس تحريرها في ذلك الوقت ـ فإني أستطيع الآن أن أتمثل الصورة التي رأيت عليها أمريكا وقتئذ:
○ كتبت تحقيقاً عن الرأسمالية الكبيرة التي تحكم أمريكا، تكرر فيه استشهادي بكتاب "ستين عائلة تحكم أمريكا". وكان ذلك كتاباً أوصاني بقراءته الدكتور "محمود فوزي" مندوب مصر في مجلس الأمن "وقد أصبح الدكتور "فوزي" فيما بعد وزيراً للخارجية، ورئيساً للوزراء، ونائباً لرئيس الجمهورية".
○ وتحقيقاً ثانياً عن "التمييز العنصري" ضد السود في أمريكا، وقد بنيته على زيارة قمت بها إلى الجنوب الأمريكي، وإلى ولاية "لويزيانا" حتى عاصمتها "نيو أورليانز".
○ ثم تحقيقاً ثالثاً وأخيراً عن "الجريمة المنظمة في أمريكا"، وكان موضوعه ذلك الدور الذي تقوم به عصابات "المافيا" في الحياة الأمريكية: في الاقتصادي والمال ـ وفي السياسة بما فيها انتخابات الرئاسة والكونجرس بمجلسيه ـ وحتى في مجالات الفنون بما فيها عاصمة السينما في "هوليوود".
ومع أن تلك كانت ـ وما زالت ـ عناصر مهمة في الحياة الأمريكية، فإنني فيما بعد أدركت أنها جزء من الحقيقة الأمريكية، وليست كلها، وأن التركيز عليها وحدها ـ في تلك السفرة الأولى إلى أمريكا ـ كان قصوراً ـ لعل بعضه جموح شباب!
                                                ***
وربما أن جزءاً من هذا الجموح في ذلك الوقت ـ يرجع في بعض منه إلى تأثير صديق كبير كان بالنسبة لي أيامها مزيجاً من "مرشد ومعلَّم"، وأقصد الدكتور "محمود عزمي"، وهو واحد من أهمَّ العقول المصرية المفكرة في العشرينات والثلاثينات من ذلك القرن العشرين، وكان رائداً من رواد الكتابة الصحفية المتعمقة في قضايا الشرعية والديمقراطية والتجديد. وكان منذ عاد من بعثته إلى "السوربون" (في باريس) لتدريس القانون في الجامعة المصرية الوليدة (ذلك الوقت) ـ قد انجذب إلى الحياة العامة، وشارك في الحوار النشيط الذي دار طوال العشرينات حول الخلافة، والدستور، وحقوق المرأة.. وغيرها.
وكنت قد تعرّفت على الدكتور "محمود عزمي" أواخر الأربعينات، وأصبحت مدعواً كل يوم خميس إذا كنت في مصر إلى بيته ـ في حدائق القبة ـ حيث كان يعيش مع زوجته الروسية. وكان بيتهما حافلاً بثلاثة مواضع للجمال قريبة إلى العقل والقلب: كتب التراث العالمي ـ والموسيقى الكلاسيكية ـ وتلك الساعات المليئة بالتأمل والسكينة أمام مدفأة تتحاور فيها ألسنة النار في ليالي الشتاء الباردة.
ثم كان أن لقيت الدكتور "محمود عزمي" في اليوم التالي لوصولي إلى نيويورك (سنة 1951) وهو وقتها عضو في الوفد المصري لدى الأمم المتحدة ـ ثم وجدته ناقداً إلى درجة النقمة على أمريكا وكل ما فيها، والسبب "كذلك عرفت منه ثم فَهَمت أكثر فيما بعد" أنه رغم عضويته في الوفد المصري إلى الأمم المتحدة ـ رفضت السلطات الأمريكية طلب تأشيرة دخول لزوجته "لأنها روسية ـ شيوعية ـ وكانت تلك ـ سنة 1951 ـ سطوة السناتور "مكارثي" الشهير ـ الذي نسبت إليه فترة "المكارثية"، وهي اتهام ومطاردة كل شبهة في تحرر أو يسار، واعتبارها انتماء للشيوعية يستوجب البتر والتطهير".
ولم تكن "بوشكا" "كما كان الدكتور "عزمي" يدلَّل زوجته" شيوعية ـ بل على العكس فقد كانت في الواقع روسية بيضاء من أسرة هاجرت إلى باريس بعد "الثورة البلشفية"، والتقت بزوجها وهي تدرس القانون ـ مثله ـ في "السوربون".
"والغريب أن القصر الملكي ـ من أيام الملك "فؤاد" وحتى أيام ابنه الملك "فاروق" ـ كان يعتبر "بوشكا" شيوعية ـ وكذلك فإن الدكتور "عزمي" وجد سقفاً على فرصه في الحياة السياسية المصرية لم يستطع تجاوزه".
لكن "المكارثية" السائدة والحاكمة في أمريكا وقتها "وكذلك قصور الشرق الملكية" لم تفرق بين أن تكون "بوشكا" روسية أو "بلشفية" ـ فقد كانت الواحدة موصولة بالأخرى زمن الاتحاد السوفيتي.
وعند وصولي إلى نيويورك عرفت أن الدكتور "محمود عزمي" يسكن فندق "الباربازون بلازا" المطل على "سنترال بارك". واتصلت به، والتقينا. وفي لقائنا مشينا من فندقه في الشارع السابع إلى ميدان "التيمس" الشهير، وطوال الطريق كان الدكتور "عزمي" ساخطاً على كل ما يرى!
وأتذكر عند وصولنا إلى الميدان الشهير أن الدكتور "محمود عزمي" توقف أمام محل لربطات العنق وقال ما مؤدّاه "أن واجهة المحل وهي تعرض العشرات من ربطات العنق صورة ناطقة بالذوق الأمريكي ـ في تعبيره المباشر عن حال الثقافة الأمريكية".
وفي ذلك الوقت كانت ربطات العنق الأمريكية صاخبة في الألوان والأشكال والرسوم إلى درجة تثير الاندهاش، وما هو أكثر منه أحياناً. وفي تلك الوقفة أمام محل ربطات العنق في ميدان "التيمس" كان الدكتور "عزمي" يشير إلى ربطة عنق بالذات صفراء اللون، في وسطها رسم عين سوداء فقأها دبُّوس حاد فاسال بطولها نقطاً حمراء كأنها قطرات دم. ثم مضى يقول بمزيج من السخرية والاشمئزاز: "تفضّل يا سيدي ـ هذه هي القيم الجمالية للحضارة الجديدة التي يتعين علينا أن نتعامل معها". ثم يضيف الدكتور "عزمي" بلهجته المشهورة وقتها: "ها الله ها الله يا سيدي على الحضارة الجديدة"!
                                       ***
ومن الواضح لي ـ بعد زمن طويل ـ أن الدكتور "محمود عزمي" كان له تأثير من نوع ما على نظرتي إلى الولايات المتحدة ـ ذلك أنني بعد أسبوع في نيويورك قصدت إلى "ديترويْت" لرؤية تلك القلعة الصناعية الكبرى "للسيارات"، وكان من حظى بتوصية من الوفد المصري الدائم إلى الأمم المتحدة ـ أنني وجدت نفسي ضيفاً على مائدة غداء مع "هنري فورد" "الثاني"، وهو وقتها رئيس مجلس إدارة شركة "فورد" للسيارات. ويومها كنا خمسة ضيوف على مائدته من جنسيات مختلفة.
ومساء نفس اليوم كتبت من "ديترويت" خطاباً إلى الدكتور "عزمي" في نيويورك" أصف له وقائع الغداء مع "هنري فورد" "الثاني" قائلاً له:
"أنت في نيويورك تشكو مما تراه حولك من تعبيرات الثقافة الأمريكية ـ فما بالك بما هو موجود هنا في الداخل الأمريكي وما عشته بنفسي اليوم في "ديترويت" على مائدة "هنري فورد".
تصور ثلاث ملاحظات قالها الرجل في طرف نصف ساعة ـ وتأمل معانيها "الحضارية!":
- جلسنا مع الرجل بضع دقائق قبل الغداء، ثم دعانا إلى المائدة بقوله: "أظن أننا في حاجة إلى التزود بالوقود"!
- وكان الطبق الأول على المائدة حساء "كونسوميه" ساخناً جداً، وأراد مضيفنا أن يشرب بسرعة، وكان لا بد من تبريد الحساء، وهكذا أخذ "فورد" من وعاء في منتصف المائدة قطعة ثلج وضعها في طبق الحساء قائلاً: "هذا أحسن". وراح يشرب.
- وحين فرغنا من الغداء والقهوة، وحان وقت انصرافنا، أشار لنا أن الحمام موجود إذا رأى أحدنا أن يغسل يديه أو أراد شيئاً آخر، لكن إشارته إلى الحمام وردت بأسلوب "جلف" لأنه قال لنا: "إن عادم الطاقة لا بد أن يجد لنفسه مخرجاً!"
ثم قلت للدكتور "عزمي" في نفس الخطاب: "تصور كل هذا الفساد في الذوق والتعبير في نصف ساعة"!
                                               ** 
هكذا كانت نظرتي الأولى على الولايات المتحدة الأمريكية.
وأحسب ـ بأثر رجعي ـ أنها كانت نظرة مشوبة إما بنوع من العجلة سارعت إلى اتخاذ موقف دون أن يكون لديها ما يكفي من المعرفة ـ أو أنها كانت منحازة مبكراً متأثرة في ذلك بدوافع غير موضوعية. لكنه في تلك الأيام كان يطمئنني أن شعوراً من الحساسية إزاء الأمريكان يتسع ـ حتى في أوروبا ـ في أعقاب الحرب العالمية الثانية. وكان في إنجلترا على سبيل المثال تعبير ذائع يقول "إن العيب في الأمريكان.. أن لديهم أكثر من اللازم من الطعام ـ وأكثر من اللازم في الملبس ـ وأكثر من اللازم في الجنس ـ وأكثر من اللازم في وجودهم هنا" "أي في إنجلترا، وفي أوروبا بعموم".
وكان ذلك يقال في إنجلترا وفي أوروبا، وكان الرد الأمريكي عليه أنه الحقد والحسد لأن أوروبا التي ظنت نفسها ـ بضرائب الدم وتكاليف الدمار ـ صانعة النصر في الحرب العالمية الثانية ـ عرَفت بعد انتهاء المعارك أن الموارد الأمريكية هي صانعة النصر الحقيقي، ثم إن الولايات المتحدة خرجت من وسط العاصفة مالكة لأهم ثروات العالم: نصف ذهبه في خزائنها دخل قلعة "فورث نوكس"، وثلاثة أرباع بترولة امتياز تمسك عقوده في يدها، ومائة في المائة من قوته النووية في ترسانتها.
وكذلك فهو الحقد والحسد من عالم قديم ـ نحو عالم جديد.
ولم تكن أكثر المواقع حساسية تجاه الأمريكان أنهم الأغنى، أو الأقوى، أو الأوفر غذاء وكساء ـ وإنما كان موضع الوجع الحقيقي أن تواجدهم وظهورهم "هنا" "في أوروبا خصوصاً" ـ بدا وجوداً جاء ليقيم ويبقى!
وهنا كان الأمر يختلف هذه المرة في المجيء الأمريكي الأول إلى أوروبا أثناء الحرب العالمية الأولى.
فأمريكا التي شاركت في تلك الحرب ـ وادعت أيضاً أن مواردها صنعت النصر ـ لم تلبث أن سحبت قواتها عبر المحيط من حيث أتت، ولعله إحساسها أن الإمبراطوريات الأوروبية التقليدية "بريطانيا وفرنسا" ما زالت متماسكة بما فيه الكفاية ـ وبالتالي فإزاحتها صعبة ـ وإرثها مؤجلاً بعد!
وأما هذه المرة، بعد الحرب العالمية الثانية ـ فإن القوات الأمريكية التي شاركت في الحرب لم تعد من حيث أتت، بل بقيت في أوروبا، وكانت الإشارات واضحة، وأوَّلها أن أمريكا أصبحت على يقين من أن الإمبراطوريات الأوروبية التقليدية لم تعد تستطيع أن تحافظ على أمن دولى أو استقرار.
وفوق ذلك، وهو الأخطر، فإن الإمبراطوريات الأوروبية التقليدية نفسها ـ ذلك الوقت ـ راودها خوف من انسحاب أمريكي يعود إلى الشاطئ الغربي للمحيط الأطلسي، ويتركها وحيدة في القارة الأوروبية أمام جحافل الجيوش الروسية التي زحفت من الشرق إلى ألمانيا في المعركة الأخيرة ضد "هتلر". وهذه الجحافل الروسية مل تجيء إلى الغرب إعصار نار فقط، وإنما هي تحمل وراء إعصار النار نظرية اجتماعية لها تلك "اللحظة التاريخية" فعل حريق ـ وهي الشيوعية!
هكذا كانت أمريكا تريد أن تبقي في أوروبا ـ ولم تكن تدارى فيما تريد.
ثم إن أوروبا بدورها كانت تخشى أن تبتعد أمريكا كما فعلت مرة من قبل. وعلى أي حال فقد كانت لدى الإمبراطوريات الأوروبية بقايا ثقة بالنفس جعلتها تتصور أن زمانها فيه عمر ـ وأنها ما زالت قوى كبرى مهابة وليست إرثاً ضخماً يجري حصره استعداداً لإجراءات نقل ملكيته!
…………………
وهكذا فإن لقائي الأول السريع مع الولايات المتحدة أخذه جموح الشباب ـ وتأثر أيضاً بما شاع وقتها في أوروبا ـ ومنها إلى غيرها في العالم ـ ثم إنه استعار في بعض مواقفه نظَّارة صديق!
على أن التجارب تعلِّم الناس أن الحقيقة أعقد من نظرة أولى ـ وأكبر من انطباع يشيع في زمن بعينه، له أحواله ومناخه.. وأخطر من مأثورات تنتشر حتى وإن كان فيها الكثير من الصدق، والحكمة المختزلة.

2ـ حوارات طويلة مع السياسة الأمريكية:
لم يكد يمر عام واحد منذ عبرت المحيط غرباً لأول مرة ـ سائحاً أكثر منى دارساً، ومتفرجاً أكثر منى مشغولاً ـ حتى وجدت نفسي طرفاً نشيطاً في جدل سياسي طويل ومعقد مع السياسة الأمريكية.
ففي يوليو سنة 1952 ـ بعد عام واحد بالضبط من النظرة الأولى على أمريكا ـ قامت الثورة في مصر، وكان الخصم الخارجي الطبيعي لهذه الثورة هو بريطانيا "التي تحتل مصر"، وفرنسا "التي تحتل شمال أفريقيا". وفي عملية الفرز الضرورية للأوضاع الدولية ـ ذلك الوقت ـ فقد بدا أنه إذا أراد النظام الجديد في مصر طرفاً عالمياً كبيراً يوازن القوى الإمبراطورية المتمسكة بمواقعها ـ فليس أمامه غير برلين: الولايات المتحدة الأمريكية وهي منافس ظاهر يطلب إرث الإمبراطوريات القديمة ـ والاتحاد السوفيتي وهو عدو زاحف يطلب نفس الشيء وإن بوسائل مختلفة.
وكان البديل السوفيتي في ذلك الوقت مستبعداً لأسباب كثيرة ـ عقائدية وسياسية وثقافية وحتى جغرافية ـ ومن ثم كان البديل الأمريكي هو الخيار المعقول، وربما زكاه أن حساسية الإمبراطورية القديمة تجاه الولايات المتحدة بدت عاملاً مساعداً، أو يمكن أن يكون مساعداً.
وبصداقة خاصة مع "جمال عبد الناصر" نشأت وتوثقت عراها تلك الأيام "وما زالت" ـ وجدت نفسي في صميم سياساته، خصوصاً وهي وقتها "ومازالت" شواغل الوطن وهمومه!
ثم كان أن حضرت محاولته الأولى في مقاربة أمريكا وتشجيعها على دور أقبلت هي أيضاً عليه بحقائق الأشياء في الشرق الأوسط، وكان الأمل ـ تغذيه تصورات مثالية عن "دولة كبرى" لم تتورط بعد في سياسات إمبراطورية ـ أن الولايات المتحدة أقرب من غيرها إلى فهم تطلعات الشعوب العربية "والآسيوية والأفريقية" ـ والإحساس بأشواقها المشروعة إلى الحرية في عالم يجري بناؤه الآن على أساس مبادئ وميثاق الأمم المتحدة.
وكذلك حضرت لقاءات "جمال عبد الناصر" "وعدد من أعضاء مجلس قيادة الثورة وقتها" مع السفير الأمريكي في مصر تلك الأيام "جيفرسون كافري". وكان "كافري" "الذي عرفته قبلها بظروف العمل الصحفي" ـ واجهة لا تعبر بدقة عن الشخصية الأمريكية، فالرجل أصلاً من عنصر "أنجلوساكسوني" ـ تمتلك أسرته أرضاً شاسعة في الجنوب الأمريكي من قبل الحرب الأهلية، وكان عمله الطويل سفيراً لبلاده في باريس قد جعله ـ إلى جانب أصل "أنجلوساكسوني" ـ أقرب إلى "جنتلمان" من اسكتلندا منه إلى راعي بقر من تكساس ـ أو من لويزيانا!
وفي تلك الأيام "سبتمبر 1952" زار مصر نائب وزير الدفاع الأمريكي "ويليام فوستر"، وكان ذلك أعلى مستوى بعثت به الولايات المتحدة إلى مصر في حينه. وتصادف مجيئه مع بداية المفاوضات المصرية ـ البريطانية في طلب الجلاء عن مصر، وكان ذلك شاغل الوطنية المصرية الأول والأكبر. ومع الرغبة المشتركة "مصرية وأمريكية" في إقامة علاقات ود من نوع جديد ومستوى أرقى ـ فإن مصر سألت، وكان السؤال على عشاء أقيم لنائب وزير الدفاع الأمريكي عن إمكانية شراء سلاح أمريكي للجيش المصري. وبدا الزائر في رده مستعداً لقبول الطلب، وفي بعض تعليقاته متحمساً. ومع أن السفير "كافري" الذي كان اللقاء على العشاء في بيته ـ بدا متحفِّظاً ـ فإن الحضور جميعاً، وأولهم "جمال عبد الناصر"، اعتبروا أن "حماسة" نائب وزير الدفاع الأمريكي هي الجواب، وأن ما بدا من تحفظ السفير الأمريكي هو جملة اعتراضية داعيها التحوّط الدبلوماسي الزائد لدى البيروقراطية في أي بلد في العالم!
وكان "كافري" ـ كما أظهرت التجارب ـ على حق. وكان على حق أكثر من مرة:
ـ مرة لأنه كان يعرف مسبقاً أن كلمة نائب وزير الدفاع لا تمثل ارتباطاً أكيداً لحكومته "لأنه يتكلم اجتماعياً على عشاء في بيت سفير لبلاده بعد أن احتسى كأساً من الويسكي، وشدّ أنفاساً من سيجار فاخر ـ كذلك كان تعبير "كافري" بالنص فيما بعد".
ـ ومرة ثانية لأن فترة سبتمبر 1952 والشهور التالية لها فترة انتخابات رئاسة أمريكية، والإدارة القائمة التي يمثلها "ويليام فوستر" الضيف الزائر ـ وهي إدارة الرئيس "هاري ترومان" ـ لم يبق لها في السلطة غير ثلاثة شهور انتقالية، والكل واثق مسبقاً أن الجنرال "دوايت أيزنهاور" هو الفائز ـ أي الرئيس القادم ـ بعد الانتخابات في نوفمبر 1952.
ـ ومرة ثالثة لأن "كافري" كان يعلم أن الولايات المتحدة لن تتطوع لمصر بأي شيء مقدماً ـ دفعة على الحساب ـ خصوصاً من السلاح. فهي في تقديره "وهو صحيح" تفضل أن تتفاوض وتساوم مع حليفها البريطاني "بصرف النظر عن الهواجس والشكوك" ـ ثم إن الولايات المتحدة إذا أعطت شيئاً لمصر فلن تعطيها سلاحاً يمكن أن يستخدم ضد إسرائيل.
ومرة رابعة لأن "كافري" وهو يعرف سياسية بلاده متأكد أنها لن تعطي إلا بقدر ما تأخذ أولاً ـ فإذا كانت مصر تريد شيئاً فعليها أن تدفع مقدم ثمنه، ولأن أمريكا لا تبحث عن "عربون" مالي من مصر وإنما تبحث عن "عربون" سياسي وإستراتيجي ـ إذن فليست هناك صفقة محتملة في القريب العاجل ـ وربما بعده لأن مصر المطالبة بجلاء الإنجليز "الإمبراطورية القديمة" عنها ليست على استعداد لأن تدفع "عرابين" سياسية وإستراتيجية.
ـ وكان "كافري" على حق ـ مرة خامسة وأخيرة "وذلك شيء لم أعرفه منه إلا بعد اعتزاله الخدمة بسنوات طويلة، وكان قد ذهب ليعيش آخر أيامه ويموت ويدفن في فرنسا" ـ لأنه كان على يقين بأن الولايات المتحدة لن تساعد أي بلد عربي إلا إذا وقع اتفاقية صلح نهائي مع إسرائيل!!
…………………..
لكن "جمال عبد الناصر" أيامها ـ وبعد ثلاثة شهور من الثورة ـ كان أميل إلى تصديق "ويليام فوستر" نائب وزير الدفاع، ولعله حسن النية في السياسة الأمريكية وقتها ـ أو لعلها أمانيه غلبت دلالة موقف "كافري" ـ الذي بدا تحفظه دون شرح أسبابه ـ ثم آثر الصمت حتى انتهى اللقاء، ثم ظهر ذلك وكأنه الأدب الدبلوماسي، بما معناه أن السفير الأمريكي كما تقتضي اللياقة ألزم نفسه بالحدود الفاصلة بين السياسة والدبلوماسية!
ونتيجة لتصديق "ويليام فوستر" استجاب "جمال عبد الناصر" لدعوة وجهتها وزارة الدفاع الأمريكية إلى وفد مصري يزور المنشآت العسكرية في الولايات المتحدة الأمريكية ـ وقد اعتبرها "جمال عبد الناصر" مقدمة تمهد لمفاوضات. وكان أن سافرت بعثة مصرية لهذا الغرض رأسها "قائد الجناح" الطيار "علي صبري" "وكان وقتها مسئولاً في المكتب العسكري لـ "جمال عبد الناصر".
ثم حدث أن "جمال عبد الناصر" طلب مني أن أسافر إلى الولايات المتحدة، بعيداً عن الوفد العسكري، وظنه أنني أستطيع المساعدة على إنجاح مهمة الوفد بصداقات يعرف أنها قائمة بيني وبين عدد من الصحفيين الأمريكيين البارزين وقتها، وكان معظمهم ممن عرفت وزاملت في مهام عديدة عندما كنا جميعاً مراسلين لصحفنا في حروب "البلقان" "الحرب الأهلية في اليونان وما حولها" ـ وفي معارك فلسطين "قبل قيام الدولة اليهودية وبعده" ـ وفي أحداث الثورة الإيرانية "معركة "مصدَّق" وتأميم البترول الإيراني" ـ وفي أزمة الشرق الأوسط "الانقلابات والاغتيالات في سوريا وغيرها" ـ وفي صراعات الشرق الأقصى "كوريا ـ والهند الصينية ـ وفيتنام الأولى ضد فرنسا" ـ وفي غيرها من شواغل تلك الأيام.
وهكذا عبرت المحيط غرباً للمرة الثانية إلى أمريكا، وفي هذه المرة لم أكن زائراً أو متفرجاً، وإنما كنت في مهمة عمل تداخلت فيها السياسة مع الصحافة فقد وجدتها ـ أيضاً ـ فرصة مناسبة لتغطية معركة الرئاسة في مرحلتها النهائية الحاسمة بين الجنرال "دوايت أيزنهاور" عن الحزب الجمهوري ـ وبين منافسه "أدلاي ستيفنسون" عن الحزب الديمقراطي.
وفي ذلك الوقت، وفي إطار هذه المهمة التي تداخلت فيها السياسة مع الصحافة ـ اقتربت من بعض دوائر صنع القرار الرسمي في أمريكا، وضمنها قيادات الحزبين الكبيرين المتنافسين في انتخابات الرئاسة، وعدد من الرجال النافذين في الإدارة القديمة "ترومان" ونظرائهم القادمين مع الإدارة الجديدة "أيزنهاور" ـ السفراء الكبار في وزارة الخارجية ـ وكذلك مع الجنرالات الأهم في وزارة الدفاع".
ولم يكن من المصادفات أنني وجدت موعداً تحدد لي مع مدير برامج المساعدات الأمريكية العسكرية "وهو وقتها الجنرال "أولمستيد" ـ فالذين قاموا على ترتيب جزء من برنامج اتصالاتي السياسية كانوا بغير شك يعرفون ما فيه الكفاية عن الأسباب المختلفة لقدومي إلى واشنطن.
…………………
وباختصار فقد كانت تلك الزيارة إطلالة أكثر تدقيقاً وأشد تأنياً في النظر إلى القوة الأمريكية الخارجة إلى المسئولية العالمية الأوسع.
والحاصل أنني عدت ـ عبر المحيط ـ أقل تفاؤلاً مما ذهبت، وعلي شبه يقين بأن مهمة بعثة شراء السلاح في واشنطن "قائد الجناح "علي صبري". ـ مهمة صعبة ـ إن لم تكن مستحيلة ـ وكانت أسبابي وقد تحدثت بها مع "جمال عبد الناصر" مضيفاً إلى رأيي شواهد ما استخلصته، ومنها:
1ـ إن الولايات المتحدة لديها مشروع "حلف عسكري" يقوم في المنطقة بعد جلاء القوات الإمبراطورية "البريطانية والفرنسية" منها. وهناك تلازم بين العمليتين خطوة بخطوة ـ الخروج الأوروبي والدخول الأمريكي. "وذلك سمعته من الجنرال "أولمستيد" وهو يحدثني عن خطة لدى الولايات المتحدة لإقامة "حلف اسلامي" يملأ فراغ المنطقة العسكري بعد جلاء الإمبراطوريات القديمة عنها ـ ثم يكون منه عنصر جذب لعشرات الملايين من المسلمين يعيشون وراء "الستار الحديدي" ـ داخل الاتحاد السوفيتي والصين."
2ـ إن الولايات المتحدة لن تبيع لمصر سلاحاً تستطيع به محاربة الإنجليز إذا تعطلت مفاوضات الجلاء من منطقة قناة السويس. "وذلك سمعته من الجنرال "جود باستر"، وهو من أركان حرب الرئيس الجمهوري الجديد الجنرال "دوايت إيزنهاور"، وتفصيله أن رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل" "وقتها" اتصل بـ "إيزنهاور" تليفونياً ليقول "إن الحكومة البريطانية تعرف بوجود وفد عسكري مصري في أمريكا يسعى لشراء سلاح، وأن هذا الوفد "يظن أنه يستند إلى وعد رسمي أمريكي"، وأنه ـ أي "تشرشل" ـ لا يتصور أن صديقه الجنرال "أيزنهاور"، وهو القائد العلى لقوات الحلفاء في معركة تحرير أوروبا، يرضى أن يعطى للمصرين سلاحاً يقتلون به جنوداً حاربوا تحت إمرته "إمرة "أيزنهاور" في الحرب المقدسة ضد النازية والفاشية.
وختام ما سمعته من الجنرال "جودباستر" أن "أيزنهاور" تأثر ـ وتعهد لـ "تشرشل" بأنه لن يعطي المصريين طلقة رصاص "على فرض أنه كان في النية أصلاً إعطاء شيء!"
3ـ إن الولايات المتحدة سوف تحاول تحقيق صلح بين العرب وإسرائيل كمقدمة لمشروعاتها المقبلة في الشرق الأوسط ـ وأنها إذا لم تستطع "بالإقناع" تحقيق هذا الصلح، فسوف تجازف لتحقيقه "بالفرض" مهما اقتضى ذلك من زمن أو من جهد. "وذلك سمعته من "جون أندرسون" ـ وهو واحد من أقرب المعاونين إلى "أيزنهاور" وقد أصبح وزير خزانته ـ وملخصه "أن أيزنهاور قاد حلفاً كبيراً لكل المعسكر الغربي، وهو بتفكيره لا يعرف علاقة مع بلد واحد، وإنما يعرف علاقة مع أقاليم كاملة "لأننا في عالم جديد لا يعترف بالحدود التقليدية للسيادات الوطنية". وإذا كنا ذلك "فإنك تستطيع أن تدرك أننا لا نريد صراعات داخلية في قلب هذه الأقاليم. وهذا يعني أن الصراعات الصغيرة يجب أن ترتب نفسها للصراع الأكبر مع الشيوعية الدولية، وتنسى "خناقاتها" المحلية من نوع "الخناقة" بين العرب وإسرائيل ـ وهذا هو شكل المستقبل!"
وقد رويت ذلك كله وأكثر منه لـ "جمال عبد الناصر" عندما حكيت له قصة تجربتي الأمريكية الثانية. والحقيقة أنه لم يكن مفاجأً بما قلته، فقد وجدتُه بعد أن غبت عنه  قرابة شهرين أو أقل تفاؤلاً، والظاهر أن متابعته لمهمة البعثة العسكرية "علي صبري" إلى الولايات المتحدة جعلته أكثر حذراً في "توقعاته" الأمريكية!
ومن أوائل الخمسينات وحتى أوائل الثمانينات من القرن العشرين عبرت المحيط غرباً إلى امريكا أربعاً وعشرين مرة، وشاركت في حوارات ومناقشات بلا نهاية "وبلا نتيجة" مع إدارات أمريكية عديدة ومع رجالها من الساسة ومن العسكريين ـ في البيت الأبيض وإداراته، وفي الكونجرس بمجلسيه، وفي وزارتي الخارجية والدفاع، وفي هيئة أركان الحرب المشتركة ـ بل وكذلك في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية.
وبسرعة واختصار فقد قابلت وتحدثت مع الرئيس "دوايت أيزنهاور" وأبرز أركان إدارته وهو وزير خارجيته "جون فوستر دالاس" ـ وفيما بعد قابلت وتحدثت مع الرئيس "جون كنيدي" وأبرز أركان إدارته، وكانوا مجموعة من أكفأ وألمع ما شهد البيت الأبيض، وبينهم وزير الخارجية "دين راسك"، ومستشار الأمن القومي "ماك جورج باندي"، ووزير الدفاع "روبرت ماكنمارا"، إلى جانب رجال أحاطوا بالرئيس زمانها وأشهرهم المؤرخ الكبير "آرثر شليزنجر" و"إدوارد سورنسون" و"بيير سالنجر" ـ ولم تتح لي الفرصة لمقابلة الرَّجل الذي خلف "جون كنيدي" بعد اغتياله، وهو الرئيس "ليندون جونسون"، لكني قابلت أقرب الناس إليه، وبينهم "والت روستو" مستشاره للأمن القومي، وشقيقه "جين روستو" الذي بقى قوة محركة في وزارة الخارجية الأمريكية مع "دين راسك" الذي واصل مع "جونسون" ما أبدأه مع "كنيدي" ـ ثم قابلت "واستضفت في بيتي في القاهرة" الرئيس "ريتشارد نيكسون"، وتحاورت طويلاً معه ومع أركان إدارته، وأهمهم مستشاره للأمن القومي "هنري كيسنجر"، ووزير خارجيته الأول "ويليام روجرز" ـ ولم تتح لي الفرصة أن أقابل الرئيس "فورد" الذي خلف "نيكسون" بعد فضيحة "ووترجيت"، لكن إدارته ظلَّت في الواقع هي إدارة "نيكسون" حتى خسر معركة الانتخابات سنة 1976 ـ وقابلت وتحاورت مع الرئيس "جيمي كارتر"، وكبار مساعديه وبينهم مستشاره للأمن القومي "زبجنيو برجينسكي"، ووزير خارجيته "سايروس فانس" ـ ولم تتح لي الفرصة أن أقابل الرئيس "رونالد ريجان" ـ لكني لقيت وحاورت أهم أقطاب إدارته وضمنهم "ألكسندر هيج" مستشاره للأمن القومي، و"جورج شولتز" وزير خارجيته.
وفي تلك الفترة كذلك "ما بين أوائل الخمسينات إلى أواخر الثمانينات" قابلت وتحاورت مع غير هؤلاء كثيرين في أمريكا من المفكرين والأدباء "من "كنيث جالبرايت" إلى "نورمان ميلر" ـ ومن رجال الأعمال إلى نجوم هوليوود "من دافيد روكفللر" إلى لاناتيرنر" ـ ومن مسئولي عوالم الأسرار إلى ملوك الإعلام "من "الآن دالاس" أشهر مدير لوكالة المخابرات المركزية ـ إلى "كاترين جراهام" صاحبة مجموعة صحف "واشنطن بوست".
ولقد أضفت إلى ذلك كله قراءات لها بداية وليست لها نهاية، ثم إنها تشعبت بعيداً وواسعاً "على حد تعبير "دوجلاس ريد" في كتابه الشهير".
وبناءً عليه كله فقد أستطيع القول بأنني اقتربت وعاينت وخالطت بنفسي عقل القوة الأمريكية وقلبها، ومع ذلك فقط ظل يراودني إحساس بأن ما عرفته عن الولايات المتحدة ليس كافياً ـ على الأقل ليس كافياً لكي يفسر لي طبيعة السياسة الأمريكية، ومطالبها، ودوافعها، وأساليبها.
ولقد ظننت أن التجربة المباشرة في التعامل مع القوة الأمريكية حسنت معرفتي بحقيقتها، لكني مع ذلك ظللت على يقين بأن ما أعرفه ليس كافياً.
بمعنى أن عبوري الأول للمحيط سنة 1951 ترك عليّ انطباعاً ـ جاء قاصراً.
ثم إن عبوري الثاني للمحيط سنة 1952 ـ ترك لديّ إحساساً بخيبة الأمل.
وتلى ذلك من سنة 1953 إلى سنة 1986 أربعة وعشرون عبوراً للمحيط إلى الغرب ـ أضافت إليّ بغير شك حصيلتها. لكنه بقي يراودني على نحو أو آخر إحساس بأن ما أعرفه عن أمريكا ما زال دون المطلوب.
ولقد ظننت في بعض الأحيان أنني توصلت بطول الدرس وتتابع التجارب إلى مجموعة من المفاتيح تصورتها مهمة لفهم أمريكا!
وإلى حد ما فقد يكون لهذا الظن بعض ما يبرره.
3ـ هل تكفى هذه المفاتيح لفهم أمريكا؟
أظنني توصلت بالتجربة والمعاينة، وبالقراءة والدرس، إلى "دستة" مفاتيح حسبتها مطلوبة لفتح بوابات أمريكا، والدخول منها، والبحث وراءها عن الأشياء والأحوال، بما قد يسمح بفهم أو برؤية تعزز فعلاً أو تسند ردَّ الفعل!
ومع أن الظن قد يكون إثماً، فإنني أجازف بعرض المفاتيح التي توصلت إليها ـ تاركاً الحكم لغيري ـ أعلم وأقدر.
* المفتاح الأول:
إن الولايات المتحدة بلد محظوظ: لديه كثير من الجغرافيا وقليل من التاريخ. ومعنى ذلك أن لديه غنى في الموارد بلا حدود، وخفة في أثقال التاريخ وحمولاته لم يتمتع بها غيره، وذلك منحه اطمئناناً إلى وفرة مادية طائلة ـ ثم إنه أعفاه من وساوس تاريخية ينوء بها عديد من الأوطان أو البلدان.
والذاكرة الوطنية للشعوب في بعض الأحيان عبء بمقدار ما هي حافز ـ لكن الهجرة إلى أمريكا كانت مشروطة بالتخلي عن القديم والبدء من جديد لمن يبغون الفرص الطموحة.
وإذا اعتبر هذا الحال فقراً في الإرث أو التراث ـ فإنه كان في نفس اللحظة عوناً على مواجهة المستقبل مفرغاً من العقد والمسئوليات مما يخلفه الإرث أو التراث.
وفي حين أن شعوباً أخرى أرهقتها تجارب القرون "من أول التاريخ" فإن الشعب الأمريكي بدأ مسيرته في الواقع منذ القرن السابع عشر الميلادي، وبالتالي فقط كان أكثر شباباً وأكثر نشاطاً من غيره، فهو في بداية العمر، وعنفوان الصبا "في حين كان غيره في آسيا قرب الشيخوخة ـ وفي أوروبا قرب الكهولة".
وفي حين أن كل الحقائق لها بدايات ومقدمات في فكر عامة الشعوب ـ فإنه فيما يخض الشعب الأمريكي ـ كل الحقائق تبدأ الآن. هنا والآن.
…………………
[وذلك يذكرني بليلة من الليالي "ليلة 7 نوفمبر 1973 ـ أي بعد اسبوعين اثنين من توقُّف معارك حرب أكتوبر" ـ وتلك ليلة ظلت فيها مؤرقاً حتى الصباح أفكر في وقائع لقاء تم في المساء بين "هنري كيسنجر" وبيني ـ وفي بادأني "كيسنجر" ـ  بقوله:
ـ "أريد أن أسمع منك كل ما تريد قوله لي عن الأزمة الحالية في الشرق الأوسط، لكن لي شرطين:
أولاً: لا تحدَّثني عن التاريخ. حدثني عن الواقع الراهن هذه اللحظة ـ لأننا من هنا نبدأ.
وثانياً: حدثني عن مصر وحدها، ولا تقل لي شيئاً عما تسمونه أنتم "الأمة العربية" ـ أعرف أن هناك شعباً في مصر ـ هذه حقيقة ـ ولكن أن هناك أمة عربية فذلك ادِّعاء تقولون به، وهو لم يثبت لي، وبالتالي فلست مستَعداً له!"
[وكان ذلك سبب الأرق ـ ومعه الدهشة ـ لأن ذلك الرجل الذي كان دارساً وأستاذاً للتاريخ ـ لم يعتبر التاريخ لأي شيء. وإنما اعتبر اللحظة الراهنة بداية كل شيء!]
ومع أن ذلك بدا لي مستغرباً، فإنني كنت على يقين أن ذلك الطلب صدر منه عن قناعة لديه بأن "التاريخ بدأ اليوم"!
ومع أني حاولت أن أشرح له أن تلك البداية تلغى الحقوق ـ بل وتهدر القانون. فقط كان منطقه "إننا إذا كنا نريد التعامل مع الماضي فسوف نظل في الماضي، وإذا أردنا المستقبل فأول المطلوب منا أن ننسى" ـ "وبالطبع فقد كان ذلك منطق التجربة الأمريكية أصلاً وأساساً!"]
…………………..
* المفتاح الثاني:
إن الولايات المتحدة لم تنشأ كوطن، وإنما نشأت كموطن. ولم تبدأ كدولة، وإنما بدأ كملجأ. أي أن الولايات المتحدة في واقع الأمر بدأت ونشأ كفضاء مفتوح لكل من يقدر على عبور المحيط أو يضطر لعبوره وإن تنوعت الأسباب: كان هناك المهاجرون والأول من المغامرين ـ ثم لحقهم المنفيّون ممن كنت دول أوروبا راغبة في التخلص منهم لأسباب سياسية أو أمنية ـ ثم كان هناك الهاربون من الاضطهاد العنصري أو الديني ـ ثم كان هناك الباحثون عن الثروة في بلد تكشف أن موارده بلا حدود من الأرض إلى الماء ـ ومن الفضة إلى الذهب!
ومنذ تمت رحلة "كريستوفر كولمبس" الأولى ـ ثم الثانية ـ كانت الأخبار في العالم القديم عن العالم الجديد أسطورية. فتلك هي "أرض الميعاد" الحقيقة تتسع لكل من يشاء، وفيها ما يحتاج إليه وأكثر، ثم إنها أرض بلا ملوك ـ ولا كنيسة ـ ولا إقطاع ـ ولا قانون ـ ولا بوليس وإنما هي فضاء مفتوح لأي قادر على عبور المحيط، وعلى التعامل مع الحدود القابلة للاتساع والتمدد كل يوم.
……………….
[وربما أنه من هنا يمكن فهم استعداد السياسة الأمريكية في هذه اللحظة أن تتقدم لأي مشكلة بمقترحات غير محكومة بثوابت، وبمنطق أنه لا ملوك ـ ولا كنيسة ـ ولا إقطاع ـ ولا قانون ـ ولا بوليس ـ وإنما هو فضاء مفتوح!
وكذلك يتوصل رئيس ذكي مثل "بيل كلينتون" إلى أنه من "صالح العرب" أن يتركوا القدس لإسرائيل ـ وإذا كان العرب والمسلمون على تصميمهم بأن "القدس عربية" فإنه في مقدورهم تغيير اسم قرية قريبة "وراء التل" ـ هي "أبو ديس" ـ لتسمى "القدس" ـ وميزتها أنها على بعد كيلو مترات قليلة من القدس الأصلية أمام التل. ثم يضيف إنهم فعلوا كثيراً في أمريكا، فهناك مدن كثيرة في أمريكا اسمها "القدس"، وهناك مدن اسمها "القاهرة" ـ "والإسكندرية" ـ و"بيروت"!]
…………………..
* المفتاح الثالث:
إن الفضاء المفتوح لا يقبل باي عوائق من أي نوع، سواء في ذلك الطبيعة أو حتى سكانها الأصليون، ذلك أن الطبيعة لا بد لها أن تتسع بما يوافق طموح القادمين بحثاً عن الفرصة، ثم إن السكان الأصليين عليهم أن ينزاحوا وإلا فهم تذكرة دائمة للقادمين الجدد بأن هناك حقوقاً سابقة تعترض حقوقهم اللاحقة، وذلك خلط مادي ومعنوي كبير يجب تسويته ـ وبكل وسيلة متاحة!
وهكذا فإنه بعد النـزول الأول على الشواطئ الشرقية للقارة ـ شواطئ الأطلسي عبر أوروبا ـ فإن النفاذ إلى الداخل أصبح معلقاً بما يستطيع الجواد أن يرمح فيه ويستحوذ عليه ويضمّه. ثم إن الأمن في الداخل أصبح مرهوناً بما يستطيع المسدّس أن يسيطر عليه من الفضاء المفتوح، ويخليه ويضمنه.
وكذلك فإنه اذا كانت الغابات والأحراش عائقاً، فإن الغابات والأحراش عليها أن تزول ـ وإذا كان الهنود الحمر وراء التلال والجبال ملاكاً ـ على نحو ما ـ للأرض، فإن هؤلاء الهنود الحمر يتعين أن يختفوا ـ وجوداً وظلاً.
…………………
…………………
[وهنا يمكن فهم الرؤية الأمريكية لقضية فلسطين، فالمستوطن اليهودي ليس فقط مهاجراً إلى أرض جديدة، وإنما هو كذلك وبقوة الجواد والمسدس "المجنـزرة والمدفع الرشاش هذه المرة" عائد إلى ارض يملك عليها امتيازاً من قديم "وهذه حجة إضافية يزيد عليها أنه اذا كانت الغابات والأحراش في القارة الأمريكية قابلة للإزالة ـ فإن "الخلاء"! الفلسطيني من باب أولى لا بد من تجهيزه للاستيطان، ثم إن "الفلسطيني" الأصلي "! ـ شأنه شأن الهندي الأحمر ـ عليه أن يختفي وجوداً وظلاً ـ ولم لا؟ إذا لم يكن للحق الأزلي اعتباره قانوني، وإذا لم يكن للحقائق الحية على الأرض قبل المستوطن اليهودي "وقبل المهاجر الأمريكي" اعتبار إنساني وأخلاقي!]
…………………
…………………
* المفتاح الرابع:
إنه إذا كان مطلوباً أخلاء القضاء المفتوح من أي عوائق ـ ومن أي دعاوي سابقة على الادعاء بملكيته بصرف النظر عن أية حقوق سابقة تاريخية، أو إنسانية، أو أخلاقية، أو قانونية ـ فإن السبيل إلى ذلك هو القوة، وقوة السلاح، وقوة السلاح وحدها.
وعندما تتجرد قوة السلاح من كوابح المبادئ والقيم والثقافة ـ مع غياب كافة أنواع الشرعية ـ فإن السلاح يطيح ـ بدون مقدمات، وبغير ضوابط ـ وبالتالي تكون الكلمة الأولى في أي لقاء هي تصويب المسدس، والكلمة الأخيرة هي الضغط على الزناد، وكذلك تتحول القوة في حد ذاتها إلى مصدر للمشروعية، وبها وليس بغيرها يتحول "الإغتصاب" إلى "حيازة" وتتحول "الحيازة" إلى "ملكية" تسن لنفسها قوانين جديدة تتعامل بها الأوضاع المستجدة في تنظيم علاقات الغلبة والسيطرة.
وكان ذلك ما حدث طوال قرنين من الزمان، فقط كان على أرض أمريكا الشمالية ـ وديانها وسهولها ومروجها وجبالها ـ ما يقدر عدده بخمسين مليوناً من الهنود الحمر عندما ظهرت "سانتا ماريا" ـ سفينة "كريستوفر كولمبوس" ـ تتقدم سفينتين وراءها. ثم ظلت أمريكا الشمالية تسمع طلقات الرصاص، وتلمح من بعيد دخانه، وترى على الأرض بقع دمه، وحين هدأت الضجة تبين أن ذلك الشعب النبيل الذي رفض أن يستسلم للنازلين على شواطئه والزاحفين على أرضه لم يعد باقياً منه غير مليونين أو ثلاثة.
………………
………………
[وهنا يمكن فهم المنطلق الذي تحاورت به السيدة "مادلين أولبرايت" وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة في مقابلة تليفزيونية "مايو سنة 1998":
سئلت "أولبرايت" عن استقالة اثنين من مفوضي الأمم المتحدة مسئولين عن تنسيق برامجها في العراق، وهما "دنيس هاليداي" و"هانزفون سبونيك" ـ كلاهما قدم استقالته لأنه لم يستطع أن يحمل على ضميره وزر وفاة نصف مليون طفل عراقي راحوا ضحية نقص الغذاء والدواء بسبب الحصار الذي تفرضه الولايات المتحدة "باسم الإمم المتحدة" على العراق؟
وردّت "أولبرايت" قائلة للسائل بالحرف: "ربما أنه ثمن غال كما تقول، لكننا نرى أن الهدف الذي نطلبه يساوي ذلك الثمن وأكثر منه"!!]
     .……………………
* المفتاح الخامس:
إن الضمير الأمريكي كان يتعين عليه أن يجد مسوغات معنوية ونفسية تبرر له جوانب العنف والقسوة في مغامرته التي بدأها على الشواطئ الأمريكية، ومنها إلى الداخل والوسط، وحتى أقصى الغرب، وهنا تأسس فكر راح يستكمل ويستوفي مطالبه وضروراته حتى تحول إلى مدرسة بأكملها.
وكانت بداية التأسيس من عناصر المهاجرين بسبب الاضطهاد الديني، ومن المفارقات أنه من عندهم ظهرت "نظرية المنفعة" في طبعتها الأمريكية، وفي سياقها الأساسي وخلاصتها:
○ إن الله لم يخلق هذه الأرض وما عليها عبثاً، وإنما خلقها لبشر سواهم على مثاله.
○ وإذا كان ذلك فإن هؤلاء البشر ـ على مثلا الأله ـ مكلفون بما ينفع الأرض ويحقق عليها كلمة خالقهم.
○ وإذا كان نفع الأرض هو هدف البشر فإن الأقدر منهم على النفع هو الأحق بالقيام عليه.
○ وإذا كانت هذه الأرض في حوزة الهنود الحمر منذ نشأة الحياة، ولم يقوموا بحقها ـ فإن مشيئة الله تتحقق بأن يحل محلهم من هو أقدر منهم.
وكذلك ظهرت أخلاقيات وقوانين وقواعد "نظرية المنفعة" الأمريكية، ومشى فقهها من بداياته ! ـ إلى نهاياته على أساس انه اذا كان ما هو نافع مطلوباً ـ فإن ما هو نافع بدوره مشروع مهما كانت وسائله ـ وكذلك ينبغي أن يستقر القانون وتصاغ مواده.
……………………
……………………
[وهنا يمكن فهم ما يراه العرب وينسبونه أحياناً إلى بلادة في شعور الرأي العام الغربي تجاه اغتصاب فلسطين.
فقد نجحت اسرائيل أن ترسخ لديهم ـ على عكس الحقيقة ـ صورة مؤداها أن فلسطين كانت صحراء جرداء قبل أن ينزل عليها الخصب الصهيوني.
ومالك الأرض الحقيقي ـ والقانوني ـ ليس مالك صك الملكية، وإنما القادر على الأرض أكفأ ـ والممسك بها أقوى ـ ذلك أن الصك ورقة ـ وأما الحق فهو القوة.
وهذه نقطة مركزية تستحق فهماً عربياً أعمق، فالعدل حلم الضعفاء ـ لكن القانون يكتبه الأقوياء.
وغير ذلك الادِّعاء].
………………..
* المفتاح السادس:
إن كل شيء في أمريكا سهل وميسر، فذلك الوطن الأمريكي الذي أعفى نفسه من أعباء التاريخ القديم، والشرائع السابقة، والتقلصات والتقلبات الدينية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، والحروب والثورات التي صهرت قارات العالم القديم منذ فجر الوعي الإنساني ـ وجد نفسه في وضع لم يتح لوطن من قبل:
- قارة بكامل مواردها فضاءاً مفتوحاً، وقد استطاع المهاجرون أن يملئوا "فراغهاً"، وأن يستولوا على الأرض وما فوقها.
ـ وهؤلاء المهاجرون استطاعوا في قرنين اثنين تأسيس موطن ـ تحول إلى وطن ـ له ثروته المادية، وله فكره المتحرر من القيود، وله طرائقه في الإنتاج والحياة، وله قوانينه ـ بل وله أخلاقه.
- ثم إن هذا الوطن التفت إلى يمينه من خريطة العالم فوجد أوروبا إلى الشرق من الأطلنطي وقد وصلت إلى عصر النهضة، وفاضت فيها الفلسفات والعلوم، والآداب والفنون، والمعارف والثقافية، ومعها تكنولوجيا من نوع مذهل يحل فيه البخار محل عضلات الناس من الأحرار كانوا أو من العبيد "وبالإضافة إلى ذلك فقد كانت هناك في أوروبا نبوءات مبكرة عن طاقة الكهرباء "وهي سحر قادر على كل شيء!"
     ولم يرهق المجتمع الأمريكي نفسه في إعادة اختراع الأشياء!
نظر إلى أوروبا ونقل، وذهب إلى أوروبا واشترى، وعاين ما وجد أمامه واختار ما رآه نافعاً ـ مفيداً ـ أو حلواً. وكان له ما أراد بغير موانع. ولم تكن هناك على الفن والفكر ـ من "شكسبير" و"دانتي" إلى "روسو" و"مونتيسكيو" ـ حقوق ملكية فكرية ـ ولا كانت هناك على موسيقى "بتهوفن" أو "موزار" أو "باخ" أو "فيفالدي" أو غيرهم حقوق أداء علني ـ وكانت كل المخترعات من قوة البخار المحركة إلى قوة العدسات المبصرة، ومن المدافع بعيدة المدى إلى القطارات المسافرة فوق قضبانها حيث تمتد ـ معروضة لمن يشاء في السوق دون شروط تعجيزية من نوع ما تواجهه الدول النامية الآن "وأوله أن تدفع من اللحم الحي ضرائب كل شيء تريد أن تأخذه من العالم، حتى الكتاب، والفكرة، والنغم".
وهكذا أخذت أمريكا من العالم القديم كل ما أرادته دون معاناة أو ألم ـ دون حقوق أو رسوم.
…………………
………………….
[وكذلك يمكن فهم تعود الأمريكان على طلب الأشياء ـ مادية ومعنوية، من حقوق الثروات الطبيعية إلى حقوق السيادة الوطنية ـ بلا عناء ـ مقابل ثمن نقدي يدفع، ثم يتم شحن البضاعة!
وذلك بالضبط ـ على سبيل المثال ـ ما جرى في صفقة شراء الرئيس الصربي السابق "سلوبودان ميلوسوفيتش"، وكانت الصفقة بيعاً وشراء ـ تسليماً وتسلّماً ـ قيمها بليون دولار. والغريب أن الولايات المتحدة رتَّبت دفعها قسمة مع آخرين:
445 مليون دولار يدفعها الاتحاد الأوروبي.
200 مليون دولار يدفعها أطراف دوليون مختلفون منهم سويسرا واليابان.
150 مليون دولار يدفعها البنك الدولي.
وأما الولايات المتحدة الأمريكية نفسها فقد كان نصيبها النقدي في الصفقة 182 مليون دولار ـ لكن الصفقة جرت تحت إشرافها وإدارتها!]
………………….
* المفتاح السابع:
إن التجربة الأمريكية جاءت بسابقة مغايرة لما كان قبلها في التاريخ. فالعادة أن الأوطان تظهر مع ظهور الدول فيها، داخل رقعة محددة من الأرض لها أطراف وحدود وتضاريس طبيعية تحول موطن أي مجتمع إنساني إلى وعاء مستقل بذاته وصفاته ـ ومن ثم تمهد لظهور سلطة فيه ترسم حدود الدولة وتشهر قيامها.
في أمريكا اختلف الأمر. تأخرت الدولة كثيراً عن الظهور، وإن تناثرت على سطح القارة بؤر استيطان وعمران مكشوفة راحت حتى عصور متأخرة "القرن السابع عشر والثامن عشر" تدافع عن نفسها بوسائل ابتدعتها من إنشاء شركات إلى إنشاء ميليشيات. ولما كانت الهجرة إلى أمريكا مستجدة، والثروات وفيرة، فإن الدول الأوروبية تدافعت، وراح ملوكها يبسطون حمايتهم على مساحات تفوق حجم ممالكهم الأصلية، وكذلك كانت سيادتهم رمزية.
لكن المجتمعات الاستيطانية الجديدة في أمريكا رأت لنفسها مصالح مختلفة عن مصالح هؤلاء الذين رأوا الفراغ الناشئ عن وجود "دولة أمريكية" وتقدموا لملئه ـ وهنا ظهرت حركة الاستقلال الأمريكية يقودها "جورج واشنطن"، وكانت بدورها معركة سهلة، وذلك أن السيادات الملكية الأوروبية كانت رمزية، ثم إن المجتمعات الاستيطانية الجديدة في أمريكا كبرت واتصلت، واشتدت حاجتها إلى دولة وطنية تحفظ لها مصالحها المتميزة عن غيرها، وتكفل للجميع أمناً مشتركاً. وكذلك اتحدت الولايات، أو بعضها، في حرب لطلب الاستقلال ـ ثم تقاتلت الولايات مع بعضها في حرب لطلب الوحدة ـ ثم توصلت التجربة إلى شكل الدولة الاتحادية ـ بقوم عليها مركز قوى يملكه الجميع ـ وحقوق متساوية تمارسها الولايات دون وصاية من المركز. وفي ذلك كله كان الوطن الأمريكي يتوسع من الشرق إلى الغرب، والمدهش أن "الفتح" لم يجر بالسلاح في بعض الأحيان، وانما جرى بالشراء: جزيرة "مانهاتن" وعليها "نيويورك" جرى شراؤها مرتين "زعيم هندي أحمر باعها إلى شركة هولندية ـ وبعدها بعشرات السنين باعتها الشركة الهولندية إلى الولاية الأمريكية". ولاية كاليفورنيا" ـ صفقة بالبيع والشراء من اسبانيا "لويزيانا" صفقة مع فرنسا.
…………………
[كذلك عرفت التجربة السياسية الأمريكية نفوذاً يتوسع بالبيع والشراء، وبالخصم وبالتقسيط!
وربما هنا فإنه يمكن فهم ذلك الشعور الجازم في الكونجرس الأمريكي "بأننا اشترينا السلام في الشرق الأوسط بحمزة مساعدات أمريكية ملحقة باتفاقية كامب دافيد بين مصر وإسرائيل، واسمها الرسمي هو "جائزة السلام" ـ وقيمتها خمسة بلايين دولار سنوياً ـ تقسم بنسبة أكثر من ثلاثة لإسرائيل وأقل من اثنين لمصر ـ ومدة الجائزة عشرون سنة قابلة للتجديد "حتى يستقرب ويترسخ السلام!"]
………………
* المفتاح الثامن:
إن الدولة الأمريكية ظهرت في وقت احتدمت فيه الصراعات والثورات في أوروبا. فقد كان ذلك زمن قطع رقاب الملوك في إنجلترا وفي فرنسا ـ وزمن الحروب بين الإمبراطوريات التي اشتد غضبها ونقص دخلها بعد أن فقدت ممتلكاتها الأمريكية، وزادت عليها تكاليف السباق الاستعماري إلى آسيا وفيما بعد إلى أفريقيا.
وفي تلك اللحظة الحرجة من تاريخ الإمبراطوريات فإن زعيم وقائد الاستقلال الأمريكي: "جورج واشنطن"، قدم لوطنه وصيته الأهم وهي "الابتعاد تماماً عن صراعات القارة الأوروبية التي لا تعني أمريكا، ولا تهمها، ولا يصيبها منها إلا الضرر".
وكانت وجهة نظر "جورج واشنطن" ان الصراعات الأوروبية بحور دمٍ لها منابع دم بعيدة غائرة في الزمن، وذلك كله حدث قبل ان تولد أمريكا لكن حدوثه الآن يعطي لأمريكا ميزة لأن التهاء أوروبا في حروبها السياسية والدينية والاقتصادية والاستعمارية يكفل للدولة الأمريكية المستقلة فترة كافية تدعم فيها وحدتها بصهر عناصر الهجرة اليها "باللغة والثقافة الجديدة" حتى تذوب وتتوحد مصالحها، وذلك يمكنها من صنع وطن ودولة ـ بل وأمة إذا توصلت عملية الصهر دون تدخلات من الخارج.
وإذا كانت وصية "واشنطن" صحيحة، وقد كان كذلك في زمانها، فإن ابتعاد أمريكا عن الصراعات الأوروبية كان لها ملحق ضروري هو تصفية بقايا الجيوب الأوروبية في أمريكا الشمالية، وتخليص ولايات الإتحاد وما حولها من قبضة الإمبراطوريات البائدة ـ وهنا جاءت الحرب مع البرتغال ومع إسبانيا.
…………………
[ومن غرائب التاريخ المصري أن آخر ملوك المكسيك وهو الإمبراطور "ماكسميليان" ـ طلب قوات تساعده في تمكين ملكه، وتطوع لمساعدته خديو مصر "سعيد" باشا، ثم "اسماعيل" باشا وكلاهما أرسل لـ "ماكسميليان" حملة عسكرية مصرية تفاوتت التقديرات في شأنها ـ فمن التقدير يقول إنها عشرة آلاف جندي مصري، إلى تقدير يصل بهذا الرقم إلا أضعافه ـ وبالفعل فقد ذهب مجندون مصريون ـ فلاحون بالسخرة ـ بالألوف جيشاً مهدى بلا مقابل من خديو مصر إلى إمبراطور المكسيك ولم يظهر لهؤلاء الآلاف فيما بعد عدد ـ ولا أثر!]
……………….
وفي كل الأحوال فإن الدولة الأمريكية الناشئة تطبيقاً لوصية "جورج واشنطن" قامت بتصفية كل الجيوب الأوروبية في أمريكا الشمالية.
وأكثر من ذلك فأنها انتهزت فرصة الفوضى الأوروبية طوال القرن التاسع عشر ثم أعلنت إن خط المياه وسط المحيط هو حدود سلامتها وحمايتها من صراعات العالم القديم، وأصبح ذلك الخط وفقاً لـ "مبدأ مونرو" "1823" هو خط الأمن الأمريكي.
………………
[هكذا عرفت الولايات المتحدة ومارست مبكراً "حدود سيادة" على أرض القارة الأمريكية ـ ثم رسمت لنفسها "حدود أمن" وصلت إلى منتصف المحيط ـ وذلك ما أخذته اسرائيل فيما بعد ومارسته معتبرة أنه اذا كان خط حدودها هو كل فلسطين، فإن خط أمنها واصل ـ طبقاً لـ "آرييل شارون" ـ إلى إيران وباكستان وجنوب السودان.  وبالطبع فإن الولايات المتحدة تتفهم ـ بوعي التجربة، وحتى دون ضرورة الاعتراف العلني الآن!]
……………….
* المفتاح التاسع:
إن الولايات المتحدة حين استكملت توسعها إلى الغرب وتملكت "كاليفورنيا" و"تكساس" ـ وجدت نفسها في موقع فريد مؤدّاه إن المحيطات نفسها: الأطلسي شرقاً، والهادئ غرباً، ـ هي بذاتها حواجز الأمن الضامنة له.
فهذه المساحات الشاسعة من الماء، وهذه الجبال العالية من الموج، عصيّة على أي جيش غازٍ حتى بعد ظهور وتقدم الطيران. وفي أسوأ الأحول فإن أي جيش غاز لا يستطيع أن ينقض على أمريكا مفاجأة، كما تفعل الجيوش الألمانية مع فرنسا مثلاً أو مع روسيا.
هكذا ظهر في التاريخ لأول مرة وطن تضمن الطبيعة ذاتها أمنه وتعفيه من أي تهديد خارجي، وكان ذلك حدثاً في الفكر الاستراتيجي مستجدّاً بالكامل، لم يخطر على بال "فرعون" مثل "رمسيس" الثاني، ولا غاز مثل "الإسكندر"، ولا إمبراطور مثل "نابليون"، ولا مفكر عسكري مثل "كلاوزفيتز".
وطن ضخم غني بموارده، فادح في ثرواته ـ ومع ذلك فهو غير معرض لتهديد من أي نوع (حتى ظهر عصر الصواريخ في أواخر القرن العشرين).
……………..
[وربما إنه يمكن فهم مشروع الدفاع الاستراتيجي بالصواريخ المضادة ـ وهو المشروع الذي تقوم الدنيا وتقعد الآن تصدياً له ـ فهماً أعمق إذا جرى النظر إليه على أساس أنه استمرار الإستراتيجية "عازل" المحيطين "الأطلسي والهادئ" ـ وهو "العازل" الحامي للأمن الأمريكي. فمشروع الصواريخ المضادة للصواريخ يكفل إلا ينفذ في سماء المحيطين تهديد ـ صاروخي ـ يصل إلى الولايات المتحدة. وكان ذلك ـ من وجهة نظر السياسة الأمريكية ـ أفضل، لأنه يقفل الباب على سباق في الأسلحة النووية تبارت فيه دول كثيرة وفّرت لنفسها إمكانياته. ومن المنطقة إنه إذا استطاع طرف إلغاء سلاح طرف آخر فإنه يضمن النصر. وبما ان الولايات المتحدة سابقة ـ بتجربة النجوم أيام "ريجان" ـ فإن الصورايخ المضادة للصواريخ تكفل لها موقع القلعة المنيعة لا يصل اليها تهديد. هذا مع الأخذ في الحساب "وتلك نقطة جديرة بالاعتبار" أن الصواريخ المضادة للصواريخ كفيلة بإلغاء فاعلية كل الترسانات النووية التي تملكها ـ ولا تملك غيرها الآن ـ روسيا ـ وتلك الترسانات التي تملكها بلاد كانت تنتمي إلى الاتحاد السوفيتي سابقاً مثل أوكرانيا ـ وفوق ذلك تلك الترسانات التي تملكها دول صديقة في الغرب الآن "بريطانيا وفرنسا" ـ وذلك من باب الاحتياط ليوم تتغير فيه الأجواء وتختلف ـ وكله جائز!
وهكذا فإن الولايات المتحدة في دفاعها عن نفسها لا تتسابق مع طرف، وإنما هي تمنع كل الأطراف مرة واحدة!]
……………….
* المفتاح العاشر:
إن قوة الولايات المتحدة ـ المجتمع والدولة ـ عندما نمت وزادت وتراكمت، أصبح عليها أن تخرج من عزلتها وأن تتوسع بالمصالح والنفوذ إمبراطورياً، وتلك طبائع الأشياء بعد قوة الأشياء.
لكنه كان لافتاً أن أمريكا شاركت في الحربين العالميتين الأولى والثانية بغير نظرية أمن!
وكانت تلك أول إمبراطورية في التاريخ لديها نظرية مصالح ـ وليس نظرية أمن ـ ذلك أنه في غياب "التهديد" لا يوجد مطلب "أمن".
وعلى سبيل المثال فإنه خلال حربين عالميتين، لم تكن الولايات المتحدة الأمريكية في أي وقت معرضة لغزو، ولا كانت مدينة من مدنها مكشوفة أمام طيران مغير.
وفي اوروبا مثلاً ضربت كل العواصم، بل واحتل معظمها: باريس ـ روما ـ اثينا ـ فيينا ـ وارسو ـ براج ـ برلين ـ وفوقها نصف موسكو على الأقل. ونفس الشيء عواصم آسيا، وفي مقدمتها طوكيو وبكين وسنغافورة.
لكن نيويورك وبوسطن وواشنطن وشيكاجو ولوس أنجلوس وسان فرانسيسكو ونيو أورليانز ظلت طوال سنوات الحرب تمارس حياتها العادية، ولا يشغلها خطرا أو مظنّة خطر. يلفت النظر أكثر في غلبة "نظرية مصلحة" وغياب "نظرية أمن" أن الولايات المتحدة الأمريكية اتخذت قرارها بدخول الحربين العالميتين بناءً على حسابات هادئة باردة تجري تقديراتها من بعيد، وتدقق وتختار لحظتها المناسبة، وحين تكون الضرائب أقل والفوائد أكثر.
○ في الحرب العالمية الأولى ظلت الولايات المتحدة تتابع ما يجري على المسرح الأوروبي ـ ثم قررت الدخول سنة 1917 ـ وكانت نهاية الحرب سنة 1918.
○ وفي الحرب العالمية الثانية ظلت الولايات المتحدة تنتظر حتى بعثر "هتلر" جيوشه في القارة الأوروبية وشمال أفريقيا، وأكثر من ذلك تورط في بحر الثلج الروسي بغزوه للاتحاد السوفيتي أول أغسطس سنة 1941. وبعد خمسة شهور، وعلى استحياء بعد الغارة اليابانية الشهيرة على الأسطول الأمريكي في "بيرل هاربور" ـ دخلت أمريكا الحرب العالمية الثانية يوم 7 ديسمبر 1941 ـ وكانت هزيمة جيوش المحور في ذلك الوقت محققة ـ شبه مضمونة تقريباً.
……………
[وكان دخول الولايات المتحدة إلى حرب إرث الإمبراطوريات القديمة تطبيقاً رائعاً لإستراتيجية كان يمارسها القرصان الشهير الكابتن "مورجان" "في القرن السابع عشر" ـ وكان الكابتن "مورجان" يرى أن "القرصان العظيم" هو ذلك الذي يهاجم "القراصنة الصغار" العائدين بغنائمهم من مهاجمة السفن المتناثرة في البحار، أو الراجعين بعد الغارات على الموانئ المصدرة للذهب في البحر الكاريبي. كان رأيه ترك "القراصنة الصغار" يقومون بالعمل القذر، ثم الاستفراد بهم وهم محملون إلى الحافة بالغنائم. وكذلك فعلت الولايات المتحدة. فهي لم تذهب لتستولي على المستعمرات واحدة بعد واحدة، وإنما انتظرت لترث الإمبراطوريات. كذلك استراتيجية الكابتن "مورجان" "وهو الأصل والأساس في عائلة "مورجان" المهاجرة من مقاطعة "ويلز" الإنجليزية، والتي ملكت ولا تزال بعضاً من أكبر البنوك والمؤسسات المالية الأمريكية".]
……………..
* المفتاح الحادي عشر:
إنه إذا لم تكن للولايات المتحدة "نظرية أمن قومي" لغياب تهديد يمس الوطن حدوداً وعمقاً ـ كما هو شأن أوطان العالم ودوله ـ وإذا كانت للولايات المتحدة "نظرية مصالح قومية" فقط ـ فإن هذه مقدمة تترتب عليها نتيجة شديدة الأهمية، بعيدة الأثر، وتلك هي غياب "الوطنية" بالمعنى المتعارف عليه في أوطان أخرى وتواريخ مختلفة. ذلك أن حيوية الوطنية في بلد من البلدان في أي مكان وزمان هي نتيجة لتهديد مباشر يمس هويته أو أرضه أو استقلاله. أي أن التهديد أو احتمال التهديد هو الذي يخلق ردّه الفعل والمقاومة، وتلك شرارة الوطنية. وأما إذا كانت المشكلة طلب المصلحة، وليس رد التهديد ـ فإن المصلحة لها دواع وحوافز ومحرّكات من نوع مختلف لا يعرف الصمود إلى النفس الأخير ـ ولا الاستعداد للتضحية ـ ولا القبول بالشهادة.
وربما أن ذلك هو التفسير المقنع للحقائق الظاهرة ـ والمؤثرة ـ على السياسة الأمريكية، خلافاً لدول كبرى وإمبراطوريات سبقت في التاريخ.
ـ الشعور بالطمأنينة، والرغبة في متابعة صراعات الآخرين أو حتى إدارتها من بعد.
ـ الدخول في المعارك عندما تميل الموازين إلى الرجحان، ويفوت وقت التضحيات الكبرى، ويحين وقت تقسيم الغنائم الكبيرة.
ـ التردد في مواجهة الموت لأن الدفاع عن المصالح ـ خلافاً للدفاع عن الأوطان ـ لا يعرف الصمود والتضحية والقبول بالشهادة ـ لأنه إذا كانت المسألة مصالح فالكل يريد أن يعيش حتى تتحقق المصالح، وليس لديه استعداد دون حافز يسابق به إلى الموت ثم يفوز غيره بالجائزة.
………………
………………
[ولعل ذلك يفسر عقدة فيتنام حتى الآن في الولايات المتحدة. ومن المفارقات أنها الحرب الوحيدة الفكرية، أو المبدئية، أو العقائدية ـ التي دخلتها الولايات المتحدة الأمريكية في تاريخها وخسرتها ـ لأنها نوع من الحروب لا تعرفه أمريكا ولا تمارسه، وهي من الأصل لم تؤمن به لأن الظروف لم تلجئها إلى هذا الإيمان!
ثم إن ذلك أيضاً هو التفسير المعقول لكون شاب متهرب من خدمة العلم، وهو "بيل كلينتون"، أصبح رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية رغم أن تهربه من الخدمة كان معروفاً ومشهوداً!]
………………
………………
* المفتاح الثاني عشر:
إنه ذا كان ذلك كله صحيحاً ـ وهو كذلك في الغالب ـ إذن فإن "نظرية المصالح" لا بد أن تجد لها في ممارسة الصراعات وسائل أخرى لا تحتاج إلى الصمود ـ ولا تنتظر التضحية ـ ولا تلاقي الشهادة.
ومعنى ذلك أن عليها أن تمارس صراعاتها أو حروبها بوسائل مبتكرة، أهمها أن تكون المعارك عن بعد، وأن يتحقق النصر بغير دم أمريكي، لأن الدم الأمريكي قد يسيل ـ إذا سال ـ دفاعاً عن وطن وليس دفاعاً عن مصلحة! "وهنا فسوف يكون السؤال باستمرار: أي مصلحة؟ ثم مصلحة من؟ وأين الغنيمة في النهاية؟"
هكذا ظهرت ومورست استراتيجية "مصالح أمريكية" راحت ترسم خططها، وتجري تحركاتها خطوة بعد خطوة!
○ وكانت البداية الافتتاحية للإستراتيجية العالمية للولايات المتحدة سفناً تستكشف الشواطئ حاملة منتجاتاً وسلعاً "عبر الأطلسي نحو شمال أفريقيا على طول شاطئها من الدار البيضاء إلى الإسكندرية من أواخر القرن الثامن عشر".     
○ والخطوة الثانية بعثات تبشيرية تنادي بنقاء ديني لا تؤثر عليه صراعات الكنائس والملوك في أوروبا "تواصلت هذه البعثات التبشيرية الأمريكية طوال القرن التاسع عشر ـ من أعماق الصين إلى أعماق صعيد مصر".
○ بعد البعثات التبشيرية، وامتداداً لها، بعثات تعليمية "وكذلك ظهرت طوال القرن العشرين جامعات أمريكية يستحق بعضها الاعتراف له ـ مهما كانت الأسباب الداعية إليه ـ بأن نتائجه ساعدت على كثير من التنوير ـ خصوصاً في بيروت والقاهرة".
○ بتدبير ـ أو من غير تدبير ـ إعلام قوى خصوصاً بالصور، وبالذات بعد ظهور السينما، ينقل إلى الدنيا نوعاً آخر من الحياة الجذابة، وأصبحت قلعته "هوليوود".
○ نداء مستمر إلى أكبر عقول العالم في كل التخصصات لكي تذهب إلى إمريكا، بغواية أنه هناك وليس هنا يوجد المجال الحقيقي لهذه العقول لتعمل وتبدع وتطل على العالم من أوسع نوافذه، وتعود إليه من أوسع أبوابه "وتلك حرب استنزاف تأخذ من بقية العالم قدراته الخلاّقة".
○ مخابرات لم يعرف العالم مثيلاً لوسائلها ومواردها، لأن المطلوب منها أن تلمح أي عائق يعترض المصالح الأمريكية ـ ثم تتكفل بالقضاء عليه "بالانقلابات من الداخل" قبل أن يستفحل ضرره. والمخابرات الأمريكية لا تنشط ضد العدو فقط ـ بل ضد الصديق مع العدو "وكانت العملية "إيشلون" ـ ولا تزال ـ تركِّز همها للتجسس على أسواق لندن وباريس وبرلين ـ فأسرار الشركات في هذه العواصم أكثر أهمية من أسرار الحكومات".
○ العمل على تطوير أسلحة متقدمة تدخل للقتال إذا فرضته الظروف ـ على أن يكون القتال من بعيد ـ ثم يدور ويحقق كامل أهدافه بغير دم أمريكي قدر ما هو ممكن.
○ وفى تطوير هذه الأسلحة المتقدمة ـ بعيدة المدى ـ فإن الإمكانيات الأمريكية تقدر على تحقيق سبق تنقطع أنفاس الآخرين دونه ثم لا يبلغونه، ويكتشفون بعد فوات الأوان أنه كان سباقاً إلى الإفلاس.
○ وفي أثناء ذلك كله وخلاله ـ وقبله وبعده ـ سيطرة على الموارد الرئيسية للعالم كله عن طريق شبكة مصالح معقدة تتولى حماية الموارد البحرية ـ وتأمين الأجواء ـ وتكفل وجود محطات محلية ومأمونة لتقويم على حماية المصالح "شرطة إقليمية" وهي محطات يمكن تزويدها بالسلاح وبالمال وبالخبرة دون داعٍ لوجود أمريكي مباشر في ساحات الصراع "وإسرائيل هي النموذج الأشهر".
○ ترويج لأسلوب حياة معين هو أسلوب الحياة الأمريكية، وإذا كانت أمريكا لم تنتج ثقافة تصاحب القوة وتثبتها، فإنها تستطيع أن تغري العالم بأسلوب ابتدعته، والمنطق فيه أنه "إذا تصرف الناس على مثالك في حياتهم، واستعملوا مفرداتك في خطابهم ـ إذن فقد قبلوا رسالتك طواعية" ـ وذلك أكفأ أنواع التأثير ـ وبعد ذلك فهي الحركة السريعة، والطعام السريع، والصور السريعة، وحتى الملابس السريعة توضع وتخلع في طرفة عين!
                                             **
وكانت تلك المفاتيح ـ دستة مفاتيح ـ حصيلة نصف قرن تقريباً ـ تكرر فيه عبور المحيط أربعة وعشرين مرة، ولعلها أفادت من حقيقة أن العالم العربي كان الساحة الأهم لمطالب الإستراتيجية الأمريكية ـ ومع ذلك ظل وحتى النهاية يظهر لي، وكان ما لدى محصور كله في مجال التوصيف لم ينفذ بعد في مجال التحليل.
فهي إذن معرفة ناقصة مهما كانت مساحة الزمن الذي توفر لها، ومهما بلغت درجة الجهد الذي بذل فيها، وضمنه عبور المحيط أربعاً وعشرين مرة، وكلام، وحوارات، واتصالات "ومفاوضات في بعض المرات".
4ـ مشاهد الهجرة الإمبراطورية:
عبوران للمحيط في البداية للاستكشاف، اربعة وعشرون فيما بعد، ثم عبور لثلاث مرات حكمتها مقولة أنه "لا أحد يستطيع مقاطعة أمريكا". والمجموع كله تسعة وعشرون عبوراً.
وهذه المرة الأخيرة ـ نهاية الربيع وبداية الصيف في سنة 2001 ـ وقد وقعت بالمصادفة البحتة على كتاب لفت نظري عنوانه ـ وراجعت فهرسه، وأخذته معي، ومررت على فصوله في ساعة، ثم توافرت على قراءته تفصيلاً وتدقيقاً في بضع ساعات، وكان شعوري أن الكتاب يطرح على قارئه طريقة معينة في تحليل أمريكا ـ وليس مجرد توصيفها، مع وجود تداخل بالطبع بين التحليل والتوصيف.
وتوافق وصول الكتاب إليّ مع لحظة تزايد فيها إحساسي بأن هذا البلد يحتاج ألى من يغوص فيه عمقاً ليبحث عن البذور والجذور، وينظر في التركيب النفسي لهذه القوة الجديدة التي نمت تحت سمع الدنيا وبصرها، ولم تكن مثل غيرها من القوى التي نشأت في أعماق الماضي، وقرونه الغابرة التي تباعد عنها الزمن، بحيث شحبت الوقائع وخفتت الأصوات.
وكانت الإمبراطورية الأمريكية ظاهرة مختلفة ـ فقد نشأت تحت سمع وبصر عالم دخل عصر النهضة بكل وسائله وأدواته المعرفية، وتحت متابعة ورقابة القوى الإمبراطورية التي تحكمت اقتصادياً وسياسياً من معقلها الأوروبي ـ في قارات العالم القديم، وخصوصاً آسيا وافريقيا ـ ومع ذلك فإن المسعى الإمبراطوري الأمريكي استطاع أن يغافل الجميع ويسبق، ويأخذ من الإمبراطوريات القديمة ما عندها ويضيف عليه، ويتملك ويحتكر في سنوات. وبينما كانت الإمبراطوريات القديمة ما زالت تتوهم أن مقادير العالم في يدها ـ إذا أمريكا فجأة وفي أقل من نصف قرن "وتلك طرفة عين في التاريخ" تزيح الجميع وتسيطر، حتى وإن جاءت سيطرتها قليلة الحكمة، ثقيلة اليد، لا تدرك أن الإمبراطورية فن، وأن القوة وحدها حماقة!
………………
والشاهد أن الكتاب الذي تحدَّث عنه عنوانه يمكن ترجمته بـ "العملاق"، أو بـ "المارد"، أو بـ "الطود"، واي وصف غير ذلك يفيد معنى زيادة الحجم، مترافقة مع زيادة القوة، والعنوان هو Colossus ـ وقد صدر سنة 2001 في نيويورك، وهو في 506 صفحات على 38 فصلاً، وشارك في وضعه أكثر من ثلاثين مؤلفاً، قام بعضهم على كتابة أكثر من فصل فيه، وقصدُهم أن يكون نظرة بالعمق على نشأة الدولة والقوة الأمريكية. ومن جانبي فقد أحسست طوال قراءة الكتاب أنني أمام عملية تحليل نفسي دقيق ـ مضيء وكاشف للتجربة الأمريكية. واللافت للنظر في فصول الكتاب أن مؤلفيه على اختلاف مواضع اهتمامهم توافقوا فيما بينهم على أسلوب يستخدم التوثيق الاجتماعي الذي تكمن أهميته في خلوه من الأسرار والخبايا، وفي أنه يرجع إلى مصادر أتيحت لكل الناس، ولم يتوقفوا طويلاً عندها لأنها من مشاهد حياة كل يوم، وفي ذلك ينسى الكثيرون أن مشاهد حياة كل يوم هي المسودّة الأولى للتاريخ بأكثر من الأوراق المحفوظة في الخزائن تحت الأقفال والأختام!
والمشاهد التي توقف أمامها المؤلفون كثيرة، وكلها أشبه ما تكون بطبقات، فوقها طبقات، وتحتها طبقات، وتكاد كل واحدة منها أن تكون قناعاً ينزاح فتسفر وراءه لمحة من وجه الحقيقة التي صنعت التركيبة النفسية للقوة الأهم في التاريخ وفي الدنيا:
* مشهد:
إن المهاجرين الأول إلى أمريكا أذهلهم ما وجدوه من ثراء مكدس لا يخطر على البال، وأبلغ تصوير لذهول المهاجرين الأول يرد في حوار مشهد مسرحي لرواية عرضت ـ سنة 1605 ـ في لندن على "المسرح الشرقي"، وعنوانها فرجينيا: فردوس العالم الفريد" ـ والإشارة واضحة إلى أقاليم "ولاية" فرجينيا، وكانت من أول مواطن الهجرة إلى أمريكا، وأصبحت أشهرها، والسبب كما يرد في سياق المسرحية يظهر في حوار بين اثنين من أبطالها،  أحدهما كان اسمه "سكابتريست" والثاني "سيجال" ـ والحوار يجري على النحو التالي:
"سكابتريست: ولكن قل لي يا كابتن.. هل الكنوز وفيرة على هذا النحو هناك كما سمعت؟
سيجال: اسمعني أقول لك. الذهب هناك أكثر من النحاس هنا. الذهب بالأكوام حيثما نظرت. كل الأواني من الذهب. كل شيء .. كل شيء مصنوع من الذهب حتى سلاسل الأسرى. وأما المجوهرات فهي منثورة حيثما أدرت البصر، حتى على ملابس الأطفال هناك، مرصعة بياقوت وزمرد يخطف بصرك إذا التفت إليهم!"
* مشهد:
يكتشف المهاجرون الأول ـ حتى في فيرجينيا ـ أن الموارد الطبيعية لها قيمة تستطيع إنتاج ثراء يفوق كل ما يلمع من ذهب سلاسل الأسرى، وياقوت وزمرد ملابس الأطفال ـ ثم إن الجهد المطلوب لتحقيق هذا الثراء بسيط، وان كان يحتاج بسرعة إلى رأس مال يتمثل في أدوات للزراعة، وللبناء، ولتمهيد الطرق، وكلها لا بد أن تجيء من الشاطئ الآخر للمحيط. وذلك ممكن لأن الذين سمعوا عن موارد العالم الجديد مستعدون للاستثمار فيها، لكنهم لبعد المسافات يريدون ضمانات، وأول الضمانات تنظيم مضمون لحركة أموالهم، يصون لهم حقهم في الأصل وأرباحه ـ ويضبط محدودية خسائرهم إذا وقعت. وهنا يظهر سنة 1607 إطار الشركة المساهمة ـ شركة "فرجينيا" يديرها من بعيد مفوضون عن ملاكها، ويكون عليهم نوع من نظام يتابع، ويتأكد أن الأرباح واصلة، وأن الخسائر محدودة، لأن كل مساهم لا يلتزم بما هو أكثر من نصيبه في رأس المال.
ويقول كاتب هذا الفصل من الكتاب: "إن من يريد أن يفهم أمريكا عليه أن يدرس بعناية فكرة الشركة المساهمة المحدودة". ثم يضيف: "إن بداية الولايات المتحدة الحقيقية كانت شركات من نوع شركة "فرجينيا". وكان رأس مال شركة "فرجينيا" مائة ألف جنيه إسترليني "بقيمة نقود ذلك الزمان"، وكان احد المساهمين البارزين فيها السير "فرانسيس بيكون" (الوزير الشهير في عصر الملكة "إليزابيث" الأولى، وخلفها الملك "جيمس").
وكان أهم ما قامت به الشركة شق طرق واصلة إلى مختلف أنحاء "فرجينيا"، وقد فرضت الشركة رسوم مرور يدفعها المسافرون عليها في كل مرة يستفيدون منها، وكان ذلك اختراعاً جديداً في أداء الخدمات يستوفي ثمنها أولاً بأول من لحظة إنشائها." "وكانت تلك بداية مشروعات الطرق الكبرى، يدفع تكاليفها المستفيدون منها كلما سافروا عليها!".
وخلال مائة سنة كانت الشركة هي الولاية والولاية هي الشركة: شركة "فيرجينيا".
* مشهد:
يتنبّه الهنود الحمر من سكان أمريكا الأصليين إلى أن المهاجرين البيض الذين نزلوا على شواطئهم لم يعد يكفيهم ما امتدت إليه أيديهم من ذهب وجواهر "وما خطفوه من بنات ونساء!" ـ وإنما هم الآن ينصبون خياماً على الأرض، ويدقون ويحفرون، وقد جاءوا بآلات وبذور ـ وإذن فهي إقامة وليست زيارة. ويورد "جاك بيتي"،وهو محرر كتاب "العملاق"، واحداً من تقارير شركة "فرجينيا" مكتوباً سنة 1624، ومرسلاً إلى جمعية المساهمين بها في لندن، وفيه بالنص:
"إن الخلاص من الهنود الحمر أرخص بكثير من أية محاولة لتمدينه. فهم همج، برابرة، عراة، متفرقون جماعات في مواطن مختلفة، وهذا يجعل تمدينهم صعباً، لكن النصر عليهم سهل. وإذا كانت محاولة تمدينهم سوف تأخذ وقتاً طويلاً، فإن إبادتهم تختصره، ووسائلنا إلى النصر عليهم كثيرة: بالقوة بالمفاجأة، بالتجويع، بحرق المحاصيل، بتدمير القوارب والبيوت، بتمزيق شباك الصيد، وفي المرحلة الأخيرة المطاردة بالجياد السريعة والكلاب المدربة التي تخيفهم لأنها تنهش جسدهم العاري."
* مشهد:
في خطاب بتاريخ سنة 1633 يظهر في تقارير الحكومة البريطانية خطاب يفرق بين أنواع من المهاجرين، بالتحديد هؤلاء الذين هاجروا إلى "فرجينيا"، وهؤلاء ـ طبقاً للخطاب ـ مهاجرون هدفهم الربح بأية وسيلة. لكن هناك مهاجرين من نوع آخر ظهروا في "نيو إنجلند"، وكلهم عائلات هاجرت هرباً من الاضطهاد الديني معظمهم من أتباع "كالفين"، وقد جاءوا من سويسرا وهولندا واسكتلندا وغيرها حيث انتشرت دعوة التطهر الديني والنقاء. وهؤلاء المتدينون أنشأوا شركات تجارية، ولكنها شركات "أخلاقية" يؤمن المساهمون فيها بـ "رضا الله"، ويعتبرون زيادة أرباح استثماراهم شاهدهم على "رضا الله" عنهم. وقد أسس هؤلاء "الأخلاقيون" منطقاً ـ شبه عقيدة ينظمون به أعمالهم، ويديرون شركاتهم في "نيو إنجلند"، وخلاصة منطقهم طبقاً لخطبة شهيرة لراعي كنيستهم "توماس شبرد" أنه لا بد من ضفاف للماء وإلا علا سيله وأغرق الجميع". و"الضفاف كما يراها "شبرد" هي أن يعمل البشر جادين على رفع مستوى أنفسهم بما يلقى "رضا الله" ـ ووسيلتهم إلى ذلك هي العمل بـ "اخلاص مسيحي" على زيادة الثروة، وتوسيع الملكية، وإعلاء بناء البيوت. و"رضا الله" عن المخلصين له يتمثل بالضبط في تحقيق هذه الأهداف، أي في "الطوفان" بكثرة "المال والأرض والعقار" ـ ولا بد أن "يتذكر المؤمنون" أن "زيادة النجاح" مرهونة بـ "زيادة الإيمان"، وبالتالي فإن "الدين ثراء"، و"الثراء دين"، والاثنين معاً "ضفاف الماء حتى لا يسيل ويغرق الجميع"!
وفي "فرجينيا" وفي "نيوإنجلند" تكبر الشركات، وتتراكم الثروات، وتظهر الحاجة إلى توكيلات على الشواطئ تتعامل مع أوروبا في الاستيراد والتصدير، ثم تقوم شركات أخرى على صناعة التخزين لأن الملاحة مواسم،والزراعة مواسم. وظهرت في أمريكا بدايات أسر فعلت كل شيء حتى تغتني، وفي حين أن بعض طالبي الغنى طارد الثراء جهاراً نهاراً بالسلاح، فإن بعضهم استدعاه جهاراً نهاراً ـ ! ـ بالصلاة!
 * مشهد:
لكن الشركات "الولايات" التي تعمل من الشاطئ الشرقي للولايات المتحدة حيث نزلت أولى موجات الهجرة واستقرت، ومضت تزرع وتتاجر، وتغتني وتراكم الثروة ـ راحت تواجه مشكلة تحجم نشاطها بالرغم منها، وهي مشكلة اليد العاملة. ذلك أنه حتى قرابة سنة 1700 ـ لم يزد عدد المهاجرين من اوروبا عبر المحيط عن ربع مليون مهاجر، وكلهم يريد المال والأرض والعقار، وليس فيهم أحد يريد أن يكون أجيراً، وإلا فلماذا ركب جبال الموج وجاء إلى أرض الميعاد.
الى جانب ذلك فإن سكان البلاد الأصليين من الهنود الحمر "وممن تتم عملية إبادتهم لأنهم همج لا يصلحون للتمدين ولا للتدين" ـ ليسوا على استعداد للعمل، ولا لخدمة هؤلاء الذين انقضوا عليهم مع أمواج المحيط.
والحل العملي الذي يطرح نفسه هو الإتيان عن أي طريق بيد عاملة. تشتغل ولا تشارك. وتقبل بالقليل ولا تنتظر زيادة. والحل هو "العبودية" أي عضلات تعمل بطعامها وليس أكثر، وطاعة تقبل الأمر لأنها لقنت تحت الأسر درس الطاعة بالسلاسل والسياط. وكذلك قامت في أمريكا شركات "شركات مساهمة أيضاً" نشاطها "تجارة العبيد". ويورد "جيمس هيدجز" الذي قام على كتابة الفصل الخاص بـ "التجارة في الأرواح" كما سماها ـ مجموعة من أوراق إحدى الشركات المساهمة في هذا المجال، وقد ركز فيها على سجلات سفينة الشحن "سالي" وقبطانها "أيسيك هوبكنز".
وفي سجلات السفينة "سالي" توجيه من الملاك "نيكولاس وبراد ـ شركة مساهمة" يقول للقبطان: "إننا نثق فيك وفي إخلاصك لنا، وخدمتك لمصالحنا، ونحن نفوضك بأن تذهب إلى شواطئ أفريقيا "شاطئ غينيا" وتشحن سفينتك بمن تستطيع أن تجلبهم من العبيد "بالوسائل" التي تراها، وأنت مخول أن تبيع وتشتري منهم كما تشاء في طريق رحلتك إلى أمريكا عندما تتوقف في جزيرة "باربادوس". ونذكَّرُك طبقاً للعقد بأن حصتك هي 4 عبيد لك مقابل كل 100 عبد للشركة، مضافاً إلى هذا نسبة 5% من ربح الحمولة عندما يتم بيعها. ونريد أن نذكرك بأن السرعة في هذه التجارة مطلوبة لأن الحاجة إلى اليد العاملة ماسة!"
وضمن سجلات "سالي" يوميات قبطانها "هوبكنز"، وهو يكتبها بالتفصيل لتكون في علم المساهمين عندما يتحاسب معهم على حصيلة أرباح رحلته:
"قدَّمت لشيخ القبيلة "جالون" من "مشروب" الروم مقابل "عبدة ـ فتاة"!
- دفعت 7 جنيهات لشراء صبي.
- اشتريت 5 عبيد صالحين للعمل هذا اليوم بعد الظهر مقابل بصل وسكر وروم للجلاب.
-         حمولتنا الآن 196 عبداً. ـ واحدة من العبيد شنقت نفسها.
- ثلاثة عبيد قفزوا إلى البحر ولم نستطع إنقاذهم من الغرق، وقررنا حبس الباقين في العنبر الأسفل للسفينة "وكنا نخصصه لبقرتين معنا" ـ وربطنا الأسرى بالحبال.
- الحمولة الآن كاملة العدد وزيادة! وسوف نبدأ رحلة العودة نحو الكاريبي غداً.
[وفي سجلات "فرجينيا" و"نيوإنجلند" و"ماساشوستس" في ذلك الوقت "أول القرن الثامن عشر" أربعمائة شركة في تجارة العبيد تملك حوالي 1200 سفينة ـ غير مئات الشركات ومئات السفن تعمل في أوروبا.]
* مشهد:
سنة 1800، ومع بداية القرن التاسع عشر ـ أي بعد قرن كامل من تأسيس الشركات المساهمة المتاجرة في العبيد ـ سواء تلك التي عملت من أمريكا ـ أو التي تعاملت معها من أوروبا ومن شواطئ أفريقيا ـ وصل عدد العبيد الذين حملتهم السفن عبر المحيط إلى ثلاثين مليوناً من البشر ـ من الأرواح ـ هذا غير عدد غير معروف ـ بالملايين ـ ماتوا في السفن وألقيت جثثهم في المحيط طعاماً للحيتان. وينقل كاتب الفصل الخاص بالعبيد في كتاب "العملاق" ـ عن كتاب آخر سبقه ـ صفحة كاملة وجدها أكثر دقة وأمانة في التعبير، والكتاب السابق عنوانه "دور العبودية في نمو مستعمرة "ولاية" نيوإنجلند: محركات النمو". وفي الصفحة "254" يرد ما يلي بالنص:
"سنة 1770 كانت مستعمرة "ولاية" نيو إنجلند أغنى مناطق أمريكا. وقد كانت بالفعل قصة نجاح رائع، وطاقة في الإنتاج لا مثيل لها. وكان محرك النمو هو العبيد الذين كانوا العنصر الفاعل على الأرض وفي المصانع، والترس الدوار في عجلة التجارة والتصدير إلى أوروبا وغيرها: كان العبيد هم أساس الزراعة، وعماد الصناعات القائمة عليها مثل السكر والتبغ، وغير ذلك من المنتجات الأخرى".
وتختم الصفحة المستعارة من كتاب سابق قائلة: "باختصار كانت العبودية هي المولد الأكبر للثروة الزراعية والصناعية والتجارية. وبرغم أن عدد تجار العبيد في "نيو إنجلند" لم يكن كبيراً، فإن كل التجارة بعموم اعتمدت إلى آخر حد على عبيدهم "عبيد هؤلاء التجار"."
ثم بدأت الأصوات ترتفع بـ "لا إنسانية تجارة العبيد" عندما ظهرت قوة البخار ـ بعدها وليس قبلها ـ فتلك طاقة أقوى من عضلات العبيد مئات المرات، ومحركاتها لا تحتاج إلى وجبات طعام أو حظائر نوم، أو حراسة ليل ونهار تضمن أن لا يهرب العبد أو ينتحر "وكانت نسبة الهرب أو الانتحار أعلى بين النساء منها بين الرجال".
ويبدو أنه في تلك الفترة ظهرت وانتشرت أدبيات واسعة تعارض تحرير العبيد أو تقييد "التجارة في الأرواح". وكانت الحجج الأكثر تردداً وتكراراً:
" ـ إن استعمال البخار ليس له أن ينهى دور العبيد في الانتاج، فهذه وسيلة، وتلك وسيلة وكلتا الوسيلتين تؤدى دوراً يتكامل ـ ولا يتعارض ـ مع الأخرى.
ـ وإذا أوقف التجار الأمريكيون تجارتهم في العبيد فإن غيرهم من جنسيات أخرى سوف يحصلون على الفائدة، والأرباح.
ـ والقيود على تجارة العبيد سوف تكون وبالاً على هذه "الأرواح" التي لا تعرف ماذا تفعل أو كيف تعيش إذا رفع "السيد" يده عن "التجارة" فيها.
ـ إن السلطات لا يصح لها أن تتدخل في حرية التجارة بأي شكل من الأشكال، لأن ذلك يتعارض مع الفكرة الرئيسية التي قامت عليها أمريكا، وهي الحرية ـ حتى من القانون "وضمن حجج المنطق أنه لا يصح لأحد أن ينسى أن ضيق أفق القانون كان مشكلة المشاكل في العالم القديم".
* مشهد:
وبرغم وصية "واشنطن" لأمريكا أن تبتعد عن أوروبا ـ فإن أمريكا مع مطلع القرن التاسع عشر اقتربت لكي تكون أكبر مستفيد من مصائب أوروبا. وكانت تلك فترة الثورات الكبرى، وزمن حروب "نابليون" الطاحنة، ومسرح عمليات المطاردة البحرية والحصار حول القارة الأوروبية، لكن السفن الأمريكية شراعية ـ وبخارية فيما بعد ـ كانت لها ميزة "الحياد"، فهي بعيدة لا تطولها المعارك ولا إجراءات الحصار، والسفن التي تحمل الأعلام الأمريكية لا شأن لها بصراعات أوروبا التي كانت لدولها وشركاتها وأفرادها استثمارات واسعة في العالم الجديد تحرص عليها وتحاول إخراجها من دائرة النزاع والخطر. وفي هذه الحقبة من الاضطراب في أوروبا تمكنت التجارة الأمريكية من السيطرة على الملاحة في المحيط الأطلسي، وبنت لنفسها فوق الموج سعة سفن تزيد عما تملكه بريطانيا أو فرنسا، وكان ذلك خروجاً كثيفاً إلى اعالي البحار ـ زادت معدلاته بعد شق قناة "بنما" لأن السفن الأمريكية أصبحت قادرة على الانتشار في المحيط الهادئ نفس قدرتها في المحيط الأطلسي.
وبذلك فإن المحيطات الحامية لأمريكا لم تعد مساحات شاسعة فقط، وإنما أصبحت أيضاً مناطق مأهولة ـ أمريكياً ـ لأن أساطيل أوروبا بقيت قريبة من شواطئها تمارس الحصار أو محصورة هي نفسها ـ بينما أصبح العلم الأمريكي في الأطلسي علم الملاءمة، تتحرك تحته البضائع بحرية، وتتوقاه أعمال المصادرة، لأن الكل يستفيد منه أو يحاول أن يستفيد!
* مشهد:
وعندما جاءت قوة البخار ـ كان أول قادم بعدها هو القطار، وكان بناء السكك الحديدية في أمريكا. ويكتب "جاك بيتي" محرر كتاب "العملاق" أن مد خطوط السكك الحديدية كان هو "قاهر المسافات وموحد الأرجاء" على اتّساع قارة بأكملها.
كانت أمريكا منذ البداية كنزاً هائلاً ـ لكن حجمه كان مشكلة لأن النفاذ إلى عمقه كان يمشي بسرعة الحيوان، ومداه الأسرع هو سعة رئة الحصان ـ فلما جاء القطار البخاري على البر ومعه السفينة البخارية في النهر والبحيرة واستسلمت القارة بأكملها للاستغلال والاستثمار، للإنتاج وللتوزيع، وعندما لحق برق التلغراف بطاقة البخار تحولت القارة إلى شبكة اقتصادية ومالية واحدة مع حجم لم يعرف له في العالم مثيل، وذلك طبيعي لأنه لم يحدث من قبل أن انفتحت قارة كاملة بكل مواردها وكل طاقاتها على هذا النحو. وشاعت في تلك الأيام مقولة أن "صوت قطار السكة الحديد هو نبض القارة الأمريكية ـ يدق"!
وكان الفضاء الأمريكي أكبر مشجع ومناد لقوة البخار ـ وكان أن الميكنة بتفاعلها مع هذا الفضاء الأمريكي تمارس صنع معجزة في الإنتاج تجاوزت كل التوقعات.
ثم كانت الحرب الأهلية الأمريكية هي القبضة التي كسرت آخر الحواجز على أرض القارة، لأن الحرب الأهلية عبّأت قوى، وحلقت صناعات ضرورية  مدنية وعسكرية، وضمنها ثورة في صناعة النسيج حتى يلبس الجنود في الصيف وفي الشتاء، وكانت الإضافة الأكبر في صناعة النسيج أن الأطفال أصبحوا عمالها ـ لأن الرجال كانوا في الحرب، والنساء في المزارع ـ خصوصاً مزارع القطن.
وحين سقطت آخر الحواجز في القارة بين الشمال "الصناعي" والجنوب "الزراعي" ـ وعاد الرجال من ميادين القتال ـ كانت الرأسمالية الأمريكية جاهزة لأداء دورها في سوق اتسع بما فاق الخيال، وساعدته ثروات راكمتها فرصة التجارة أثناء انشغال أوروبا بصراعاتها ـ وفرصة الصناعة التي اقتضتها ضغوط الحرب الأهلية ـ وفرصة الضرورات التي قضت أن يعمل كل السكان ـ حتى الأطفال.
* مشهد:
كانت الرأسمالية الأمريكية من طراز مختلف عما عرفته أوروبا أو آسيا ـ فهذه رأسمالية جديدة، عاملة، ومقاتلة، بل وعدوانية، وليست رأسمالية إقطاعية ووراثية وعلى مشارف الانحلال . فالرأسمالية الأمريكية راكمت ثرواتها من أرض الهنود الحمر التي صادرتها وزرعتها، ومن جهد العبيد الذين جلبتهم ورفعت سوط الجلاد فوق ظهورهم، ومن تجارة المحيط التي سيطرت عليها في غفلة من أوروبا، ومن موارد قارة شاسعة وغنية وصلت خطوط السكك الحديدية إلى كل إرجائها طولاً وعرضاً، وجعلتها سوقاً واحدة ـ ثم إنها كانت رأسمالية لها "قلب من حديد" لم تؤثر عليه الثقافة ـ كما حدث في أوروبا ـ فلم يلن لصوت الموسيقى، ولم يتأثر بمسرح النهضة، ولم يجرب المتعة إلى درجة الانحلال في قصور وأسر أوروبا الحاكمة مثل آل "هابسبورج" وآل "رومانوف" وآل "بوربون".
وفي حين أن الرأسمالية الأوروبية الإقطاعية الوارثة قاومت انتشار التعليم ـ فإن أول ذكاء الرأسمالية الأمريكية إدراكها لأهمية التعليم بمنطق أن "أي عامل يتعلم له قدرة إنتاجية أكثر من عامل جاهل" ـ وكان المهم هو ماذا يتعلم؟!
وينقل واحد من مؤلفي كتاب "العملاق" صفحة من كتاب يدرسه تلاميذ المرحلة الابتدائية ضمن منهج بدأ تعميمه في ولاية "نيو إنجلند" سنة 1833، والصفحة على شكل أسئلة وأجوبة تجري على النحو التالي:
"س: لنفرض أن الرأسمالي الذي يستثمر أمواله حقق أرباحاً كبيرة، فهل هذا يضر بالرجل العامل؟
ج: بالعكس.. ذلك يساعده على أن يدفع أجوراً أحسن لعماله.
س: ما هو الأفضل.. أن يدخر رجل غني أمواله ليستثمرها، أو يصرفها على هواه؟
ج: بالطبع يدخر ويستثمر.
س: هل يمكن أن تشعر بالأسف لأن رجلاً حقق أرباحاً طائلة؟
ج: بالعكس.. سوف أكون شديد السعادة.
س: ما الذي يحول رجلاً من عامل إلى رأسمالي؟
ج: أن يدخر".
وهكذا سؤال وجواب ملء صفحة، وملء كتاب بأكمله!
وهنا كانت أمريكا تقدم نموذجاً جديداً في "ترويض الوعي" يبدأه التعليم ـ ثم تجربة العمل ـ "وفيما بعد جاء دور الإعلام".
* مشهد:
كانت الرأسمالية الأمريكية تنمو وتنمو، وكانت قدرتها على التنظيم خرافية لأن المجال أمامها مفتوح للتجديد والنمو، والاندماج في وحدات لها قوة ودول. وهكذا ظهرت دولة "روكفللر" تحت اسم "ستاندارد أويْل"، وتمتلك النصيب الأكبر من بترول أمريكا الشمالية، ثم راحت تنزل على أمريكا الجنوبية وتكاد تحول فنزويلا إلى مستعمرة لإمبراطورية "روكفللر" الذي كان شعاره "إن الله أعطاني ثروتي وليس من حق بشر أن يعترض على إرادة الله".
وفي فصل كتبه المؤرخ الإنجليزي الشهير "بول جونسون" ـ ضمن فصول كتاب "العملاق" بدأ "جونسون" كلامه قائلاً:
"هناك في تاريخ أمريكا نوعان من الآباء المؤسسين للولايات المتحدة:
ـ نوع من صانعي الاستقلال وكاتبي وثائق الدستور، قادوا محاولة تطوير "الشركة" إلى "دولة" "رجال مثل "ألكسندر هاملتون" ـ و"صمويل جونسون" ـ و"جيمس ماديسون" ـ و"بنيامين فرانكلين" ـ وغيرهم".
ـ ونوع ثان من "البارونات اللصوص"، قادوا الرأسمالية الأمريكية وحاولوا أن يحموا "الشركة" من طغيان "الدولة" "روكفللر"، ثم رجال مثل "فورد" و"فاندر بيلت" و"ديللون" و"راند".
ولم يكن تعبير "البارونات اللصوص" مجازاً بلاغياً، وإنما كان للتعبير  أصلٌ في الحقيقة. ذلك أن الرأسمالية الأمريكية بنت قوتها الطالعة على عصر جديد تحققت كل اكتشافاته في أوروبا، وقد أخذت الرأسمالية الأمريكية هذه الاكتشافات وأخضعتها لفكرة التنظيم الذي لا يحده قيدٌ من عرف أو تقليد.
وذلك حدث للسيارة، وللطائرة، وللكهرباء، وللطاقة النووية، وللتليفون واللاسلكي، وللكومبيوتر، وللصواريخ ـ وحتى لمساحيق التجميل.
ومثلاً فإن أوروبا كانت هي التي بدأت صناعة السيارات، لكن تدافع العمّال في ورشة وانكفاءهم لإنهاء العمل كان يستغرق ثلاثة أيام لصنع سيارة واحدة ـ ثم توصَّل "هنري فورد" في التنظيم إلى فكرة خط التجميع: مسار واحد لهيكل السيارة يضيف إليه كل عامل يمر أمامه مسماراً واحداً أو صامولة واحدة ـ وتم اختصار مدة صنع سيارة واحدة من ثلاثة أيام إلى ثلاث ساعات، وخطوط التجميع صفوفاً ـ واحداً إلى جانب الآخر ـ والعمال لا يتزاحمون أو ينتظر بعضهم بعضاً، وإنما هم واقفون في أماكنهم وخط التجميع يمر أمامهم، ويؤدى كل واحد منهم حركته بسرعة. وكان ذلك فتحاً في وسائل الإنتاج وصل بأمريكا إلى أن تصبح الأقوى في العالم صناعياً وتجارياً.
وكانت الرأسمالية الأمريكية قد وضعت لنفسها هدفاً صاغه "جاك بيتي" في سؤال واحد:
"كيف يمكن تحويل ترف الرجل الغني ـ إلى حاجة يومية للرجل العادي؟"!
وقد كان: وذلك ما حدث للسيارة، وحدث للكهرباء، وحدث للتليفون، وحدث فيما بعد للتليفزيون، والغسالة الكهربائية، وجهاز تكييف الهواء، والكومبيوتر.
وكذلك أصبح الترف الذي خطر للأغنياء حلماً ـ سلعاً جاهزة تحت تصرف الأجراء.
وكان ذلك عالماً جديداً واعداً ـ وقاسياً في نفس الوقت ـ لأن السيطرة على هذه السوق المتسعة كل يوم تحتاج وسائل مختلفة. وينقل "جاك بيتي" نص خطاب بعث به المليونير الشهير "كورنيليوس فاندر بيلت" إلى منافس له، معتبراً أن ذلك الخطاب أبلغ تصوير وقع عليه لروح الرأسمالية الأمريكية "المتوحشة" "كذلك تعبيره".
والشاهد أن الخطاب نص شديد الاختصار موجه إلى شريك لـ فاندر بيلت" تحول إلى منافس له وأقام شركة مستقلة. والنص كما يلي موجه إلى مجلس إدارة الشركة المستقلة:
"السادة:
إنكم حاولتم خداعي. ولن أقاضيكم لأن إجراءات القانون تأخذ زمناً طويلاً، ولهذا فإني سوف "أخرب بيوتكم" I’ ll ruin you .                     المخلص: كورنيليون فاندر بيلت.
* مشهد:
ومع ذلك فقد كانت الرأسمالية الأمريكية التي أكدت سطوتها في حاجة إلى ترتيبات تحمي الثروة: نظام سياسي قوي ـ ونظام قضائي أقوى ـ وقانون يسري على كل الناس "باستثناء الهنود الحمر الذي حوصروا في مستوطناتهم، وباستثناء العبيد الذين سقطت عنهم صكوك العبودية وذلك يكفيهم!"
كانت الحاجة إلى نوع من القانون ماسة في أمريكا منذ نشأتها، خصوصاً على الشواطئ الشرقية التي ظهرت عليها موانئ التجارة عبر المحيط ومخازن السلع "مستوردة أو جاهزة للتصدير". ثم إن المستثمرين الأوروبيين الذين أنشئوا الشركات المساهمة الأولى للتجارة، واعتمدوا فيها على المسئولية المحدودة وعلى الثقة بالمفوضين عبر المحيط ـ كانوا أيضاً في حاجة إلى حماية قانون.
وحتى المغامرون الذين بدءوا بالدخول إلى عمق القارة بحثاً عن الفرص الهائلة المعروضة في انتظارهم ـ كانوا في حاجة إلى وسائط اتصال وتأمين وتمويل يعطونها ما لديهم في مقابل أن تزودهم حيث كانوا بما يحتاجون إليه في حياتهم ـ حتى المسدسات وطلقات النار ـ وتلك علاقات تتطلب قدراً هائلاً من الثقة. وذلك ما أعطى سلطة غير محدودة لرجل الأمن الذي أطلقوا عليه لقب "شريف" "عن أصل عربي انتقل إلى أمريكا أيام الإسلام في الأندلس".
وفي الحقيقة فإن الحاجة قضت بإطارات متعددة للقانون ـ فالشواطئ والموانئ والمخازن تحتاج إلى أطر قانونية لها مواصفاتها ـ لكن الداخل الذي يغزو الأرض الجديدة ويتجّه غرباً يحتاج إلى أطر قانونية لها مواصفات معقدة ـ ثم إن المساحات الشاسعة المفتوحة كانت لها حياة تحتاج إلى أطر قانونية أوسع، وذلك جعل القانون الأمريكي عوالم متداخلة وليس عالماً واحداً كما هو الشأن في بلاد أخرى. وكان المكلفون بوضع أطر القوانين في أمريكا أحسن المشرعين وضعاً في التاريخ. وفي حين أن القوانين في أوروبا صاغتها احتكاكات طبقات من النبلاء، وطبقات من الإقطاعيين، وطبقات من البورجوازيين الكبار والمتوسطين والصغار، وطبقات من الفلاحين، وطبقات من العمال ـ فإن عملية وضع القوانين الأمريكية كان أمامها أن تطلع على التراث السياسي والقانوني بكل غناه وخصوبته، وأن تستوعب، وأن تستوحي ما تشاء، وتصوغه من جديد على أحوالها، وتفصله تفصيلاً محكماً على مصالح وعلاقات أمامها على مساحة قارة جديدة.
* مشهد:
لكن "وحشية البارونات اللصوص" وجدت آخرين غير "فاندربيلت" لا يكفيهم القانون، ولا يحتاجون إلى خراب بيت خصومهم!
وبالفعل فإن الشركة الأمريكية للتليفون والتلغراف A T & T وجدت من يرفع ضدها عشرات القضايا لأن احتكارتها أصبحت عابرة لكل الولايات، وتهمتها أنها لا تريد أن تترك "لقمة لأحد". وأحسّت الشركة أن صورتها تتأثر، وقررت أن تحاول تغييرها "بمسحة ملائكية". يمكن إشاعتها بين الناس. وكان أن لجأت الشركة إلى مشتغل بالأعلان اسمه "آير" طالبة منه "أن يفعل لها شيئاً" ـ وكانت تلك سنة 1908 بداية فن العلاقات العامة "في عصر الصناعة". واكتشف "آير" أن شركة التليفون والتلغراف الأمريكية تعرض خدماتها على الناس تحت حملة إعلانات تناديهم أن يأخذوا خدماتها "لأنهم لا يستطيعون الاستغناء عنها"! ـ وقرر أن البداية من هنا، فاختار لإعلانات الشركة شعارات جديدة تخاطب المستهلكين: "هدفنا أن نخدمك" ـ "روح الخدمة العامة دافعنا" ـ و"ولاؤنا تحت تصرفك" ـ "أنت شريك معنا".
وتغيرت صورة الشركة الأمريكية للتليفون والتلغراف.
وأصبحت العلاقات العامة من يومها "فناً قائماً بذاته"، وهو فنٌ أمريكي. وبلغ طغيان هذا الفن في تأثيره على الرأي العام الأمريكي حداً دعا كثيرين إلى التخوف من أن "البارونات اللصوص" سوف يفلت عيارهم. وذهب أحد أصدقاء الرئيس الأمريكي الأسبق "تيودور رزفلت" يلفت نظره إلى ضرورة عمل شيء، وكان ردُّ "الرئيس" بعبارة صارت مثلاً في التاريخ الأمريكي الحديث: "أنت تريديني أن أمارس الحب مع فيل"!
* مشهد:
لم تكن وحشية الرأسمالية الأمريكية مظلمة ـ كما كان إقطاع القرون الوسطى في أوروبا.
وكذلك فإن الرأسمالية التي أدركت في بدايات القرن التاسع عشر أهمية التعليم على طريقة الاستثمار والأجور والادخار، ـ وصلت إلى أواخر القرن التاسع عشر وهي على يقين من أنه إذا أرادت أمريكا أن تخرج للعالم وتلعب دورها فيه فإنها في حاجة إلى تعليم من نوع جديد، وكان أن بعضاً من أهم مؤسسات التعليم الحديث جرى إنشاؤها، وأقيمت جامعات في الولايات المتحدة الأمريكية تحمل أسماء مؤسسيها القادرين على التمويل والدعم: "هارفارد" ـ "ييل" ـ "ستانفورد".. وغيرها.
وإلى جانب التعليم أدركت الرأسمالية حاجتها إلى المعرفة، فإذا مؤسسات الفكر والبحث الكبرى تلقح بالجامعات وهي الأخرى تحمل أسماء القادرين على التمويل والدعم: "روكفللر" ـ "فورد" ـ "راند".. وغيرها.
كانت أمريكا على وشك أن تنافس العالم في جامعات التعليم العالي ـ وكانت قد بدأت تسبقه بمؤسسات التفكير والبحث "وقد استطاعت هذه المؤسسات بالفعل أن تستوعب طاقة المثقفين الأمريكيين، وبدلاً من نزوعهم ألى "التغيير" ـ وتلك طبيعة المثقف ـ تم تجنيد فكرهم لصالح التقدم وليس لصالح التغيير في مفهوم الرأسمالية الأمريكية".
* مشهد:
عندما عادت أمريكا خلال الحرب العالمية الثانية إلى أوروبا، وبقيت على أرضها تنتظر إرث إمبراطورياتها السابقة في آسيا وأفريقيا ـ كانت واثقة أن هناك حدوداً لمقاومة الآخرين، لأنهم جميعاً ينتظرون إشارتها ـ رغم حساسيتهم الشديدة من القوة الأمريكية التي بدت أمامهم طاغية ـ كانوا يحتاجون مساعدتها في مهمة إعادة تعمير ما خرّبته الحرب.
وأصرت أمريكا على أن تأخذ التنظيم الدولي الذي وقع عليه عبء إدارة العالم بعد النصر، وهو الأمم المتحدة، إلى عاصمتها المالية: نيويورك. وكان أن قام مبنى ومقر الأمم المتحدة على أرض تبرّعت بها أسرة "روكفللر" أشهر "البارونات اللصوص"!
ومع أن الاتحاد السوفيتي راح يشاغب في أروقة هذا التنظيم الدولي الجديد ـ فإن أمريكا تجنّبت أن تحاربه ـ وإنما تصرف رؤساؤها من "روزفلت" إلى "ريجان" بنفس منطق "فاندر بيلت": "حضرات السادة.. "لن أحاربكم لأن الحرب في الأزمنة النووية مخاطرة" ـ لكني سوف أستنْزف قواكم بسباق سلاح لا تستطيعون الخروج منه، ولا تستطيعون الوصول فيه إلى نهاية ـ وكذلك أخرب بيتكم!"
وكانت الفرصة مناسبة اقتصادياً لأمريكا ـ كما كانت مناسبة سياسياً. ويكتب "جاك بيتي" أن السياسة الأمريكية راحت تبشر وتدعو إلى "اقتصاد السوق" ـ ثم إن اقتصاد السوق" تحول إلى "مجتمع السوق" ـ ثم إن "مجتمع السوق" تحول إلى "عالم السوق".
و"عالم السوق" أو "سوق العالم" فيه ألف شركة عابرة للقارات تملك الرأسمالية الأمريكية الأغلبية فيها. وهذه الألف شركة تسيطر على أكثر من نصف اقتصاد العالم إنتاجاً وتوزيعهاً، خصوصاً في قطاعات حاكمة أهمها: المال، وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والإعلام ـ وكلها متربعة على عروشها في أقمار صناعية سارية في كل أرجاء الفضاء، مطلة على الدنيا من علٍ ومن بعد!
                                         **
كذلك أصبح القرن العشرون قرناً أمريكياً ـ وكذلك القرن الواحد والعشرون على الأرجح. وهنا تجئ أهمية تحليل أمريكا ـ كما كانت من قبل أهمية توصيف أمريكا.
والشاهد أن العالم عرف من قبل مستويات من الدُّول:
○ فهناك الدول: القوى Powers "بريطانيا ـ فرنسا ـ النمسا ـ روسيا ـ الدولة العثمانية ـ مثلاً ـ في وقت من الأوقات قبل الحرب العالمية الأولى".
○ وهناك الدول: القوى الكبرى Great Powers "بريطانيا ـ فرنسا ـ ألمانيا ـ إيطاليا ـ الاتحاد السوفيتي ـ مثلاً ـ في وقت من الأوقات قبل الحرب العالمية الثانية".
○ وهناك الدول: القوى الأعظم Super Powers "الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي وحدهما في وقت من الأوقات زمن الحرب الباردة".
○ وهناك بعد ذلك كله "الدولة الكاسحة" ـ وتكل هي الترجمة الأقرب إلى معنى الوصف الذي يطلق الآن على الولايات المتحدة في تفردُّها بالقوة العالمية، وهو وصف. Hyper Power
والمشكلة الكبرى في القوة الكاسحة ـ الأمريكية بالذات ـ أنها ما زالت تجربة مفتوحة وكأن مرحلة الخلق الأولى لها لا تزال مستمرة، هنا فإن وصف القوة الكاسحة وما يتضمنه من الشعور بفعل مستمر ـ ينطبق بشكل مدهش على القوة الأمريكية ـ الإمبراطورية.
لكن الإمبراطورية دائماً، وبقوانين الحياة، علو ثم نزول، وتوهج ثم خفوت ـ والسبب ـ طبقاً لنظرية المؤرخ الأمريكي الكبير "بول كنيدي" ـ أن أعباء الإمبراطورية ـ راسخة أو كاسحة ـ تظل تتزايد حتى ينوء بحملها من أقبل عليها في البداية ـ وقد صدقت نظرية "كنيدي" على كل الإمبراطوريات في التاريخ. وبالفعل فإن الإمبراطورية الأمريكية التي كانت تعطى للاقتصاد العالمي ثلاثين في المائة من مدخوله سنة 1960 ـ تراجعت بعد ثلاثين سنة، وإذا هي تنزل إلى 21% فقط ـ أي أن التفوق المطلق ـ أو النسبي ـ للإمبراطورية الأقوى لم يعد كما كان، وإنما تخلف سواء بالإرهاق، أو بجهد أكثر تصميماً من آخرين.
على أن الإمبراطورية الأمريكية الكاسحة تحاول هذه اللحظة أن تعوض الاقتصادي بالعسكري، وإذا كان نصيبها في القوة الاقتصادية العالمية قد تنازل، فإن سطوتها العسكرية غالبة. وأكبر الظن أن الخطر الحقيقي القادم على الدنيا هو اللحظة التي تحس فيها الإمبراطورية الكاسحة أنها مرغمة على التراجع ـ أمام قوة يمكن أن تسبق، أو تحالف قوى يستطيع أن يتصدى، لأنه ساعتها سوف تكون اللعبة الدولية شديدة الخشونة، بالغة العنف، لأن القوة الأمريكية ـ حتى هذه اللحظة ـ تعلمت كيف تكسب، ولم تتعلم كيف تخسر.
وما لم يحدث غير المنتظر وغير المتوقع، فإن هذه اللحظة موعدها على الأرجح بعد عشرين أو ثلاثين سنة، لكنه طوال هذه المدة وحتى هذا الموعد سوف تظل الإمبراطورية الكاسحة تمارس دورها بكل ما عندها ـ ظاهراً يراه الناس في حياتها ويقدرون على توصيفه، أو باطناً يدركه الناس من تحليل تجربتها ـ طبقة في النفس وفي الوعي، فوقها طبقة وتحتها طبقة ـ ويقدرون على تحليله.
                                            **
وأخيراً فلا أعرف إذا كان ما حكيته عن الولايات المتحدة في مجال "التوصيف" ـ أو إذا كان ما عرضته من خلال كتاب "العملاق" في مجال "التحليل" ـ كلاهما يكفي لفهم الولايات المتحدة الأمريكية؟ ـ لكنها في كل الأحوال محاولة لاستثارة العقول.
ذلك أن فهم أمريكا، او محاولة فهمها، ضرورة حيوية "للتعامل" معها دون "خوف" يصنعه الجهل، ودون "خفَّة" يصنعها الوهم.
فالعداء لأمريكا ـ وهو أسهل المواقف ـ في هذه الأزمنة خطأ كبير لا تحتمل مخاطره، والوقوع في غرام أمريكا خطأ أكبر لا تحتمل خسائره.
ثم إنه ليس معقولاً أن تنتقل السياسة في العالم العربي من مباراة في العداء لأمريكا ـ إلى مباراة في الولاء لأمريكا، لأن حقائق الحياة أعقد من ذلك ـ وأيضاً ضروراتها!
تقرير رئاسي أمريكي
خريف خطر
مقدمة تقرير على مكتب الرئيس بوش الآن
هذا الحديث ليس نتيجة جهد صحفي مقصود، وإنما هو محصلة لقاءات وحوارات جرت في إطار شخصي مع زملاء وأصدقاء أثناء زيارة للولايات المتحدة عدت منها أخيراً. ولم يكن في نيتي أن أكتب عن هذه الزيارة شيئاً، لكنه خطر لي أثناء عبور المحيط ـ قرابة سبع ساعات في الطائرة ـ أن هذه الولايات المتحدة الأمريكية تستحق ـ أكثر من أي وقت مضى ـ نظرة على شخصيتها في محاولة لاستكشافها أو إعادة اكتشافها مرة أخرى. وبالفعل فقد حاولت إعادة النظر إلى أمريكا من جديد بعد نصف قرن على أول نظرة إليها عبر المحيط سنة 1951. وقد عرضت في العدد الماضي بعض الملاحظات والاستنتاجات مما توصلت إليه في محاولة فهم الشخصية الأمريكية، ولم أكن أريد أن أزيد.
ثم كان أنني ـ وبمحض مصادفة ـ أطلعت على تقرير عن سياسة أمريكا في الشرق الأوسط عرفت أنه الآن ـ هذه الأيام ـ على مكتب الرئيس الأمريكي "جورج بوش" ينتظر من الرئيس أن يقرأه، وينتظر على الهوامش علامات مما يخطه هذا الرئيس الجديد لأمريكا من ملاحظات على ما يقرأ، وهو معظم الأحيان ـ كما سمعت ـ علامات استفهام أو علامات تعجب يفهمها معاونوه الأقربون، وأولهم السيدة كونداليزا رايس "مستشار شئون الأمن القومي في البيت الأبيض" وتترجمها إيضاحات أو شروحات لرئيسها ـ وتلميذها ـ "جورج بوش" ـ تيسيراً عليه، وتهويناً للمشقة.
وكان الاطلاع على هذا التقرير المعروض الآن على الرئيس هو الذي استدعى إلى ذاكرتي تلك الأحاديث التي اعتبرتها شخصية مع زملاء وأصدقاء، على امتداد أسبوعين في أمريكا.
وفي ذلك التفاعل بين عين تقرأ وذاكرة تسترجع، راودني الظن بأن تلك المحاولة التي سبقت لاستكشاف الشخصية الأمريكية قابلة لأن تلحق بها زيادة تجرب أن تطل على القرار الأمريكي في الشرق الأوسط وتوجهاته في المرحلة القادمة. وذلك ـ في هذا الحديث ـ قصدى.
هـ.
1ـ الملاحة في بحار عاصفة!
على مكتب الرئيس جورج بوش الآن تقرير مفصل عن الخيارات السياسية المتاحة له ولإدارته في شأن أزمة الشرق الأوسط. وتلك "أزمة منطقة" تدهورت أحوالها بشكل أصبحت فيه مثل "كتلة صخر مهولة انكسرت من الجبل وراحت تتدحرج ـ ولا تزال عشوائياً على سفوحه، وهي توشك أن تنقض على الوديان والشطآن المحيطة بالجبل مهددة بدمار وخراب إلى درجة الكارثة.
وهذا الوصف لمنطقة الشرق الأوسط وأزمتها الحالية ليس من عندي، ولكن صاحبه هو "هنري كيسنجر" الذي لم يشارك في أعمال اللجنة الرئاسية التي وضعت التقرير، وكان يود لو انضم إليها لكن مستشاري الرئيس الأقربين اعترضوا برغم أن عدداً منهم سبق لهم العمل معه "وأولهم وزير الخارجية "كولين باول" الذي كان لعدة سنوات مساعداً خاصاً لكيسنجر". وكانت أسباب الاعتراض متنوعة، بينهما بداية "وذلك رأى "جورج بوش" الأب" أن "هنري سوف يظل باستمرار أسير لتجربته السابقة في المنطقة"، وتلك تجربة مضى زمنها لأن الظروف تغيرت. ثم "وذلك رأى "ديك تشيني" نائب الرئيس" فهناك خشية "أن هنري لن يعمل من أجل توسيع خيارات الرئيس، وإنما سوف يعمل لتوسيع نفوذه الشخصي، وتلك طبيعة "هنري" لا تتغير مهما تغيرت الظروف".
ولم تعتمد اللجنة الرئاسية توصيف "هنري كيسنجر" لأحوال الشرق الأوسط الراهنة بما فيها كتلة الصخر المهولة التي تهوى على سفوح الجبل وتهدد الوديان والشطآن، وإنما اختارت اللجنة وصفاً آخر عنونت به تقريرها الرئاسي، وهو عنوان لم يبتعد كثيراً عن أوصاف "هنري كيسنجر" لأحوال المنطقة، بل تابعه في استلهام تقلبات الطبيعة ومفاجآتها، فقد كان العنوان الذي اختارته مجموعة العمل الرئاسية لتقريرها هو "الملاحة في بحور مضطربة" Navigating Through Turbulence.
وهكذا، ففي حين رآى كيسنجر أن المنطقة صخرة هاوية من قمة جبل فإن المجموعة الرئاسية رأتها بحوراً مضطربة تتلاطم فيها العواصف!
                                              ** 
والواقع أن تقرير "المجموعة الرئاسية" بشأن الشرق الأوسط وخيارات السياسة الأمريكية وسط هذه المنطقة "المضطربة" كان واحداً من خمسة تقارير تمثل قائمة أولويات السياسة الأمريكية من منظور الإدارة الحالية. والتقارير الخمسة تعالج خيارات القرار الأمريكي في: شرق آسيا "الصين واليابان" ـ أوربا "حلف الأطلنطي والسوق الأوربية" ـ شبه القارة الهندية "الهند وباكستان وما حولهما" ـ الخليج "وهو في التقرير الأمريكي مواقع إنتاج النفط وضمنها العراق وإيران وشمالاً حتى القوقاز" ـ وأخيراً منطقة الشرق الأوسط "والمقصود بها أساساً هي ساحة الصراع العربي الإسرائيلي".
ويستحق الملاحظة أن هذه التقارير الرئاسية الخمسة ـ الأولويات الرئيسية للسياسة الأمريكية ـ لم تكن أول ما عرض على الرئيس بوش من مقترحات، وإنما كانت هناك قبل ذلك أوراق عمل أعدت على عجل في "فترة الريبة". التي لحقت بانتخابات الرئاسة الأمريكية الأخيرة! عندما ظهرت نتائجها تتأرجح بين "جورج بوش" و"آل جور" لأيام طالت إلى شهر وزيادة.
كانت "فترة الريبة" تلك مسألة غير معتادة في السياسة الأمريكية. فالمعتاد أن تظهر نتائجها الانتخابات، ويتحدد المرشح الفائز بالرئاسة، وتكون لديه فترة انتقالية مدتها ثلاثة شهور تقريباً، يختار فيها طاقم إدارته ويعهد إليه بخطوط حملته الانتخابية حتى يحولها إلى سياسات. بحيث إنه ـ منذ الأسبوع الأول من شهر نوفمبر حين تجري انتخابات الرئاسة وتعلن النتائج، وحتى الأسبوع الأخير من شهر يناير حين يؤدى الرئيس الجديد قسمه الدستوري بادئاً عهده ـ تكون العجلة مستعدة للدوران خصوصاً أن شخصية وكفاءة أي رئيس تقاس بإيقاع إدارته خلال المائة يوم الأولى من رئاسته، حتى تنتهي فترة السماح الممنوحة له في ظرف عام، ومن ثم يبدأ الحساب عسيرا ويشتد!
لكنه في حالة "جورج بوش" و"آل جور" وقع ما لم يكن معتاداً، لأن نتيجة الانتخابات تحولت إلى جدل وصل إلى القضاء: من محكمة إدارية محلية في ولاية فلوريدا وحتى المحكمة العليا في واشنطن. ومع الانشغال بالمعارك القانونية والسياسية والإعلامية بين الحزبين "الجمهوري والديمقراطي" والمرشحين "بوش وجور"، بدا كل شيء مؤجلاً بما فيه السياسات والخيارات والقرارات ـ وكذلك تشكيل طاقم الإدارة نفسه ـ فيما عدا قلة محددة من الأعوان الأقربين، ولم يكن في مقدور أحد منهم أكثر من التفكير في ترتيبات مؤقتة تسد ثغرة وتغطي فجوة ولا تزيد.
والحاصل أن المطلوب الأساسي في هذه الفترة كان نفسياً، ومخافة أن يقع في روع العالم ـ على حد تعبير تردد ساعتها ـ أن البيت الأبيض يوشك أن يصبح نوعاً من جدران ليس وراءها سكان". وفي الحقيقة، فإن الاتجاه الذي ساد وقتها هو النزوع إلى تحركات "تشاغل" وليس خطى "شغل" حقيقي مدروس وقابل للاستمرار أكثر من أسابيع قليلة.
وكان هناك إدراك مبكر لدى مجموعة المعاونين الأقرب إلى الرئيس بوش أن العالم كله سوف يتفهم حاجة الإدارة الجديدة إلى فسحة وقت، إلا منطقة واحدة تتملكها العصبية باستمرار، وتحرج الجميع ونفسها أيضاً وهي منطقة الشرق الأوسط. والسبب عندهم ـ وعند غيرهم أيضاً! ـ أن السياسات في هذه المنطقة معظمها سياسات شخصية، والأعصاب السياسية للأفراد عادة أكثر حساسية من الأعصاب السياسية لبلاد تدير أمورها مؤسسات وتحركها إستراتيجيات لا تتعلق بـ "مخاوف وهواجس" أمراء ورؤساء يتصرفون مثل راكب دراجة عليه أن يتحرك طول الوقت، أو يسقط على الأرض إذا كف عن الحركة!
                                           **
وكان من نتيجة ذلك أن إدارة بوش "القادمة" بعد فترة الريبة قررت مبكراً إرسال وزير الخارجية المرشح "كولين باول" بحيث تكون أولى مهامه في منصبه الجديد رسالة إلى أمراء ورؤساء الشرق الأوسط من ثلاثة بنود:
ـ لا داعي الآن للانسياق لضغوط الرأي العام العربي والتعجل بالتورط في مطالبات برفع الحصار عن العراق.
ـ لا داعي للانسياق لضغوط الراي العام العربي وتصعيد الأزمة مع إسرائيل بما يؤدى إلى "تخريب مساعي السلام".
ـ لا داعي للإسراع في زيارات عربية على مستوى القمة إلى واشنطن في الفترة المبكرة من عمل الإدارة.
وهكذا، فإن الإشارات الثلاثة التي حملها "كولين باول" إلى المنطقة كانت طلباً صريحاً لفسحة وقت تعوض ما ضاع أثناء فترة الريبة قبل أن تتأكد نتائج الانتخابات. وفيما يظهر، فإن أركان الإدارة الأمريكية الجديدة أقلقتهم بعض الأصداء التي وصلتهم من المنطقة بما فيها الترحيب بنجاح "جورج بوش" على أساس معرفة وصداقة قديمة تربط "آل بوش" ورجالهم بسياسيين وساسة في الشرق الأوسط، وبالذات من أيام حرب الخليج والتحالف الذي جرت الحرب تحت أعلامه. وكانت تلك الأصداء موضع حرج للرئيس الأمريكي الجديد وفريقه، لأن الصحافة الأمريكية أو بعض كتابها وجدوها فرصة للإشارة إلى الفوائد الشخصية الهائلة التي عادت على "آل بوش" ومساعديهم وأولهم "ديك تشيني" "وزير الدفاع في إدارة بوش الأب ـ ونائب الرئيس في إدارة بوش الابن"، وهي فوائد زادت وفاضت ودارت حولها أقاويل لا ضرورة لإعادة بعثها ونشرها الآن بعد أن كاد النسيان يطويها.
وهكذا، فإن الرسالة إلى المنطقة بطلب الانتظار كانت عاجلة لظروف طارئة ولدواع شخصية أيضاً، وقد حملها وزير الخارجية بكل الرقة والكياسة المتاحة لجنرال سابق ـ مع أنه خدم سنين طويلة في البيت الأبيض!
ومما يستلفت النظر أن نفس الرسالة عندما نقلت إلى السعودية وإلى بعض دول الخليج لم يكن المكلف بنقلها وزير الخارجية "كولين باول"، وإنما تركت المهمة لـ "بوش الأب" الذي شرح بنفسه في أحاديث تليفونية متعددة وطويلة "ظروف إدارة الإبن" ـ للأمير عبد الله ولي عهد السعودية ولاثنين أو ثلاثة غيره من أمراء الخليج، وقد تفهم الأمير عبد الله ظروف الأصدقاء وقدر حاجتهم إلى فسحة وقت.
وكان الاتصال بولي عهد السعودية وغيره من أمراء الخليج إشارة إلى "نية" و"قصد" كان مطلوباً من وقت مبكر صياغتهما كإستراتيجية وسياسة.
                                              **
وعندما جاء وقت تحويل البرنامج الانتخابي للحزب الجمهوري، وتقديرات الرئيس المنتخب ومجموعة الرجال الأقوياء المقربين منه، انطلقت مجموعات العمل الرئاسية تسابق الوقت بتقاريرها حتى تلحق البيت الأبيض وساكنه الجديد.
وكان البيت الأبيض الجديد قد أعطى لكل مجموعات العمل الرئاسية توجيهاً عاماً تلقاه الجميع، لكنه أعطى للمجموعة المختصة بكل أولوية مزيداً من التفاصيل عن رؤية الرئيس وإدارته لمجال عملها في كل منطقة.
………………
………………….
وكانت الخطوط الرئيسية في التوجيه العام الذي تلقته مجموعات العمل الرئاسية تعطى للجميع تصوراً متكاملاً. وكان الرجل الذي قام بالمهمة والإيضاح هو نائب الرئيس "ديك تشيني". وكان مؤدى التوجيه العام للجميع:
"1" إن الولايات المتحدة تجد نفسها الآن في وضع فريد لم يتح لأي قوة غالبة في التاريخ، فقد تمكنت من النصر في الحرب الباردة وانهار الاتحاد السوفيتي أمامها، كما أن الإمبراطورية السوفيتية تناثرت أجزاء وأشلاء متفرقة وأحياناً متخاصمة. وفي الوقت الحالي فإنه لم يعد هناك تحد للقوة الأمريكية، كما أن كل التحديات المحتملة مؤجلة الآن إلى سنين وحقب "الصين تحد محتمل لكن أمامه وقتاً طويلاً ـ واليابان تحد محتمل لكن الفرصة أفلتت منه، وسوف تظل فالتة إلا إذا استطاعت اليابان في المستقبل إنشاء علاقة خاصة من نوع يصعب التنبؤ به الآن مع الصين ـ كما أن أوربا الغربية تحد محتمل شريطة أن تتمكن من تحقيق وحدتها كاملة، وذلك الآن في مجال الأحلام".
يترتب عليه أن الولايات المتحدة الآن "متفوقة بمراحل"، وهذا التفوق مضمون في المستقبل المرئي، ومسئوليتها الحقيقية أن تعمل بكل الوسائل على الاحتفاظ به وتدعيمه، وتلك هي المهمة الأولى للسياسة الأمريكية وللقدرة الأمريكية في كل مجال.
والرأي السائد في الإدارة الجديدة أن الولايات المتحدة حققت "قيادتها المطلقة" للعالم في عهد "ريجان" و"بوش" لأنها استطاعت أن تمسك باللحظة التاريخية وتستعمل إمكاناتها المادية والمعنوية للحفاظ على مكاسبها وهو ما ينبغي للإدارة الجديدة أن تعود إليه وتحافظ عليه.
ويستعيد التوجيه إلى ذاكرة سامعيه أن الإمبراطورية البريطانية احتفظت بسيادتها على البحر الأبيض ـ وهو مركز الثقل في الإستراتيجية العالمية طوال القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين ـ بمجرد "تعويد" الآخرين على فكرة سيطرتها على البحار، في حين أنه على ساحة الواقع لم يكن لديها في البحر الأبيض طول هذه "القرون" غير تواجد عسكري محدود في إمكانياته عند مداخل البحر الأبيض ومخارجه في السويس وجبل طارق، ثم أسطول فوق مياه البحر يتكون من بارجة واحدة وست مدمرات فردت أعلامها ترفرف على الموج ما بين قبرص ومالطة. والولايات المتحدة في وضع أقوى عشرات المرات مما كانت عليه الإمبراطورية البريطانية، وكل ما يلزمها هو ترسيخ "عادة" الإقرار بوجودها في "كل مكان" وتأكيد هذا الوجود بحيث يصبح عنصراً مؤثراً على القرار في "أي مكان".
……………….
……………… .
"2" إن الاقتصاد الأمريكي ما زال الأكثر حيوية والأقدر على التجدد، وتلك حقيقة تعكسها سيادة الدولار على غيره من العملات في أسواق العالم، ولا ينبغي أن يؤخذ ما حدث في أسواق المال ـ خصوصاً لشركات "التكنولوجيا الجديدة" التي انهارت قيمة أسهمها ـ دليلاً على "هشاشة" في القوة الاقتصادية الأمريكية، ذلك أن الطفرة التي حملت أسهم شركات التكنولوجيا الجديدة إلى ذروة السوق هي نوع من "الصرعات" التي تحدث من جراء التوقعات المبالغ فيها في مراحل التحول البارزة في قوى الإنتاج. والحقيقة أن هذه الطفرة من توابع اختراقات في تكنولوجيا المعلومات جعلت كثيرين يتصورون أن مجرد "وجود فكرة" جاهزة لقبول المخاطرة يخلق حالة يستطيع فيها الاستثمار أن يستغنى عن "رأس المال" وقد ثبت أن ذلك وهم مستحيل. والنتيجة أن "الطفرة" فرقعت مثل فقاعات الصابون وكانت عملية تصحيح لأوضاع السوق ضرورية وواجبة!
وفي حقيقة الأمر، فإن ما أخذته عملية "تصحيح الوهم" في الأسواق كان هو بالضبط ما جاء به "الاستسلام للوهم" من زيادات في حجم "التعاملات" خلقت إحساساً زائفاً بالرخاء عندما تضخمت. وخلقت إحساساً مبالغاً فيه بأزمة "الرأسمالية" عندما فرقعت. بينما الأكيد أن الرأسمالية الأمريكية هي "الآن في أقصى درجات قوتها وكل ما يلزمها هو: ترك الأسواق مفتوحة ومنع أي طرف من التدخل في حركتها".
والإدارة الديمقراطية السابقة "إدارة كلينتون" مسئولة إلى حد كبير عن "تشجيع الأوهام"، وهي لم تفعل ذلك في مجالات "المال" وحدها وإنما فعلته في مجالات كثيرة، وأهمها مجال "الأمن".
وفي حين أن إدارة جمهورية "ريجان وبوش الأب" هي التي أدارت بنجاح معركة سقوط الشيوعية والاتحاد السوفيتي، فإن إدارة ديمقراطية "كلينتون" عجزت عن استغلال فرصة هذا السقوط وتهاونت في ضرورات التفوق الأمريكي.
………………..
……………….
"3" إن الإدارة الجمهورية العائدة إلى موقع القرار عليها أن تستأنف خطط الدفاع الإستراتيجي كما تصورتها إدارات "ريجان" و"بوش" "الأب"، وأولها مواصلة برنامج حرب النجوم، والخطوة التالية فيها إنجاز شبكة الصواريخ المضادة للصواريخ لأن هذه الشبكة هي التي تعطى الولايات المتحدة درعاً وافية ضد المخاطر مهما كان مصدرها.
وإذا كان هناك من يتصور أن إستراتيجية الردع المتبادل القائمة على توازن في القوة النووية بين الدول التي تملك إمكاناتها لا تزال كافية فهؤلاء على خطأ كبير. لأن الردع النووي المتبادل كان إستراتيجية صالحة لمرحلة الحرب الباردة بين قوتين تملك كل منهما إمكانية تدمير القوة الأخرى سواء بضربة أولى من منصات إطلاق ثابتة "على البر" أو بضربة ثانية من منصات إطلاق متحركة "في الغواصات"، لكن الظروف الآن مختلفة. ومرجع الاختلاف أن القوى النووية في العالم تعددت بدخول الصين والهند وباكستان وكوريا الشمالية بترسانات نووية مؤثرة، وذلك يفرض على الولايات المتحدة إستراتيجية جديدة لا تردع طرفاً واحداً أو طرفين وإنما تواجه كل الأطراف "بما فيها أطراف هي اليوم صديقة". والسبيل إلى ذلك درع منيعة حول الولايات المتحدة "ثعبان يمنع ويبلع كل ثعابين الخصوم قبل الوصول إلى الشواطئ والمدن ومواقع القوة الأمريكية" وبعدها يصبح الآخرون تماماً تحت رحمتها تتصرف إزاءهم كما تشاء. وذلك مهما كانت تكاليفه أرخص من أي سباق نووي يعمد علي الردع، خصوصاً وقد اتسع طابور الداخلين إلى مجال القوة النووية وهو طابور طويل يضم دولاً صغيرة و"مارقة" يرضيها أن تعتبر نفسها ندا للولايات المتحدة في إستراتيجية ردع متبادل!
………………
………………
"4" إن الإدارة الجمهورية الجديدة عليها ان تمارس دورها في الدفاع والتمكين للمصالح الأمريكية "بغير قيود" لا تستوجبها "الضرورات". و"الإدارة الأمريكية" وحدها هي الطرف الوحيد الذي يحق له توصيف المصالح الأمريكية دون اعتبار لأي ضغوط. وفي مجال العمل السياسي، فإن الإدارة تستطيع أن تمارس "دورها" داخل الأمم المتحدة وفي الوقت نفسه تستطيع ممارسة "مسئوليتها" خارج الأمم المتحدة "بالذات في مناطق حساسة بالنسبة للمصالح الأمريكية ومنها منطقة الشرق الأوسط".
وما حدث هو أن إدارة كلينتون سبق لها أن ورطت الولايات المتحدة في تعهدات بدعوى المحافظة على البيئة "بروتوكول كيوتو"، أو بدعوى حرية المنافسة التجارية "اتفاقيات منظمة التجارة العالمية"، وتلك كلها وغيرها تنازلات أعطت العالم إشارات خاطئة مفادها أن الولايات المتحدة يمكن تطويعها أو يمكن ابتزازها. وقد سمحت إدارة كلينتون بذلك لأنها وضعت نفسها موضع الدفاع عندما فقدت "رئاستها" ذلك الأساس الضروري للمشروعية الأخلاقية نتيجة لفضائح كلينتون الجنسية وأشهرها فضيحة "مونيكا لوينسكي". لكن الإدارة الجمهورية الجديدة ليست مكشوفة بحالة "عرى أخلاقي" من هذا النوع.
وهنا دخل على التوصية تحذير يطلب من الكل أن ينتبهوا إلى احتمال أن يتصور بعض الأطراف أن في مقدورهم ممارسة نوع من التطويع والابتزاز بظن أن الإدارة الجديدة وصلت إلى البيت الأبيض بأقل فارق في أصوات الناخبين في أي انتخابات سابقة "300 صوت"، ووسط ضجة شديدة عن سلامة عملية الفرز "أعيدت عشرات المرات يدوياً وآلياً". وكذلك يمكن أن يحل التطويع والابتزاز السياسي محل التطويع والابتزاز الأخلاقي. وهنا فإن ضرورات القوة تفرض على الإدارة الجديدة أن تأخذ المبادرة في يدها، وأن تأخذها بشدة وبحزم لا يدع لأحد مجالاً للشك في أن القرارات الأمريكية تصدر عن شرعية مجروحة أو يمكن تجريحها!
……………….
………………..
"5" إن الإدارة الجديدة يتعين عليها أن تمارس سياساتها في العالم في إطار مناطق متصلة، وليس في إطار دول محددة. والحاصل أن أوضاع العالم كما برزت بعد الحرب العالمية الثانية وأثناء الحرب الباردة تكشف أن القضايا المطروحة على الساحة الدولية تكشف عن "آفاق" وليس عن "حدود"، حتى وإن كانت الحدود شاسعة "شبه قارات".
وهنا، فإن الصين هي منطقة شرقي آسيا وليست بلداً واحداً عاصمته "بكين". والهند هي شبه القارة الهندية وليست "دلهي" ـ ومنطقة البحيرات هي وسط أفريقيا وليست "كينشاسا".
وحتى في حساب الأزمات المحلية فإن أزمة "كوسوفو" مثلاً هي أزمة منطقة "البلقان" كلها، وليست أزمة إقليم من بقايا يوجوسلافيا القديمة. ومشكلة العراق هي مستقبل منطقة الخليج العربي كله، وقضية الصراع العربي الإسرائيلي هي أمن شرق البحر الأبيض المتوسط، وليس السلطة الوطنية الضعيفة في غزة أو إسرائيل المستقوية في تل أبيب!
……………….
……………….
وهكذا، فإن السياسة الأمريكية عليها أن تتعامل مع "مناطق" وليس مع "مواقع"، لأن ذلك هو مدلول الخريطة السياسية ومقتضاها. وفي نفس الوقت، فإن التعامل مع مناطق يمكن السياسة الأمريكية من استيعاب وتفريغ ادعاءات "قوى محلية" تتصور نفسها قائمة على "أدوار إقليمية" في المناطق التي توجد فيها ومن ثم ترتب لنفسها امتيازات تطالب بها.
"6" إن الولايات المتحدة لا تستطيع أن تدعي لنفسها "رئاسة العالم" وإلا جلبت لنفسها مشكلات تستثير الحساسية أو تستدعي المنافسة أو تستفز الآخرين بغير لزوم لكن عليها في نفس الوقت أن تحتفظ لنفسها بالكلمة الأخيرة في أي موضوع.
وذلك يعني:
○ إن الولايات المتحدة لا تقبل قسمة أو توزيعها في مسئولية القرار العالمي.
○ ولا تقبل قيادة جماعية أو نوعاً من مجلس الإدارة مسئولاً بالتضامن حتى ولو كان لرئيسه صوتان أو حتى ثلاثة!
○ ولحل هذه الإشكالية فإن المدخل إلى ما تريده واشنطن يكون التشاور مع الأطراف الدولية الكبيرة، كل على حدة، ومع كل طرف داخل المنطقة التي تتصل بأمنه المباشر أو مصالحه، دون ضرورة لإشراك كل الأطراف في كل المسائل، مع ملاحظة أن الوصول إلى توافق عام زيادة لا حاجة إليها وأفضل منها أن تحجز الولايات المتحدة لنفسها حق رؤية الأفق كاملاً وسلطة الحركة عليه بمفردها.
واتساقاً مع فكرة التشاور، تلاقي "بوش" مع "بوتين" وقرر "أنه نظر في عينه واكتشف أنه يستطيع الثقة به". وحتى بعد أن تكررت اللقاءات بين الرجلين في أكثر من مؤتمر "بينها مجموعة الثمانية في جنوا" كانت مستشارة الأمن للرئيس "بوش" وهي السيدة "كونداليزا رايس" في زيارة للكرملين قابلت فيها "بوتين" بعد عشرة أيام من اجتماعات جنوا وقالت "كونداليزا رايس" وهي على باب الكرملين: "إن الإتحاد السوفيتي "السابق" كان يمثل تهديداً للولايات المتحدة وأما روسيا فهي الآن صديق"!
وكانت تلك هي الخطوط العامة للتوجيهات التي أعطيت للمجموعات الرئاسية في كل المناطق ـ بما فيها المجموعة الرئاسية للشرق الأوسط!
                                          **
وفيما يتعلق بالشرق الأوسط تدخلت السيدة "كونداليزا رايس" فطرحت نيابة عن رئيسها ثلاث ملاحظات:
○ الأولى: إن أزمة الشرق الأوسط تحتاج فيما ثبت بالتجربة إلى "معجزة".
○ والثانية: إن رؤساء أمريكيين سابقين اقتربوا من الأزمة ولم يأخذوا منها إلا "حرق أصابعهم".
○ والثالثة: إن "جورج دبليو" ـ رئيس لا يعتبر نفسه صانع معجزات "تحول قطعة الحجر إلى رغيف خبز"، كذلك فهو لا يريد أن يحرق أصابعه!!
2ـ من "كلينتون" إلى "بوش":
لم يخرج تقرير اللجنة الرئاسية عن الخيارات السياسية المتاحة للرئيس بوش في الشرق الأوسط فجأة إلى النور، ولم يطبخ هذا التقرير على عجل ليقدم للإدارة الجديدة على صينية أو على طبق فور طلبه.
وإنما كان للتقرير الرئاسي أساس أبعد من ذلك وأعمق، لأن قسماً كبيراً من أفراد المجموعة التي عكفت على إعداده كان لها سابق اهتمام بالمنطقة، ولذلك فإن معظم الجهد كان عملية تنسيق وتنظيم ومضاهاة وصقل. وفي الواقع، فإن الصورة النهائية للتقرير لم تكتمل إلا في شهر يونيه الأخير "2001" عندما قام اثنان من المشاركين في إعداده بزيارة "اللحظة الأخيرة" للمنطقة حتى يجري تقديم التقرير وعليه "اللمسة الأخيرة".
كانت مجموعة العمل الأصيلة تضم قرابة أربعين وزيراً وسفيراً وخبيراً سبقت لهم الخدمة في إدارات جمهورية من قبل. وكانت للمجموعة الكبيرة لجنة إدارة ضيقة ضمت وزراء خارجية "بينهم "الكسندر هيج" من إدارة ريجان الأولى مثلاً"، ومستشاري أمن قومي "منهم "انتوني ليك" من إدارة ريجان الأولى أيضاً"، وسفراء عملوا في المنطقة "مثل "صمويل لويس" الذي خدم ثماني سنوات سفيراً في إسرائيل".
وقد تولت اللجنة ترتيب وتنسيق زيارات ولقاءات لأعضائها على اتساع عواصم الشرق الأوسط وذلك لإجراء حوارات "إستراتيجية معمقة" وهنا، فإن أحد عشر عضواً من أفراد مجموعة العمل قاموا بزيارة للمملكة العربية السعودية وللأردن ولإسرائيل وللضفة الغربية، وقابلوا مجتمعين أو فرادى كل من ظنوا أن لديه شيئاً مهما يسمعونه منه.
وعندما فرغت المجموعة من إعداد تقريرها وقد ركزت عليه طوال شهور الربيع ـ قررت إرسال اثنين من أعضائها هما "دافيد بروك" و"روبرت ساتلوف" في أوائل الصيف "يونية" إلى المنطقة لمهمة "النظرة الأخيرة" وإضافة "اللمسة الأخيرة"!
وأخيراً أكملت اللجنة تقريرها في ثمانين صفحة، ثم إنها وضعت فوقه تلخيصاً لمجمل ما فيه في حالة ما إذا لم يجد الرئيس وقتاً كافياً لقراءة ثمانين صفحة!
                                            **
المدخل العام للتقرير يبدأ بعرض واسع يطرح على الرئيس بوش وكبار معاونيه صورة ما تغير في الأفق الإستراتيجي للمنطقة منذ ترك الجمهوريون رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية عند سقوط "بوش" "الأب" أمام كلينتون في انتخابات سنة 1992.
ويحدد التقرير "أن آخر إدارة جمهورية ـ وهي إدارة "بوش" الأب ـ تركت منطقة الشرق الأوسط وقد تحققت فيها ثلاثة إنجازات كبيرة يمكن البناء فوقها:
□ الإنجاز الأول: هو فتح الطريق أمام سلام شامل في المنطقة، وذلك بمؤتمر مدريد سنة 1991 الذي قصدت إليه كل الدول العربية "راغبة وقادرة ومستعدة" لصنع السلام مع إسرائيل من خلال مفاوضات سياسية لها مساراتها المختلفة ومن خلال مؤتمرات للتعاون الإقليمي متنوعة في موضوعاتها لكن هدفها واحد! وهو أن توفر للكل نصيباً في "جوائز السلام"! وتشرك دول المنطقة دون تمييز في أجواء من التعاون تساهم فيه "تركيا" بالتحديد وبالاسم لأن "ذلك يحقق توازناً في القوى محكماً وفاعلاً".
وقد لحقت بمدريد اتفاقيات سلام بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، وبين إسرائيل والمملكة الأردنية، وتلى ذلك أن "نصف دستة" من الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية أقامت علاقات مع إسرائيل شملت السياسة والاقتصاد ومجالات أخرى في التعاون المشترك فيها الأمن وتبادل معلومات المخابرات!".
………………
………………
[لم يذكر التقرير أن التعاون في مجال تبادل معلومات المخابرات وصل إلى حد أن "الموساد" قدمت لبعض الدول العربية صور برقيات شفرية ملتقطة من شبكات دول عربية أخرى.. وقدمت لها أيضاً تسجيلات لمحادثات تليفونية جرت بين مسئولين عرب وفيها مايهم مسئولين عرباً آخرين تحرص عليهم إسرائيل ـ أكثر من ذلك فإن إسرائيل قدمت لإحدى الدول العربية محضراً لوقائع لقاء سرى جرى بين وزير الدفاع في دولة عربية ثانية ومدير المخابرات في دولة عربية ثالثة!].
……………..
□ الإنجاز الثاني: إن مطلباً إستراتيجياً شديد الأهمية تحقق بالكامل في الوقت الذي ترك فيه بوش الأب مكانه "بعد انتخابات الرئاسة 1992" وذلك المطلب هو ضمان "أمن الخليج" وموارده البترولية الحيوية على نحو نموذجي حلم به كل رئيس أمريكي وعجز عن بلوغه ـ لكن "حرب الخليج الثانية" مكنت منه.
كان المطلب النموذجي لتحقيق أمن الخليج هو إجراء فصل كامل بين الداخل والساحل في العالم العربي، أي عزل "الخليج العربي" عن "الشام" "وفيه سوريا وفلسطين"، وكذلك عن مصر. وذلك يعني أن "شئون" البترول تنفصل عن "قضايا" الصراع العربي الإسرائيلي "بما يعني عملياً فك الارتباط بين دول مجلس التعاون الخليجي وبين بقية العالم العربي من دول جامعة الدول العربية".
وكان المطلوب بالدرجة الأولى من أطراف التحالف الذي خاض حرب الخليج إخراج العراق من الكويت، لكن ذلك الهدف استعمل مقدمة لها ما وراءها.
□ أوله أنه بهذا التحالف أصبح بعض العرب شركاء إستراتيجيين لإسرائيل حتى وإن لم يقصدوا، وكانت تلك الشراكة هي ما أقنع إسرائيل بالامتناع عن الرد على صواريخ عراقية طالت بعض مدنها "خلال ليالي القتال من منتصف يناير إلى أواخر فبراير 1991".
□ وثانيه هو تحصين أمن الخليج بصورة حاسمة،والتأكد من فصل "شئون البترول" عن "قضايا الصراع العربي الإسرائيلي" عندما تم نزول القوات الأمريكية وتمركزها في كل دول مجلس التعاون الخليجي دون أي اعتراض.
□ وثالثه وهو الأهم أن الرأي العام العربي "تعود" على وجود القوات الأمريكية على مياه الخليج وشطآنه وقواعده، ولم يعد في ذلك "بالعادة" ما يزعج أو يثير!
□ والإنجاز الثالث هو ما بدا من أن العالم العربي يقبل عموماً بأهم ظواهر "العولمة"، فقد أصبحت صيحة اقتصاد السوق هي اللازمة المسموعة في كل محفل عربي، ومعها جرت " إعادة هيكلة اقتصادية ومالية" قامت بها معظم الحكومات العربية أو اتجهت إليها، كما انفتحت شهية المستهلكين العرب لأنواع من السلع الاستهلاكية الغربية طلبتها ودفعت ثمنها مقبلة عليها وسعيدة بها، وتم ذلك دون مقاومة تذكر.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن الفضاء العربي وقع فيه كسر قبضة أي دولة عربية تتصور أنها تستطيع السيطرة أو التوجيه داخل بلد واحد. أو التأثير فيما هو أوسع. والسبب أن "الفضائيات العربية" الناطقة باللغة العربية فتحت الأجواء العربية لكل ريح من أي اتجاه.
…………….
……………..
[لم يتطرق التقرير الرئاسي إلى أكثر من ذلك في ذكر دور الفضائيات العربية في حساب القرار الأمريكي، لكني ناقشت وجهات نظر مختلفة عن هذا الدور أثناء زيارة أخيرة لأمريكا ـ وبينه:
إن الفضائيات العربية أنهت قدرة أي حدث يقع في العالم العربي ـ مهما كانت درجة خطورته ـ على تعبئة راى عام متماسك وقوى لأن هذه الفضائيات حولت الوعي العربي إلى ثقوب يتسرب منها بالليل ما يجيء بالنهار.
□ وأن هذه الفضائيات سببت حالة استغناء بمشاهدة الصور عن المشاركة بالفكر أو الفعل، والنتيجة أن "العربي" مدعو كل ليلة لكي يتفرج على "مسلسلات الأحوال العربية"، وعليه أن يجلس أمام الشاشة لأنه لا يستطيع القفز داخلها للمشاركة في هذه الأحوال.
□ وأن هذه الفضائيات ربطت المشاهد العربي إلى حكايات الماضي فانشغل بها لأنها وافقت نزعة الموروث الشعبي عنده إلى القصص والحكايا.
□ وأن هذه الفضائيات بتضارب القصص والحكايا استباحت بالأهواء ما وافق غرض كل قاص وحاك حتى فقد الرأي العام العربي على اختلاف توجهاته احترامه لأي مرجعية تلهم، وأهم من ذلك تصوره لأي رؤية مستقبلية تجمع!
وفي المحصلة النهائية، فإن هذا المناخ الذي اختلط فيه كل شيء بكل شيء هيأ فرصة سانحة ولعلها مثالية لعملية هدر عقلي وننسى تغرق الإرادة العربية دائخة في دوامتها وذلك كان مطلبا عزيز القوى دولية عديدة وقد نالته أخيراً سواء بذكائها أو بغفلة غيرها!]
……………….
……………….
والمدهش أن التقرير بعد ذلك يلاحظ أنه "مع أن الاقتصاديات العربية على وجه العموم فشلت في الإفادة من الجانب الإيجابي للعولمة، لأنها عجزت عن زيادة نصيبها في التجارة العالمية ـ بل إن بعضها فقد شيئاً مما كان لديه ـ فإن رياح العولمة أشاعت في المنطقة جواً من المرونة "أو من الرخاوة" مفتوحاً للتأثير. وقد امتد بعض التأثير إلى مجالات الحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان، لكن الحكومات العربية مع اختلاف "أشكالها وألوانها" استجمعت ما لديها من سلطة لتقاوم التيارات على هذه الجهة وتصدها!"
وكان ذلك هو المدخل العام لتقرير المجموعة الرئاسية الذي قرأه أو يقرؤه أو يوشك أن يقرأه الرئيس بوش الآن، أو على الأقل يطلع على ملخصه أو يسمع شرحاً له تقوم به "الأستاذة" كونداليزا رايس مستشاره للأمن القومي.
                                             **
وينتقل التقرير من هذه الإنجازات التي تحققت أيام آخر إدارة جمهورية "بوش الأب" وهي كبيرة بأي معيارن إلى ما حدث تحت إدارة كليننتون التي تهاونت وتراخت فإذا هو الانحراف والانحدار على منعطفات خطرة، تهوي إلى البحور المضطربة. والتقرير يعد أربعة منعطفات حدث فيها الانحراف والسقوط.
"1- إن مسيرة السلام تعطلت أمام عراقيل واجهتها، أهمها ذلك الأنفجار الشعبي الفلسطيني الذي وقع في سبتمبر سنة 2000 ووصل إلى درجة من العنف المتبادل بين الفلسطينيين والإسرائيليين تحول إلى نوع من حرب العصابات. وأدى ذلك إلى ضياع "فكرة المفاوضات" و"منطق الحل الوسط"، وكانت تلك الفكرة وهذا المنطق "دعامتين رئيسيتين" في عملية بناء شرق أوسط جديد!"
"2- ترتب على ذلك أن موجة من المشاعر المعادية لأمريكا اجتاحت العالم العربي وما زالت أمواجها الداكنة بالكراهية تتدفق في عواصمه حتى تلك العواصم التي تعتبر الأقرب من السياسة الأمريكية مثل القاهرة والرياض ومسقط.
وكان أن "السلام الأمريكي Paxa Americana الذي طلع على المنطقة وشاع الظن بأنه تمكن من تثبيت قواعده ـ راح يتعرض لضغوط من الرأي العام العربي حتى أن نظما صديقة للولايات المتحدة اضطرت أن تحتفظ لنفسها "بمسافة أمان" تحميها من المشاعر المعادية لأمريكا حتى لا تصل إليها تأثيراتها في مواضع قاتلة!
ومثلاً، فقد اضطر وزير الخارجية المصري ـ في ذلك الوقت ـ إلى كيل المديح لحزب الله، كما أن وزير الدفاع السعودي هدد بفرض عقوبات على الشركات الأمريكية، ثم إن رئيس وزراء الأردن قاد وفداً موسعاً إلى بغداد في محاولة لإظهار التمرد على الرغبات الأمريكية.
ومع أن الولايات المتحدة تعودت مؤخراً أن تعطي لبعض أصدقائها في الشرق الأوسط "رخص سماح" إذا هاجموا سياستها خطابياً لإرضاء جماهيرهم ـ فإن هذه الأزدواجية لها آثارها الخطرة، وأولها أن يتحول "التظاهر" بالعداء لأمريكا بكثرة تكراره إلى سياسة ولو باللاوعي. وثانيها أن "الشارع العربي" قد يستعيد قدرته في الضغط على الحكومات المعتدلة مما يعرض هذه الحكومات لمخاطر حقيقية".
"3 ـ ولقد كان أخطر المنعطفات التي تعثرت عندها "المسيرة" ـ أيام "كلينتون" ـ أن تحالف حرب الخليج أخذ يترنح، وأظهر الأعراض أن شعوراً عاماً ساد في العالم العربي مؤداه أن شعب العراق دفع ثمناً "لا يمكن قبوله أو الاستمرار في قبوله"، وبالتالي فإن تحالف حرب الخليج فقد الهدف المشترك الذي قام عليه في البداية. ثم إن السياسة الأمريكية حاولت أن تواصل التصرف تحت غطاء تفويضه حتى تتمكن من "احتواء النظام في العراق وتطويقه وإسقاطه".
وفي اللحظة الحالية فإنه يتبدى أن الولايات المتحدة في محاولتها لتحقيق مطلبها في العراق لم تعد تجد نصيراً لها إلا داخل حدود الكويت، وهذا وضع بالغ الخطورة خصوصاً إذا ترافقت معه ـ بسبب تدهور الأوضاع وتزايد العداء لأمريكا ـ عودة إلى نوع من الاتصال بين "شئون البترول" وقضايا الصراع العربي الإسرائيلي".
"4- وفي تداعيات ذلك وغيره تسللت عائدة إلى المنطقة قوى كان الواضح ـ في أواخر عهد الإدارة الجمهورية السابقة "بوش الأب" ـ أنها خرجت من المنطقة إلى غير رجعة.
□ وأولى هذه القوى هي روسيا، وخطر عودتها إلى دور فاعل في الشرق الأوسط ظاهر على ناحيتين:
- من ناحية: فهي قادمة مع توريد أسلحة محظورة لبعض بلدان المنطقة التي يزداد فيها العداء للولايات المتحدة وبينها إيران والعراق وسوريا.
- وعلى الناحية الثانية: فإن روسيا تعرقل فرض نظام جديد للعقوبات على العراق يحل محل نظام سبق لأن النظام الجديد أذكى وهو قادر على إنقاذ الشعب العراقي وتصفية نظام الحكم في بغداد.
والمناخ السائد في المنطقة يعزز عودة روسيا ويمكنها من تسويق حججها من ناحية توريد السلاح وناحية عرقلة العقوبات".
"فمن ناحية توريد السلاح تدعي روسيا بأن لها علاقات وصداقات تقليدية في المنطقة لعب فيها السلاح دوراً كبيراً، مع أن واقع الأمر يقول إن الولايات المتحدة الأمريكية هي أكبر مورد سلاح في المنطقة ونصيبها في تجارته مقارناً بنصيب روسيا تسعة إلى واحد، مع العلم بأن الذين يشترون السلاح من أمريكا يدفعون مقدماً ونقداً وأما الذين يشترونه من روسيا فدفعهم مؤجل وهو بالتقسيط المريح!
وفيما يتعلق بالعقوبات الجديدة فإن روسيا قادرة على القول بأن النظام المقترح ليس ذكياً، لأنه لا الحكم الحالي في العراق ولا أي حكم غيره يحتمل ان تجيء به الظروف إلى ذلك البلد ـ يستطيع قبول الفكرة الرئيسية في هذا النظام وهي تقوم على نزع وجود الدولة أصلاً عن العراق لأن نظام العقوبات الذكية يبدأ من قرار يؤكد وضع كل عائدات العراق من النفط رهن تصرف الأمم المتحدة، هي تبيع وهي تحصل وهي تخصص وهي تعطي لمن تشاء بما في ذلك أي نصيب تخصصه للعراق: شعبه أو حكومته!
□ "وراء روسيا عادت الصين، بل هي الآن في موقف أقوى لأنها على علاقة تقليدية مع العالم العربي وعلى علاقة مستجدة ـ تتسع ـ مع إسرائيل، وهذا يعطي للصين مصداقية القيام بدور لاعب مهم في الشرق الأوسط يساعدها عليه أنها واحدة من الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن.
□ لكن الجزء الخطر في نشاط الصين في المنطقة هو تلك العلاقات النامية والمتمددة دون صخب بين الصين وإيران".
□ "والقادم الثالث على طريق العودة، بعد روسيا والصين، هو أوربا، ومع أن أوربا حليف طبيعي للولايات المتحدة إلا أن أوربا في جزء من طموحها ومصالحها منافس للولايات المتحدة على موارد المنطقة وعلى أسواقها ، فإذا أضيف إلى ذلك ان بعض الدول الأوربية وبالذات فرنسا لها مشروعات مستقلة ولها أغراض خاصة بها، فإن عودة أوربا على هذا النحو إلى المنطقة هي في هذه الظروف ـ تفتح ثغرات يمكن للبعض استغلالها لتوسيع دائرة المناورة والحركة بما يساعد القوى المعادية للسياسة الأمريكية".
                                             **
ويصل التقرير إلى نقطة حساسة حين يشير إلى أن الإدارة الديمقراطية السابقة أساءت التقدير، وأساءت التصرف بالأسلوب الذي اتبعه "الرئيس كلينتون" شخصياً حين تصور لنفسه مقدرة التصدي لأزمة الشرق الأوسط وساعده على هذا التصور أنه كان يبحث لنفسه عن مجال يعوض فيه بنجاح غير مسبوق فضيحة هي الأخرى غير مسبوقة..
والحقيقة ـ كما يرى التقرير ـ أن "بيل كلينتون" رأى الصعوبات والعقبات ومهاوي الهلاك التي وصلت إليها أحوال المنطقة. لكن "كلينتون" وقع في خطأ عمره عندما ظن أنه يستطيع تقليد رئيس ديمقراطي سبقه ـ "جيمي كارتر" "1977" ـ بممارسة دبلوماسية شخصية على نحو ما قام به "كارتر" "مع "أنور السادات" و"مناحم بيجين" " في كامب ديفيد "سنة 1978". وهنا يشير التقرير أن كلينتون نسى عدة فوارق كبيرة تتعلق بالحقائق وبالظروف وبالناس.  بمعنى أن "جيمي كارتر". في تجربته ـ مارس الدبلوماسية الشخصية بين أهم دولتين في المنطقة: أكبر دولة عربية تاريخياً وهي مصر، وأقوى دولة عسكرياً في اللحظة الحالية وهي إسرائيل. وكذلك فإن "كارتر" مارس دبلوماسيته مع رجلين كلاهما وراءه سند من نوع ما. "فأنور السادات" وراءه "أمل سلام" يعقبه رخاء للشعب المصري ـ و"مناحم بيجين" وراءه" "أمل أمن" يترتب عليه تحقيق شرعية قانونية لدولة إسرائيل. وترافق ذلك مع ظاهرة أن الدبلوماسية الشخصية كانت بدعة مثيرة جديدة وبراقة في تلك الأيام قبل ربع قرن. أما الآن فإن الصورة مختلفة ـ وأسوأ من ذلك أن كل المقولات التي بنى الأطراف عليها مقولاتهم تمت تجربتها. لأن السلام الذي طلبه "أنور السادات" لم يتحقق ـ والأمن الذي طلبه "مناحم بيجين" لا يزال معلقاً في الهواء.
لكن "بيل كلينتون" ـ على أيامه ـ، لم يدرس "الأحوال" ومتغيراتها بالعمق الكافي، وهكذا فإنه وهو رئيس الولايات المتحدة ـ وجد نفسه يتفاوض مع رؤساء مليشيات ومسئولين أمنيين في المخابرات والشرطة. وبالتالي فإنه على طريق طويل من "كامب دافيد" إلى "واي ريفر" إلى "شرم الشيخ" قام بعملية "بهدلة مهينة" لنفسه ولمنصبه ولبلاده ضيعت هيبة أكبر بلد في التاريخ وفي الدنيا، ومع ذلك لم يتوصل إلى نتيجة لأن "مجرد تورطه مع نوعية الناس" الذين "تفاوض" معهم، "ومجرد تنازله إلى التفاصيل التي رضى بالبحث فيها" ـ حوّل رئيس الولايات المتحدة في النهاية إلى رهينة يتحكم في نجاحها أو فشلها رجال قادمون من الظلام وعائدون إليه، وكلهم ممن لم يكن يجوز من الأصل أن يلقاهم رئيس الولايات المتحدة مهما كانت الظروف.
وللتذكرة فقد استعاد كاتبوا التقرير أن الولايات المتحدة كانت تجري اتصالاتها مع منظمة التحرير الفلسطينية أيام كانت منفية في تونس وذلك بواسطة سكرتير ثان في سفارتها هناك. وعندما استجابت المنظمة لكافة الطلبات الأمريكية ـ كافأتها الولايات المتحدة بقرار من وزير الخارجية "جورج شولتز" يسمح للسفير الأمريكي في تونس بلقاء مسئولين من المنظمة علنا وبصورة رسمية ـ واعتبرت المنظمة ذلك القرار في وقته "حلما تحقق".
وفي عهد "كلينتون" تنازلت هيبة الولايات المتحدة إلى حد أن رئيس الولايات المتحدة الأمريكية قاد بنفسه عملية الاتصال، والتقى وتحادث وتفاوض، ورفع الكلفة بينه وبين عشرات من الرجال لم يعرفهم وناداهم جميعاً بأسماء الشهرة التي ظهروا بها في العمل السري "أبو كذا" و"أبو كذا"، وقد سهر مع بعضهم يتكلم حتى الصباح، ومع ذلك فقد خرجوا من أمامه دون أن يوقعوا على ما طلب منهم بل راوغوه ثم زاغوا منه.
ويرى واضعو التقرير الرئاسي ـ والأمر كذلك ـ أن الولايات المتحدة يجب أن تستعيد هيبتها، ثم إن أي مسئول فيها ـ وحتى تحت مستوى الرئيس ـ يجب أن يعود إلى سياسة التعامل عن بعد ومن علٍ.
………………
………………
[لم يتطرق التقرير الرئاسي إلى أسلوب كانت الولايات المتحدة الأمريكية وساساتها يتبعونه مع معارفهم وأصدقائهم من العرب ـ ولا يزالون ـ باستثناء كلينتون الذي تعامل بأسلوب مختلف ولكن بمضمون لم يختلف.
ومؤدى ذلك الأسلوب أنه "لا بد من وضع مسافة واضحة بين أي علاقات ألفة ومجاملة استعدادتها ظروف وعلاقات سابقة، وبين أوضاع مستجدة لها اعتباراتها، لأن كثيرين من العرب لديهم الاستعداد ـ ولاسبابهم  ـ كي يخلطوا بين العام والخاص".
وفي ذاكرتي واقعة معبرة عن فرط تخوف بعض الساسة الأمريكيين من معارفهم العرب إلى درجة الفظاظة، وقد تابعت الواقعة بنفسي حين أصبح "جورج شولتز" وزيراً للخارجية في إدارة ريجان بعد خروج "الكسندر هيج".
أيامها كان "جورج شولتز" عضوا في مجلس إدارة شركة كونسوليدت العربية للمقاولات الذي يرأسه المليونير الفلسطيني "حسيب صبّاغ" وهو صاحب أكبر نصيب في الشركة، وكانت مكافأة "شولتز" مائة ألف دولار سنوياً عن ثلاثة اجتماعات يحضرها في السنة.
وبعد عدة أسابيع كان "حسيب صباغ" يرتب زيارة لأمريكا وخطر له وهو يرتّب برنامج سفره أن يطلب مقابلة صديقه وزميله السابق في مجلس إدارة شركته "جورج شولتز" فبعث إليه برسالة شخصية، وفي اليوم التالي تلقى "حسيب صباغ" رداً من سكرتيرة الوزير "شولتز" تحيطه علماً بأن الأوضاع تغيرت:
○ صداقته الشخصية مع شولتز متوقفة طالما هو في منصبه.
○ المرجو منه أن لا يتصل مباشرة بالوزير أو بمكتبه، ولا يطلب مواعيد معه لأن مجال نشاطه مما لا يشمله اهتمام الوزير حاليا.
○ وإذا كان لديه ما يقوله، فإنه يستطيع أن يبعث به إلى مكتب وزير الخارجية كما يفعل أي مواطن في أي بلد في العالم].

……………….
3ـ افصل ما بين البترول وفلسطين!
صلب التقرير الرئاسي كلام صريح موجّه للرئيس "جورج بوش" يخاطبه مباشرة بـ: لا تفعل ذلك ـ وافعل ذاك، وتنبه هنا ـ وحاذر هناك.
وأول المنهي عنه بالتصريح والتلميح مسألتان:
○ المسألة الأولى خطاب للرئيس: لا تخلط في منطقة الشرق الأوسط ـ أو ما يسمى كذلك اصطلاحاً ـ بين "نطاقين استراتيجيين" لأنه لا بد أن يظل كلٌ منهما مستقلا بذاته وبعيدا عن الآخر:
الخليج وما حوله ناحية ـ وفلسطين وما حولها ناحية أخرى "بمعنى ضرورة الفصل في سياساته ما بين إسرائيل وبين البترول"، والاعتبار أن الخليج قضية وفلسطين قضية أخرى والمزج بين الاثنتين يخلق تفاعلات تنشأ عنها شحنات خطر يصعب تقديرها.
يضاف إلى ذلك أن الفصل بين النطاقين هو الضمان لإحكام السيطرة على إدارة كل واحد منهما في حدوده المعينة وفي إطار المحسوب.
○ والمسألة الثانية خطاب للرئيس أيضاً: لا تقع في الأخطاء التي وقع فيها "كلينتون" قبلك.. بمعنى أن عليك أن تحتفظ لنفسك بمسافة كافية تبعدك عن التناول المباشر لأزمات الشرق الأوسط وتحميك من التفاصيل وتحفظ للرئاسة مهابتها.
لكنه فيما يتعلق بقضية الخليج تستطيع أن تقترب أكثر بحكم حجم المصالح وخصوصية الأطراف التي تتعامل معها الولايات المتحدة.
[وهنا يظهر معنى الاتصال ـ الذي سبقت الإشارة إليه ـ بين بوش الأب وبين الأمير عبد الله ولي عهد السعودية مباشرة، ومن أثره أن الأمير عبد الله عرفَ مبكراً وتفهم أن الرئيس الجديد "الابن" ليس مستعداً بعد لموسم زيارات الربيع التي يتسابق إليها أمراء ورؤساء المنطقة على طرق السفر إلى واشنطن].
………………
………………
[وهكذا فإنه لم يكن في برنامج الأمير عبد الله زيارة لواشنطن تحدد موعدها ثم تأجل غضبا أو احتجاجاً، وإنما كان هناك من البداية وعلى مستوى البيت الأبيض اتفاق على موعد متفق عليه يحل لاحقاً إلى خريف قادم 2001 أو ربيع 2002].
………………
………………
وتتضح هنا نتيجة واضحة لها مقدمات جلية ومؤداها أن التعامل مع النطاق الإستراتيجي للخليج وما حولها هو اختصاص يقوم عليه البيت الأبيض، لأن تفاعلات هذا النطاق ـ خصوصاً إذا غاب عنها تأثير نطاق فلسطين وما حوله ـ تفاعلات محكومة ومضبوطة. وليس من المحتم أن يقوم الرئيس بنفسه بالتعامل مع نطاق الخليج ـ فالاحتفاظ له في كل الأحوال بمسافة عازلة مطلب قائم ودائم ـ وإنما يمكن من البيت الأبيض ـ من البيت الأبيض باستمرار ـ أن يقوم بالاتصال "ديك تشيني" نائب الرئيس، كما يمكن أن يساعد فيه وزير الدفاع "دونالد رمسفيلد" لأن قوات الخليج ـ وهي الضامن الأول والأخير لأمن الخليج ـ في دائرة اختصاصه وتحت سلطته المباشرة.
أما فيما يتعلق بالنطاق الإستراتيجي الآخر "وهو فلسطين وما حولها" فهو نطاق يستحسن التعامل معه من بعيد، وفي كل الأحوال من خارج البيت الأبيض أي من وزارة الخارجية أو إدارة المخابرات المركزية حسب ما تقتضيه الظروف. وعلى أرض الواقع فإن وزارة الخارجية لها سفير دائم مكلف بنقل الرسائل بين الأطراف، كما أن وكالة المخابرات المركزية قائمة على ترتيبات فاعلة ومؤثرة!
                                              **
يدخل صلب التقرير بعد ذلك مباشرة مقترحاً على الرئيس توصيات يأخذ بها في سياساته وقراراته.
* التوصية الأولى:
"عليك" أن تمنع نشوب حرب إقليمية في الشرق الأوسط.. وسائلك إلى ذلك على النحو التالي:
○ عليك أن تؤكد طول الوقت أهمية تحالفنا الإستراتيجي غير المكتوب مع إسرائيل وحتى يفهم الجميع بغير التباس أن القوة الأمريكية غالبة وأن إسرائيل "شريك" إستراتيجي لنا.
○ عليك أن تستغل وتستعمل الدول العربية المعتدلة "خصوصاً مصر والأردن والمغرب والسعودية" وذلك لتشجيع طرح مبادرات وعرض صيغ تبقى عملية التسوية مفتوحة طول الوقت.
○ عليك أن تواجه المعارضين لسياستنا الحاليين والمحتملين ـ بسياسية رادعة. وهنا فعليك أن تتأكد أن سوريا ـ تحت قيادة بشار الأسد ـ تدرك أن تشجيعها لعمليات حزب الله سوف تستثير ردود فعل ضرورية تعرض سوريا لضربات إسرائيلية موجعة.
وفي هذا المجال فإن عليك أيضاً إفهام بغداد بأن إقترابها أو تداخلها في الصراع العربي ـ الإسرائيلي لا يمكن السماح به. وأن الولايات المتحدة ترقب محاولات العراق لتخويف وابتزاز الأردن، كما لا يستطيع العراق أن ينتهز فرصة زيادة التوتر في فلسطين ويجرب القيام بعمليات تعزيز سلطته في مناطق الأكراد.
○ عليك أن تطلب وفوراً توقف أعمال العنف بين الفلسطينيين وإسرائيل وعليك أن تجعل الطرفين "!" يدركان دون التباس أن "الالتزام بمسيرة السلام" وهو وحده المبرر الذي يبقى الولايات المتحدة طرفاً فيها وإذا لم يتأكد ذلك فإن كل طرفه عليه أن يتحمل عواقب تهاونه "في طرف وقف العنف" وعقوبة تأخره في العودة إلى مائدة المفاوضات "بغير تضييع للوقت".
* التوصية الثانية:
"عليك" أن تعيد تقييم تجربة المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين بما في ذلك تجربة "أوسلو" حتى تتضح خطواتك نحو التسوية وتبين أمامك.. وسائلك إلى تحقيق ذلك على النحو التالي:
○ عليك أن تقرر ـ بعد استكشاف مواقف الإسرائيليين والفلسطينيين ـ إذا كانت الجهود التي بذلت في الأسابيع الأخيرة من إدارة كلينتون وتحت إشرافه تستطيع توفير أساس تقوم فوقه إضافات ترتفع به إلى المستوى اللازم ـ أم أن ذلك الجهد كان مضيعة للوقت وبالتالي تفض يدك منه ومن نتائجه.
○ عليك أن تقرر هدفاً لتدخل إدارتك في هذه الأزمة فإما أن تختار البحث عن حل دائم ـ أو تكتفي بسياسة خطوة خطوة مرة أخرى.
○ عليك أن تقوم بتحذير الطرفين من قيام أي منهما بعمل منفرد أو التهديد بعمل منفرد ولا بد أن يعرف الفلسطينيون دون أدنى شك أنك لن تقبل إعلان قيام دولة فلسطينية من طرف واحد ـ كما أنه لا بد أن يعرف الإسرائيليون أنك لن تقبل بعملية فصل كامل بين الشعبين.
○ عليك أن توضح أمام كل من الطرفين أن الولايات المتحدة ليست لها مصالح ملحة تريد ضمانها من توصل الطرفين إلى تسوية ـ وإذا تم فصل نطاق الخليج عن النطاق الفلسطيني الإسرائيلي ـ فإن مصالح الولايات المتحدة في التسوية النهائية بينهما محدودة وكل ما تريد الولايات المتحدة تحقيقه هو وضع نهاية للصراع تبقى الأماكن المقدسة هناك مفتوحة لأتباع كل الأديان. وليس لإدارتك أن تقدم أية "مقترحات أمريكية" لحل عقد مستعصية وإن كان بمقدورها أن تفعل ذلك بشرطين:
1ـ أن يطلب الطرفان تدخلها بتقديم صيغة حل.
2ـ وأن يتعهد كلاهما بقبول الصيغة التي تقدمها.
○ عليك إعلام الطرفين بكل الوسائل أن التفاوض هو مسئولية الأثنين وحدهما وأن إدارتك مع استعدادها لأن تتابع عملية التفاوض ليست مستعدة لأن تكون طرفاً فيها.
وفي كل الأحوال فإنك بهيبة الرئاسة لا تستطيع أن تتدخل في مثل هذه المفاوضات ومن الأفضل:
1ـ ترك المهمة لوزارة الخارجية.
2ـ تفعيل دور وكالة المخابرات المركزية.
3ـ موقفك بصفة عامة: اقترب من الأزمة عند الضرورة ولكن لا تأخذها في أحضانك مهما كانت الظروف!
* التوصية الثالثة:
تستطيع السماح لأطراف دولية غير الولايات المتحدة ببذل جهود لتخفيف حدة التوتر في الإقليم.. وسائلك إلى ذلك على النحو التالي   
○ عليك أن تتعاون في هذا الصدد مع الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ويكون طلبك من الجميع أن يعملوا بجد على استعادة الهدوء في الإقليم دون أن يتجاوز أي طرف من هذه الأطراف الدولية ويسمح لنفسه بالتدخل في عملية التفاوض المباشر.
○ عليك دفع الدول الإقليمية الموالية لك ـ وخصوصاً مصر وتركيا ـ للوصول إلى العالم العربي والعالم الإسلامي وتخفيف أية احتقانات تحصل سواء لدى الشعوب أو لدى القادة.
○ عليك أن تجعل مقاومة التحريض بين أولويات مطالبك، وهنا فإنه لا بد من التأثير ـ بأي طرق تراها ـ في الرأي العام العربي والإسلامي، ومن المهم تشجيع الحوار على كل المستويات بين الإسرائيليين وبين العرب والمسلمين.
○ عليك أن تعمل على استئناف المفاوضات المتعددة الأطراف؛ فمثل هذه المؤتمرات تساعد عملية السلام أو تخفف التركيز عليها "أي تنتقل من السياسة إلى الاقتصاد ومن لغة الإثارة إلى لغة المصالح".
○ عليك أن تتشاور مع الدول المنتجة للنفط لكي تقدم بعض المساعدات للاقتصاد الفلسطيني، ولفت نظرهم إلى أن ارتفاع أسعار البترول يجعل مثل هذه المساعدة بلا تكلفة زائدة، ثم إن مثل هذه المساعدة تستطيع تغطية انسحاب دول النفط سياسياً من تعقيدات الأزمة "في فلسطين".
* التوصية الرابعة:
"عليك" أن تهتم بمثلث سوريا ـ لبنان ـ إسرائيل، وتشجيع عملية "تغيير" في سوريا ولبنان تفتح الباب لمفاوضات قد ترى أنك تستطيع توجيهها.. وسائلك إلى ذلك على النحو التالي:
○ عليك تقوية إمكانيات الردع الإسرائيلي لأن ذلك وحده هو ضمان تحجيم إمكانيات حزب الله في شن هجمات صاروخية على شمال إسرائيل. ومن المهم إبلاغ كل الأطراف باعتقادك أن إسرائيل تملك مشروعية الدفاع عن نفسها بالوسائل التي تقدرها ومن الضرورة أن تدرك سوريا ـ نقلاً عنك مباشرة ـ أنها سوف تصاب بأضرار جسيمة إذا سمحت بتحويل مواقع الحدود الإسرائيلية ـ اللبنانية إلى منطقة عمليات عسكرية. وهنا فلا تشجع إسرائيل على استهداف المدنيين عند قيامها بعمليات الردع العسكري.
○ عليك تأييد موقف السكرتير العام للأمم المتحدة في اعتبار أن الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان هو وفاء من جانبها بشروط قرار مجلس الأمن 425. ولابد للبنان أن يعرف أنك تربط بين أي مساعدات أو استثمارات لإعادة إعمار لبنان بشرط انتشار الجيش اللبناني على الحدود مع إسرائيل والبدء في نفس الوقت بنزع سلاح حزب الله.
○ عليك استكشاف الفرص المتاحة في سوريا جرب إذا كان في مقدور الرئيس السوري بشار الأسد ان يقوم بجهد في تحسين علاقاته مع الولايات المتحدة. معيار قياسك لحسن نواياه هو الطريقة التي يتصرف بها إزاء لبنان وإزاء قضية الإرهاب "حزب الله!".
○ عليك ان تتحرك بنشاط أكثر في لبنان وذلك عن طريق تشجيع مطالبة اللبنانيين بحرية أكبر، وذلك لفك القبضة السورية عن الشئون اللبنانية، وتستطيع أن تقنع الحكومة اللبنانية بأن تأخرها في إرسال جيشها إلى حدودها الجنوبية ـ سوف يفرض عليك أن تعيد توجيه المساعدات الأمريكية للبنان.. لا تقدم مساعدات للجيش اللبناني.. وجه مساعداتك إلى دعم النواحي الإنسانية ومنها منظمات حقوق الإنسان والهيئات العلمية والمدنية وأي نشاط لمؤسسات المجتمع المدني في لبنان!
* التوصية الخامسة:
○ عليك أن تمنع تواجد أسلحة متقدمة بما في ذلك أسلحة الدمار الشامل في ترسانات دول المنطقة، وعليك أن تحول دون انتشار هذه الأسلحة وبالتأكيد دون استخدامها.. وسائلك إلى ذلك على النحو التالي:
○ عليك إيجاد توافق دولي إقليمي على منع انتشار أسلحة الدمار الشامل، وليكن ذلك عن طريق التفاوض والتفتيش وغير ذلك من الوسائل الضرورية لبناء الثقة.
○ عليك أن تكون متأهباً للرد بقوة على أية مخالفة، ولا بد أن تكون مستعداً على سبيل المثال لاستخدام قوة عسكرية طاغية ضد العراق إذا حاول إعادة بناء ترسانته العسكرية. ومن الأفضل أن ترتب لمثل هذا الاحتمال عن طريق الأمم المتحدة ـ أو عن طريق تحالف حرب الخليج السابق، وإذا استحال ذلك فعليك أن تكون جاهزاً للعمل مع عدد قليل من الأصدقاء يدركون الخطر العراقي، ويتابعون خططه في مجالات الأسلحة الكيميائية والبيولوجية والنووية.
○ عليك ردع إيران عن امتلاك أية أسلحة متقدمة، والمهم في حالة إيران أن تكون إجراءاتك ضد القيادة الإيرانية وبدون تأثير على الشعب الإيراني "لأن إيران حليف قوى إذا سقط نظام الثورة الإسلامية".
○ عليك تشجيع فكرة إقامة نظام دفاعي صاروخي تقوم عليه الولايات المتحدة بالشراكة مع بعض الأطراف في المنطقة، ولتكن البداية بمجموعة دول مجلس التعاون الخليجي، وبعد ذلك تنضم الأردن ومصر وتركيا، وعندما تتهيأ  الظروف تنضم إسرائيل. ولذلك فمن المهم تشجيع تركيا والأردن وغيرهما من الدول الصديقة في المنطقة على استعمال الصاروخ أرو" الذي تنتجه إسرائيل بالتعاون مع الولايات المتحدة".
* التوصية السادسة:
عليك أن تبذل كل الجهود لمقاومة الإرهاب، فهذا هو الخطر الأكبر في المنطقة ذاتها ومنها إلى غيرها.. وسائلك إلى ذلك على النحو التالي:
○ عليك أن تدرس قصص النجاح التي شهدتها المنطقة في مجال مقاومة الإرهاب، وأهمها تجربة تركيا في التعامل مع حزب العمال الكردي، وتجربة مصر في التعامل مع الجماعة الإسلامية.
○ عليك أن تعمل على عزل ميدان العمليات الإرهابية وخطرها عن مجرى عملية السلام وتقلباتها، وعليك أن تجعل الأطراف ـ خصوصاً الأردن والسلطة الفلسطينية ـ يدركون أن السماح بصلة بين عمليات الإرهاب وعملية السلام سوف يكلفهم غالياً، وأول التكلفة أن يخسروا صداقة الولايات المتحدة.
○ عليك تشجيع أوسع لتعاون دولي وإقليمي ممكن لمواجهة خطر الإرهاب خصوصاً من شبكات التطرف الإسلامي. تدخل بدور نشيط في مقاومة الإرهاب بواسطة التنسيق بين أجهزة المخابرات، وشجع على تبادل المعلومات سرا لأن هناك دوائر في العالم العربي والإسلامي على استعداد للتعاون، لكنها لا تريد لأحد أن يسمع ما تقول أو يرى ما تفعل. لاحظ وجود مكامن للإرهاب في إيران وباكستان واليمن وأفغانستان. ولك أن تتذكر أن في أوروبا دولاً قادرة على مساعدتك في هذا المجال.
○ عليك تقدير وسائلك في العمل المباشر ضد الإرهاب دون أن تتردد لأي اعتبار، وعلى سبيل المثال فنحن نعرف أن بعض مدبري انفجار الخبر "في السعودية" موجودون في إيران. لا تتردد في إعلان عزمك على استخدام القوة ضد معاقل الإرهاب أينما كانت ـ وأعط لعزمك مصداقية فعلك!
* التوصية السابعة:
عليك أن تكون مستعداً للقيام "بإجراءات نهائية" ضد القوى التي تهدد المصالح الأمريكية في المنطقة، وأولها العراق وإيران.. وسائلك إلى ذلك على النحو التالي:
○ عليك تشجيع التغيير في إيران وفي العراق، وعليك ان تلاحظ أن التغيير في إيران يمكن أن يتم بوسائل سياسية، وأما التغيير في العراق فلا يمكن أن يتم بوسائل سياسية؛ ومعنى ذلك أن التغيير في إيران يمكن أن يتم من الداخل، وأما التغيير في العراق فيقتضي دعماً من الخارج لثورة بالعنف أو انقلاب من الداخل. ولتسهيل التغيير في العراق وتقليلاً لتكاليف العنف الملازم له يستحسن إشغال صدام حسين وتشتيت انتباهه على أكثر من جبهة واحدة.
○ عليك تقدير ردود فعلك العسكري مبكراً إزاء أي تطور يحدث في العراق:
- في حالة قيام تمرد ضد النظام في بغداد.
- في حالة تعرض صدام حسين للكيانات ذات الاستقلال المحلي في المناطق الكردية شمال العراق.
- في حالة رفض صدام حسين نهائياً محاولات إعادة الرقابة والتفتيش على برامج تسليح العراق.
وفي كافة هذه الحالات ليس هناك ما يمنع من أن يكون صدام حسين على علم برد فعل الولايات المتحدة وتصرفها إزاء كل حالة، ويجري ذلك بالتوازي مع إعادة بناء إمكانية مالية وعسكرية وتكنولوجية لقوى المعارضة العراقية، على أن تكون هذه القوى على علم أكيد بحجم الدعم الذي يمكن أن تقدمه لها الولايات المتحدة في كل ما تقوم به من أجل نظام ديمقراطي في عراق ما بعد صدام حسين.
○ عليك أن تشجع المعتدلين في إيران ضد المتطرفين، وأن تصل من وراء الاثنين مباشرة إلى الشعب الإيراني: شجع السياحة بين إيران والغرب ـ شجع القطاع الخاص في إيران ـ ابحث عن قنوات لحوار مع القوى الديمقراطية في إيران.
* التوصية الثامنة:
بصرف النظر عن الموجة المعادية لأمريكا ـ وهي تجتاح المنطقة الآن ـ فإن عليك أن تعزز التيارات والمواقع الموالية للسياسة الأمريكية.. وسائلك إلى ذلك على النحو التالي:
○ عليك أن تتأكد باستمرار من أنه ليس هناك "تآكل" ـ حتى بالتواكل ـ في علاقاتك في المنطقة.
○ عليك أن تشجع عملية واسعة للتعريف بالقيم الأمريكية والديمقراطية الأمريكية والممارسة السياسية في أمريكا.
○ عليك أن تعمل على ظهور قيادات جديدة صديقة لأمريكا وقادرة على إجراء إصلاحات توفر لها "لهذه القيادات" شرعية مقبولة.
○ عليك تشجيع الاتجاه نحو الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان، وفي هذا الميدان فإن عليك أن "تفكر بجرأة وتتصرف في حذر" لأن عملك في هذه المجالات يمكن أن يخلق حساسيات تعطل جهودك. ركز على مصر باعتبارها أكبر دولة عربية. ركز على السلطة الفلسطينية لأن قضية فلسطين موجودة في كل بلد عربي، وهناك احتمالات واسعة لتطورات ديمقراطية مهمة في "عصر ما بعد عرفات"!
……………….
……………….
[تلفت النظر في هذا الموقع من تقرير المجموعة الرئاسية للشرق الأوسط عبارة "عصر ما بعد عرفات".
وتلك إشارة مبكرة أو متأخرة إلى نقاش طويل دار في واشنطن أثناء الزيارة الأخيرة التي قام بها رئيس الوزراء الإسرائيلي "آرييل شارون" إلى واشنطن. وكانت هذه الزيارة في أعقاب التفجير الكبير في ملهى ليلي إسرائيلي قرب تل أبيب "قتل فيه 16 وجرح 49 إسرائيلياً"، وأبدى "شارون" عزمه على توجيه ضربة قاصمة للسلطة الفلسطينية تكسر أو تنهى وجودها في غزة.
وطرح "شارون" ـ ضمن ما طرح ـ اقتراحاً بتصفية "ياسر عرفات" أو طرده من غزة وكان رأي وكالة المخابرات المركزية الأمريكية ـ وكان مديرها "جورج تنيت" يشارك في النقاش "إن التفكير في تصفية "عرفات" ـ على الأقل في الظروف الراهنة ـ خطر مؤكد ذلك أنه إذا تمت تصفيته جسدياً فذلك يحوله إلى شهيد تحارب أعلامه حتى بعد موته، وإذا جرى طرده من غزة بالقوة فذلك سوف يحوله إلى بطل يلتف حوله الجميع حتى في المنفى. وكان تقدير "تنيت" أن "عرفات" ما زال له دور يؤديه ولا داعي "لحرق المراحل" بتصرفات متسرعة وغير مضمونة.
وكان تقدير "تنيت" بعد ذلك أنه عندما تنشأ ضرورة "عصر ما بعد عرفات" فإنه من الأفضل إزاحة الرجل دون عنف مع إبقاء السلطة الفلسطينية كجهة يمكن التعامل معها ولو في مطالب ضبط الأمن. وبالتالي فلا بد من إيجاد "بديل لعرفات" يقبل بالمهمة ويستعد لها وبحيث يبدو "عصر ما بعد عرفات" نوعاً من التغيير الطوعي الفلسطيني وليس نوعاً من التغيير القسري الإسرائيلي "طرح أحد مسئولي المخابرات المركزية ثلاثة أسماء يمكن اختيار أحدهم مرشحاً لمسئولية "عصر ما بعد عرفات" " ثم عادت المناقشة إلى سياقها باقتراح أنه عندما تجيء ساعة "عصر ما بعد عرفات" فإن هذا العصر يمكن أن يبدأ بقدر معقول من حسن السياسة وحسن الإدارة وذلك أمر له سابقة في السياسة العربية من قبل وهي سابقة يمكن تقليدها حتى مع اختلاف الظروف.
وكانت السابقة التي وقعت الإشارة إليها في هذا النقاش في واشنطن ـ أثناء زيارة "شارون" ـ هي ما جرى مع الرئيس "جعفر نميري" عندما قام في السودان انقلاب عسكري عليه أثناء غيابه عن الخرطوم ما بين أمريكا وأوربا، تاركاً مسئولية الأمن معلقة بثقته في ولاء الفريق "سوار الذهب". وعندما علم "جعفر نميري" بأمرالانقلاب سارع بطائرته عائداً إلى بلاده، ثم عرف عند وصوله إلى القاهرة أن نائبه الفريق "سوار الذهب" انضم إلى الانقلابيين، وبدا أن ذلك زاده إصراراً على مواصلة السفر إلى الخرطوم لينتقم من الجميع: الانقلابيين و"سوار الذهب" لكن جعفر نميري تلقى في مطار القاهرة من الرئيس "حسني مبارك" وعلى امتداد ساعتين في استراحة الرئيس "نصيحة ودية" تطرح عليه أفضلية البقاء في القاهرة" وتجنيب السودان وجيشه محنة انقسام مؤكد إذا أصر على مواصلة السفر إلى الخرطوم بطلب الانتقام.
وكان الرأي في مناقشات واشنطن أن هذه السابقة يمكن "تقليدها" مع "عرفات" كما سبق مع "نميري". وبالتالي فإن عصر "ما بعد عرفات" له أن يبدأ من "نصيحة ودية" بدلاً من عنف قد يكون دموياً وقد ينتج عنه دون مبرر شهيد أو بطل في حين أن "نميري" تحول بعد سنوات من المنفى في القاهرة من "مطالب بالانتقام" إلى "مطالب بالعفو"!].
…………….
…………….
وتتوالى توصيات المجموعة الرئاسية موجهة نصائحها للرئيس "جورج بوش" "الابن".
* التوصية التاسعة:
"عليك" أن تهتم بتقوية قواعد ووسائل عملك في الشرق الأوسط لمواجهة أية احتمالات تنشأ دون أن يفاجئك منها شيء.. وسائلك إلى ذلك على النحو التالي:
○ عليك أن تعرف أن إسرائيل هي الركيزة الأولى لضمان أمن الإقليم، والتحالف الأمريكي مع إسرائيل بالفعل وبالقول هو القاعدة المتينة لكل الخطط والسياسات، والحقيقة فإن قوة الشراكة بين البلدين هي أداة الفعل الرئيسية في المنطقة، ولا بد أن تكون العلاقة بين الطرفين "الأمريكي والإسرائيلي" نظيفة من أي سبب للتوتر.
○ عليك ـ للاستفادة القصوى من هذه الحقيقة الاستراتيجية ـ أن تكفل لإسرائيل "تفوقاً نوعياً" متجدداً طول الوقت على كل الأطراف العربية، وهنا فإن عليك أن تقاوم وترفض بشدة كل محاولة من جانب أي طرف عربي يطلب أو يسعى للتساوي مع إسرائيل.
○ عليك أن تساعد مصر حتى تقوم بمسئوليتها القيادية في إطار سياستك، لكن إذا ترددت مصر في القيام بهذه المسئوليات ـ بما في ذلك المبادرات الإقليمية الاقتصادية التي تشمل إسرائيل ـ ثم تذرعت في ذلك بتعثر عملية السلام، فإن عليك أن تتخذ ما تراه لازماً. وعليك أن تذكر كل من يعنيه الأمر أن مصر وإسرائيل تحصلان على أكبر قدر من المساعدات الخارجية الأمريكية.
○ عليك أن تبذل جهدك لتأييد وتسريع عملية التطبيع بين الأردن وإسرائيل، وإقناع الأردن أن ذلك أفضل ضمان له سياسياً واقتصادياً، وحذر الأردن من غواية تصورها أنها تستطيع مغازلة أو مهادنة صدام حسين ـ ذلك سوف يضر بسلامة الأردن واعتداله.
○ عليك أن تشجع تركيا على القيام بدور رئيسي في المنطقة مع إفهامها بطريقة واضحة أنها لا تستطيع أن تمارس هذا الدور، ولا أن تحقق نتائجه السياسية والاقتصادية إلا بالتعاون مع إسرائيل.

4ـ في انتظار حمامة!
بقي ملحق مختصر أضيف إلى توصيات اللجنة الرئاسية، وقد جاء نتيجة لزيارة اللحظة الأخيرة "يونية 2001" ـ وإضافة اللمسة الأخيرة للتقرير قبل وضعه على مكتب الرئيس.
وملخص الملحق يقول لبوش:
- ليست هناك على الأفق في الظروف الراهنة فرصة لحل دائم.
- ليس هناك أي سبب للقلق على أمن إسرائيل.
- ليس هناك أمل كبير يمكن تعليقه على مقترحات تتردد هذه الأيام عن وقف إطلاق نار، وعن مراقبين على مواقع مراقبة، وعن ترتيبات من نوع وقف الاستيطان لأنه ليس بين المسئولين في إسرائيل من يريد أن يسمع عن مثل هذه الترتيبات أو يكررها قولاً ـ مجرد قول ـ على لسانه.
- الممكن هو "إدارة" أزمة الصراع العربي الإسرائيلي وليس حله.
- إدارة الأزمة مهمة ثقيلة لكنها ليست خطرة طالما أمكن تحقيق المطالب الرئيسية في صلب تقرير اللجنة الرئاسية "الفصل في منطقة الشرق الأوسط بين نطاق البترول "سريع الاشتعال"، ونطاق الصراع العربي الإسرائيلي "القابل للانفجار" ـ ثم التركيز على الدول المعتدلة "الموالية للغرب" على حافة الصراع العربي الإسرائيلي "مصر والأردن" ".
- من الممكن أيضاً اتخاذ مجموعة من الإجراءات تكفل تخفيض درجة العنف ومن بينها تخفيض عدد قوات الأمن الفلسطيني من مستواها الحالي، وهو 40 ألفاً إلى أقل من النصف 18 ألفاً طبقا لما جرت مناقشته أثناء اجتماعات "واي ريفر" ـ ونزع كل سلاح غير مرخص به في مناطق السلطة الفلسطينية ـ وأخيراً ترك القوة الإسرائيلية تكسر "القاعدة الأساسية" التي يستند إليها نشاط منظمات الإرهاب الفلسطيني.
……………..
……………..
[كانت اتفاقية "أوسلو" بالفعل تحدد عدد قوات الأمن الفلسطيني بما لا يزيد على 18 ألف فرد، لكنه عندما دخلت السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة بدا أن هناك توترات بين القادمين من المنفى في تونس وبين الذين أقاموا في قطاع غزة طول الوقت تحت الاحتلال وفي مقاومته.
وفي لحظة من اللحظات ظهرت إمكانية صدام مسلح بين حركة "فتح" وبين حركة "حماس"، ووقتها قامت إسرائيل بإبلاغ السلطة أنها لن تمانع إذا هي تجاوزت حد المسموح به في أفراد الأمن.. وعلى هذا الأساس ارتفع سقف قوات الأمن الفلسطيني من 18 إلى 25 ألفاً، ثم ارتفع مرة ثانية إلى 36 ألفاً، ثم وصل في النهاية إلى 42 ألفاً.
وعندما لم تحدث الحرب الأهلية المنتظرة والمطلوبة بين الفلسطينيين وبالتحديد بالاقتتال بين "فتح" و"حماس" ـ راحت إسرائيل تطلب تخفيض قوات الأمن الفلسطيني إلى الحد المتفق عليه. وراحت تدعى أنه تحت رخصة السماح بزيادة أفراد الأمن في ظرف معين ـ فإن السلطة الفلسطينية انتهزت الفرصة وأدخلت سلاحاً أكثر من المسموح به لأفراد زاد عددهم عدة مرات على السقف المقرر.
وربما أن استهداف قوات الأمن الفلسطيني لضربات إسرائيلية مستمرة في الأسابيع الأخيرة ـ يكشف أن إسرائيل تحاول الآن ـ بقتل المحاربين الفلسطينيين ـ أن تعوض ما فاتها بالاقتتال بين "فتح" و"حماس".]
……………….
……………….
ثم تجيء ملاحظة مهمة قرب نهاية ملحق التقرير الرئاسي ـ يونية 2001 ـ تقول:
"لقد لمسنا لدى المصريين اهتماماً يعلق أملاً على انتخابات رئاسة حزب العمل المقرر لها 4 سبتمبر 2001 ـ وأملهم أن هذه الانتخابات قد تأتى برجل معتدل يرأس حزب العمل مثل: "يوسي بيلين" أو "حاييم رامون"، لأنه إذا عاد "الحمائم" إلى قيادة حزب العمل فربما أمكن البدء في المفاوضات، ورفع الحطام والركام مما عوّق وسد مسيرة السلام.
                                            **
في النهاية يظهر أن سبتمبر ـ هذا الشهر ـ وما يليه ـ سوف يكون موعداً مشهوداً ـ ذلك أن الرئيس "بوش" قبل أن يتوجه إلى ولاية تكساس ـ لإجازة شهر كامل ـ طول أغسطس ـ حضر في الأسبوع الأخير من يوليو اجتماعيا لمجلس الأمن القومي الأمريكي جرت فيه مناقشات مستفيضة لتقرير المجموعة الرئاسية عن أزمة الشرق الأوسط.
وفي هذا الاجتماع ـ وطبقاً لما أورده "جيم هوجلاند" في "الواشنطن بوست" "عدد 9 أغسطس" ـ فإن الرئيس "جورج بوش" أبدى في الاجتماع عدة ملاحظات مجملها:
ـ إنه في فترة إجازته سوف يأخذ كل ما لديه من تقارير وتوصيات عن أزمة الشرق الأوسط وسوف يبت فيها ويعود جاهزاً بقرار.
ـ إنه يرفض قبول "تلك الصلة" التي يزعم بعض موظفي الخارجية الأمريكية بوجودها بين قضايا الخليج وبين تعقيدات الصراع العربي الإسرائيلي "بوهم" "وحدة الشارع العربي" ـ ولذلك فإنه عند عودته من الإجازة في "تكساس" سوف يعطى نفسه حرية التصرف.
ـ إنه في اتصالاته بمن اتصل بهم ـ من ساسة العالم العربي ـ سأل الجميع عن تصوراتهم لحل الأزمات المستعصية في منطقتهم، وقد أثار دهشته أنهم في أزمة الخليج: طلبوا منه أن ينتظر ويترك للزمن أن يفعل فعله ـ لكنهم في أزمة الصراع العربي الإسرائيلي طلبوا منه وألحوا عليه في استعمال سلطته للضغط على إسرائيل وذلك منطق عجز عن فهمه.
ـ وهكذا ـ أخيراً ـ فإنه سوف يعود في سبتمبر ليتصرف دون انتظار رأي أو توقع تعاون من ناس لا يعرفون كيف يساعدون أنفسهم ثم يطلبون من الآخرين أن يساعدوهم وذلك في تقديره "ضعف وعجز" لا يسمح لنفسه أن يسايره!
……………..
……………..
وكذلك فإن المنطقة التي كان صيفها هذا العام حاراً ـ تمشي مرهقة الخطى نحو خريف ملتهب.
ذلك أنه مهما كانت نتائج انتخابات حزب العمل الإسرائيلي ـ في سبتمبر الحالي ـ فإن الأفق الإسرائيلي لا يظهر عليه جناح حمامة بيضاء ـ ثم إن الرئيس الأمريكي العائد من إجازة في تكساس ـ اليوم أو غداً ـ يرجع إلى مكتبه البيضاوي بجناح "صقر" أغبر! وأما في العالم العربي فلا أعرف!
على أنه من الإنصاف أن أقول إنه ربما كان أصحاب القرار في العالم العربي يعرفون ـ لأن ذلك الدم الذي يسيل على أرض فلسطين فداءً وشهادة يحتاج وراءه إلى ما هو أعز وأكرم من عرق يتصبب خجلاً نتيجة ضعف وعجز رآهما "جورج بوش" قبل إجازته وأثناء إجازته وبعد الإجازة ـ ثم قرر التصرف كما يشاء دون انتظار ودون اعتبار.
حريق أمريكي وعالمي
1ـ الكل يعرفون لكن المفاجأة تقع:
لعدة ساعات بعد صواعق النار والدمار التي انقضت على نيويورك وواشنطن صباح يوم الثلاثاء 11 سبتمبر 2001 ـ ظهر الرئيس الأمريكي مأخوذاً بالصدمة ومذهولاً حتى تمالك نفسه ـ بعد ساعات ـ ليصف ما جرى بأنه "إعلان حرب على الولايات المتحدة الأمريكية".
ولم يكن هناك عذر لـ "جورج بوش" إلا أن يقال "إنه كان رجلاً لم يتابع أو لم يستوعب "موضوعاً" عرض عليه ونوقش أمامه يخص أمن الولايات المتحدة ومصلحتها". ثم إن "الموضوع" لم يعرض ولم يناقش فقط ـ وإنما طرحت في شأنه إستراتيجيات وسياسات تحدد وسائل مواجهته والتعامل معه عندما يجيءـ وكان الراجح لدى الجميع أنه سوي يجيء لأنه "شكل التحدي القادم" وفق كل التقديرات لحسابات المستقبل عن الأمن والمصلحة.
وعندما استفاق "جورج بوش" من الصدمة والذهول ثم وصف ما جرى بأنه "إعلان حرب" وأجرى تصرفاته على هذا الأساس. فقد كان الرئيس الأمريكي قائداً خسر معركة توقعها، وأعد نفسه لها، واتخذ من الإجراءات ما هو كفيل بمواجهتها ونتيجة قصوره أو نسيانه في اللحظة الحاسمة جاءت خسائره مروعة: فقدت الولايات المتحدة الأمريكية آلافاً من مواطنيها، وأهدرت عشرات البلايين من ثروتها، وضيعت جزءاً كبيراً من كبريائها وهيبتها، وتلك بالنسبة لقوة عظمى في زمانها كارثة بغير حدود، وخصوصاً أنها القوة الأعظم الفريدة في زمانها والمتفردة بالسيطرة على نظام العالم ـ أو المصممة على هذا التفرد.
 والواقع أن الرئيس الأمريكي في تلك اللحظة الرهيبة من حياة شعبه ظل عشر ساعات كاملة "من (العاشرة صباحاً حتى الثامنة مساءً") بعيداً عن مكتبه ومركز قيادته راكباً طائرة هائمة في الأجواء، متردداً بين المطارات المدنية والعسكرية، عاجزاً عن حزم أمره. ولم تبق أحواله في هذه الساعات الحرجة سراً، لأن طائرته التي كان يستقلها من فلوريدا كان عليها مجموعة من صحفيي "القرعة" "اختيار من يرافق الرئيس من ممثلي الإعلام الذين يتعهدون بإتاحة ما لديهم لزملائهم لتظل الفرصة مفتوحة للكل سفرة بعد سفرة على طائرة الرئاسة" ـ ومع أن هؤلاء الصحفيين تعهدوا بألا يكتبوا حتى لا يتعرضوا للحرمان من فرصهم إذا حل عليهم النصيب ـ فإن رواياتهم الآن متداولة بالتفصيل داخل قاعات التحرير في فضائيات وصحف نيويورك بالذات، وبين الروايات أن الرئيس "بوش" تلقى ما سمع وانتابته حالة من عدم التصديق تعثر معها لسانه وشحب وجهه، بينما هو وسط جمع من أطفال مدرسة كان يزورها في فلوريدا.
وضاعف من اضطراب الرئيس أنه في تلك اللحظة تلقى أنباء تقول أنه شخصياً مطلوب ومهدد، وأن إحدى الطائرات "القذائف" تبحث عنه، و"تحول الرجل الذي يملك وحده مفتاح القوة النووية الأمريكية في ثانية من رئيس "للعالم" إلى أسير في عهدة حرسه الخاص". فقد صمم الحرس ألا يعود الرئيس إلى واشنطن إلا بعد أن ينجلي الموقف وتنطفئ آخر إشارة حمراء فوق العاصمة. ولأنه لم يكن ممكناً أن يتوقف الرئيس في فلوريدا ـ ويبين تردده ـ فإن الطائرة قامت من "فلوريدا" قاصدة "لويزيانا" كأنها نزهة في الأجواء رغم أن أربع طائرات مقاتلة صعدت وراءها إلى الجو لحراستها. واتصل "ديك تشيني" برئيسه المعلق بين السماء والأرض فإذا الرئيس يعتذر لنائبه بأنه يريد المجيء بأقصى سرعة إلى واشنطن لكن "هؤلاء الرجال" يمنعونه بداعي الحرص على الولايات المتحدة أولاً وليس على شخصه فحسب. ويرد "ديك تشيني": إنه إذا كان قرار الرئيس أن لا يجيء على الفور إلى واشنطن فقد يكون المناسب أن يذهب إلى قيادة القوات الجوية في "نبراسكا"، فهناك مقر قيادة احتياطي رئاسي، ووجود الرئيس فيه الآن يبدو اختيارا لأقرب مقر قيادة من مكان وجوده. وتتوجه طائرة "جورج بوش" إلى "نبراسكا" ويتصل به كثيرون من أركان حكمه وقادة حزبه يزعجهم تأخيره وهو يتعلل بالخطر والحرس، حتى كلمته والدته السيدة "بربارا بوش" تقول له ما معناه أن "كل امرأة في أمريكا: زوجة وأما وأختاً وبنتا يطمئنها أن تجد الرجل المسئول عن كل الرجال والنساء على الوطن في مكتبه يؤدي واجبه.
وهي كأم لرئيس وزوجة لأب سبق الابن في الرئاسة تفضل أن تراه تحت الخطر في هذه اللحظة بأكثر مما تريد أن تراه بعيداً عن قيادته!"
واستطاع حزم "الأم" أن يهزم حرس الرئيس.
                                               **
وهكذا عاد "جورج بوش" من غيبته الجودية! إلى مقر قيادته في البيت الأبيض. وخلال الأربع والعشرين ساعة التالية نزلت دموعه أمام كل الناس وعلى شاشات التليفزيون خمس مرات قيل بعدها أن البكاء طهر وثبّت قلبه.
والمثير الدهشة أن أقرب رجال الرئيس كانوا في مواقعهم وداخل مكاتبهم أثناء غيبته ولكنهم تحرجوا من الظهور علنا ـ بدموع أو بغير دموع ـ لكي يرى الشعب الأمريكي أن هناك من يدير الأزمة على القمة. والذي حدث أن نائب الرئيس "ديك تشيني" دخل مكتبه ليجد مسئول الأمن بالبيت الأبيض يطلب إليه أن ينزل إلى خندق الطوارئ المبنى تحت مقر الرئاسة الأمريكية والمجهزة لمقاومة ضربة نووية. وتردد "تشيني" لكن قائد حرس البيت الأبيض هدد بحمله حملاً إلى حيث أمانه. وروى "تشيني" نفسه أن ضباط الحرس "حملوه بحيث لم تعد قدماه تلامسان الأرض، وقد قبل مسايرتهم حتى وقف على قدميه" ثم رضخ لها طلبوه منه فهو في الحالتين داخل البيت الأبيض، فوق السطح أو تحت السطح ـ في مكانه. وقد لحقته على الخندق السيدة "كونداليزا رايس" مستشار الرئيس للأمن القومي. واتصل به هناك زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ يسأله: "لماذا لا يظهر ليطمئن الناس"، وكان رد "تشيني" إنه "يقصد تقليل الظهور عمداً حتى لا يسبب إحراجاً للرئيس الغائب" ثم يضيف نائب الرئيس: "إنه لا يريد أن يكرر "الغلاظة" التي تصرف بها "الكسندر هيج" وزير الخارجية عندما وقع اعتداء على حياة رئيسه "رونالد ريجان" ونقل إلى المستشفى بعد إصابته بثلاث طلقات نارية، ودخل غرفة العمليات وخضع للتخدير. وعندما بدأ الكلام في قاعة المؤتمرات الصحفية بالبيت الأبيض عن فراغ في السلطة، إذا "ألكسندر هيج" يهرول مسرعاً، ينتفض انفعالاً ويتصبب عرقاً ليصيح أنه "المسئول عن كل شيء هنا الآن". وكانت تلك نهاية "ألكسندر هيج" بعد أن خرج رئيسه من غرفة العمليات وزال عنه تأثير التخدير! "وراحت السيدة "نانسي ريجان" تقول لزوارها أن مساعدي الرئيس "ريجان" حاولوا أن يرثوه وهو ما زال على قيد الحياة!"
ويظهر أن نفس الحرج الذي أصاب "تشيني" وصل إلى "كولين باول" وزير الخارجية كما وصل إلى "دونالد رامسفيلد" وزير الدفاع. وهكذا بدت القمة الأمريكية طوال عشر ساعات "فراغاً" من ملامح وصوت سلطة سياسية ومعنوية توحي بالثقة وتقود بعيداً عن الضياع أو الانفلات.
وعلى أي حال فإنه في ذلك المناخ الذي شاع فيه الاضطراب وانعزل فيه الرئيس وأقطاب إدارته ـ على الأقل بالمكان ـ توالت القرارات بعصبية زادت من تأثير الصدمة أكثر مما ساعدت على استيعابها. فقد صدر على سبيل المثال أمر بإغلاق المجال الجوي الأمريكي كله، وظل الإغلاق كاملاً خمسة أيام كان الدواء فيها أكثر خطراً من الداء "كما حدث لشركات الطيران الأمريكية التي تقدر خسائرها يوم الصدمة الأولى بستة بلايين دولار".
                                             **
والأغرب من ذلك أن الرئيس الامريكي وأركان حكمه لم يكونوا وحدهم فيما تصرفوا به وإنما كانت المصيبة أكبر لدى المسئولين عن وضع القرار الإستراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية وفيهم من كانوا في المسئولية قبل الرئيس، ومعه، وبعده. لأنهم أقطاب المؤسسات الدائمة المسئولة: وفيها مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض، ووزارتا الدفاع والخارجية، وهيئة أركان الحرب المشتركة، ووكالات المخابرات العسكرية والعامة، إلى جانب إدارات التخطيط الإستراتيجي للدولة القائدة للنظام الدولي في هذه اللحظة من التاريخ.
كانت مسئولية هؤلاء جميعاً أفدح من التقصير أو النسيان لأنهم - وليس غيرهم - الذين فكروا وقدورا وخططوا ورسموا شكل "التحدي القادم" على أمن ومصلحة الدولة الأمريكية - ووصلوا في تحديد ذلك الخطر إلى درجة اختيار اسم يطلقونه عليه وهو "الحرب غير المتوازية" Asymmetrical War.
والحقيقة أن هؤلاء المسئولين عن صنع القرار الإستراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية، ومنذ سنة 1995 على الأقل، كلفوا بدراسة التهديد والخطر اللذين تواجههما الولايات المتحدة الأمريكية في المستقبل المنظور وكيف تستطيع أن تتأهب لهما. ولعدة سنوات كان عمل هؤلاء المسئولين دءوباً حتى توصلوا في نهاية إدارة كلينتون "2000" وبداية إدارة بوش "2001" ـ إلى وضع إستراتيجية رأوها كافية، وقد عرضوا ما توصلوا إليه على وزير الدفاع الأمريكي السابق "ويليام كوهين" فوافق عليه كإستراتيجية أمن أصدرها الرئيس "بيل كلينتون" فيما يسمى بـ "التوجيه الرئاسي".
وهذا "التوجيه الرئاسي" انتقل من إدارة "كلينتون" إلى إدارة "بوش" وأعيدت دراسته وتأكد أعتماده من جديد بتوقيع "جورج بوش" عليه.
ولم تكن تلك أسرار دولة ينفرد بها الخاصة وتحجب عن غيرهم، وإنما كان الموضوع كله في إطار "العلم العام" بمثل هذه الشئون، وقد سمعت عن هذا التوجيه الرئاسي كما سمع غيري، إلا أنني أطلعت على عديد من التقارير التي مهدت وجهزت له وفيها ما هو صادر عن "هيئة التقديرات في البنتاجون" وهي مجموعة تخطيط إستراتيجي أشرف عليها الجنرال "روبرت إيفاني" قائد كلية الحرب التابعة لوزارة الدفاع، وفيها ما هو صادر عن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية ـ وفيها ما هو أهم لأنه "تقدير موقف" يحمل توقيع الجنرال "هنري شيلتون" رئيس هيئة أركان الحرب المشتركة للقوات الأمريكية.
وكانت المقدمات والتداعيات والنتائج ـ في كل هذه الوثائق ـ ترسم لوحة كاملة:
□ أولا: إن الولايات المتحدة لا تواجه الآن تهديداً، لأنه ليست هناك في الأوضاع الحالية ـ ولا على الأفق ـ قوة تستطيع أن تشن عليها حرباً تقليدية "بالأسلحة المتقدمة" أو حرباً غير تقليدية بأسلحة الدمار الشامل".
فالدول التي كان يخشى تهديدها ـ مثل الاتحاد السوفيتي السابق ـ لم تعد قادرة على شن مثل هذه الحرب ضد الولايات المتحدة وبعد سقوط الاتحاد السوفيتي كان أكثر التخوف من "ترسانة نووية" ـ يوشك عمرها الافتراضي على الانتهاء، وقد يفكر "مجنون" يصل إلى قمة السلطة داخل الكرملين في استعمال هذه الترسانة ضمن محاولة ابتزاز يائسة وتكون كارثة مؤكدة ـ لكن ذلك الاحتمال زال، لأن الولايات المتحدة دعيت لتؤدى دوراً مهماً في صيانة الترسانة النووية السوفيتية، وسواء في الاتحاد الروسي نفسه، أو ملحقاته مثل أوكرانيا وبيلاروسيا.
وكان أول التقارير ـ التي مهدت للتوجيه الرئاسي الذي وقعه "كلينتون" ثم أعاد "بوش" التوقيع عليه تأكيداً ـ يعيد التذكير بأنه "بعد انتهاء الحرب الباردة بسقوط الاتحاد السوفيتي فإن المسرح العالمي شهد بعضاً من الدول الصغيرة "المارقة" "في قاموس السياسة الأمريكية" ـ جربت أن تملأ فراغات أو فجوات نشأت أو ظهرت مع نهاية الحرب الباردة لكن ساعة الذروة من هذه المرحلة فاتت"، وهنا يقول تقدير الموقف الذي أشرف عليه الجنرال "روبرت إيفاني" بالنص:
"إننا نستطيع أن نفترض أن أعداءنا أو خصومنا في المستقبل تلقوا وفهموا للدرس من حرب الخليج. لذلك فليس من المتوقع أن يحاول طرف منهم مواجهتنا في حرب تقليدية تعتمد على تشكيلات الدبابات والقوات الجوية والبحرية، ذلك أن النظر إلى هذه الميادين كلها يظهر تفوقاً ساحقاً في موازين القوة لصالح الولايات المتحدة. ويترتب على ذلك أن من يريد مواجهتنا من الأعداء أو الخصوم عليه أن يكتشف وسائل جديدة تمكنه من تهديد مصالحنا أو قواتنا أو مواطنينا. وعليه أن يتأكد أن هذه الوسائل تستطيع أن تحقق له ميزات ينفذ بواسطتها إلى مواقع    ضعف تكون عندنا".
ويستطرد "تقدير الموقف" تحت عهدة الجنرال "روبرت إيفاني" فيقول: هكذا فإننا لا نرى أن الأمن القومي يواجه تهديداً كبيراً ـ وإنما نرى أن الولايات المتحدة تواجه خطراً أو مخاطر ظاهرة الآن بالفعل ـ ولها مضاعفات يمكن توقعها".
والحاصل أن هذه الأخطار يتعرض لها تقدير موقف رسمي أمريكي آخر وهو هذه المرة صادر عن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، وقد ظهر أمره إلى العلن سنة 2000، وهو يعتبر وثيقة لها أهمية خاصة لأنه نتيجة جهد "مجموعة عمل" تابعة لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية كلفت منذ سنة 1995 ـ أيضاً ـ بأن تبحث في الظروف التي قد تفرض على الولايات المتحدة أن تتدخل في ظرف تخشى منه على مصالحها "خطر تسميه الوثيقة "تأكيد الاطمئنان إلى الأمن"".
وتقوم الوثيقة باستعراض يشبه عملية تشريح فتذكر أن عجز نظم صديقة للولايات المتحدة عن تحقيق درجة مقبولة من التحسن في المستويات الاقتصادية والاجتماعية لمواطنيها هو أكبر خطر يقلق الولايات المتحدة، لأنه يعرّض أنظمة موالية للوقوع في مصيدة "الفشل" وبعدها "هاوية السقوط".
ثم تتجه الوثيقة إلى عرض العوامل المؤدية إلى هذا النوع من المخاطر وتشرحها بالترتيب في تسلسل مترابط: ضعف الموارد ـ زيادة الفساد ـ سوء الإدارة ـ أزمة السيولة ـ البطالة ـ زيادة الدين الخارجي. ولا تكتفي وثيقة وكالة المخابرات المركزية هنا بالرصد وإنما تدخل في التفصيل فتضيف أن زيادة الدين الخارجي تستوجب تدخل عناصر أجنبية تبغي تأمين حقوقها وذلك على عكس الدين الداخلي، لأنه مهما تراكم يمكن معالجته بزيادة المطبوع من أوراق النقد حتى إذا أدى ذلك إلى زيادة التضخم.
وموضع الخطر الذي تتحسب له وكالة المخابرات المركزية أن "إفلاس دولة" سوف يجر معه إلى الهاوية جوارها ومحيطها وبالتالي يهدد مناطق بأكملها، وذلك يواجه إدارة السياسة الأمريكية بخيارات شديدة الصعوبة في الحفاظ على مواقعها ومصالحها.
والمأزق الذي تواجهه السياسة الأمريكية ـ طبقاً للوثيقة ـ أنها لا تستطيع أن تساعد هذا النوع من الدول. والسبب أنه: "على فرض استعدادنا لأن نقدم لهذه الدول زيادة في المساعدات تصل سنوياً إلى 20 بليون دولار فإن نصيب الفرد من أثر هذه المساعدات إلى البلدان المعنية لن يزيد على عشرة دولارات في السنة، وذلك لا يحدث تأثيراً له قيمة".
والنتيجة في وثيقة وكالة المخابرات المركزية "أن علينا أن نتعامل مع هذه الأوضاع كما هي، وندير علاقاتنا معها "بوسائل" مرنة، ونقبل "مخاطر" محسوبة، ونقوم بـ "تدخلات" في حدود يمكن السيطرة على آثارها!"
[تكشف ملاحق الوثيقة ـ وفيها تفاصيل المداولات التي أوصلت إلى نتائجها "أن الدول الضعيفة المعرضة للسقوط لها فوائد اقتصادية بالنسبة للولايات المتحدة فهي مستورد رئيسي من السوق الأمريكية كان يشتري سنة 1990 ما قيمته 35 % من صادرات أمريكا ثم وصل سنة 1999 إلى استيراد ما قيمته 41 % من هذه الصادرات"].
□ ثانياً: يقول تقدير الموقف الإستراتيجي للبنتاجون ـ وهذه عودة إليه من وثيقة وكالة المخابرات المركزية الأمريكية ـ "إن الخطر الأعلى صوتاً في الإعلان عن نفسه وفي التخويف من سطوته هذه المرحلة هو الإرهاب. والإرهاب ظاهرة موجودة في كل عصور التاريخ، لكنه الآن ـ وفي المستقبل أكثر ـ أخذ وسوف يأخذ طابعاً مختلفاً لثلاثة أسباب:
1- إن الإرهاب الآن لم يعد شخصاً وحيداً أو معه عصبة من الأشخاص التقى سرهم في الخفاء على اغتيال رجل أو امرأة انتقاماً من الشر أو اتقاء له كما يقول تاريخ الاغتيالات السياسية، وكما لم يعد الإرهاب اتحاد جماعات لها اتجاه إلى يمين أو إلى يسار "كعصابات الكوكلاكس كلان الأمريكية أو الألوية الحمراء الإيطالية"…
وإنما أصبح الإرهاب الآن، وبطبائع العصر الحديث، كتلاً متمددة عبر الأوطان والقارات تجمع عناصر من أصحاب القضايا العادلة التي نزلت عليها أثقال العصر فكادت تطحنها، ومن الناقمين على الفقر في كل مكان، ومن المحبطين في آمالهم لكافة الدواعي، ومن الساخطين على فجوة اجتماعية تتسع كل يوم، ومن التائهين في الماضي بغير عقل والشاردين في المستقبل بغير روح ـ لأن هؤلاء على اختلاف ما بينهم كونوا حلفاً تربطه شحنات رفض متضاربة تعرف ما لا تريد لكنها لا تعرف ما تريد! وهكذا فإنه منذ وقت مبكر في الستينات والسبعينات التقت وتعاونت عناصر من الإرهابيين اليابانيين "في الجيش الأحمر" والألمان "في بادر ماينهوف" والعرب "في أيلول الأسود" والمسلمين "في تنظيم "القاعدة" الذي يقوده أسامة بن لادن" وأخلاط من كل الأجناس في حزمة واحدة "جماعات كارلوس".
ثم تعاون الكل ـ واعين أو غير واعين ـ راضين أو متحفظين ـ وامتد تعاونهم وانتشر على جبهات واسعة.
وكانت الظروف المستجدة في العالم تعطيهم "وحدة سبب" لأنهم كانوا جميعاً قوى رفض لأمر واقع فرضه الأقوياء.
وكذلك اتحد رد الفعل السلبي "المظلوم" ـ إزاء الفعل الإيجابي "الظالم" كأنها العلاقة بين سؤال وجواب!
2ـ زاد على ذلك ثورة التكنولوجيا الحديثة قامت بفتوح دخلت إلى ذلك كافة الساحات بما فيها ساحة الإرهاب. وحدث بالفعل أن التكنولوجيا الحديثة في مجال الاتصال والمراقبة والتنصت والتسليح والإخفاء أعطت للإرهاب طول يد لم يتمكن منها في يوم من الأيام.
………………..
………………..
[وقد وصلت ضرورات "الحماية" المطلوبة إزاء اليد التي طالت للإرهاب إلى درجة أن إجراءات الأمن الروتينية لرؤساء الدول الآن لم تعد تقتصر على حماية ومواكب المسئولين وخطوط سيرهم والاعتقال أو الحجز الاحترازي المؤقت لأي مشكوك فيه أو مشبوه، وإنما وصلت الإجراءات بسبب تطور الوسائل إلى حد إغلاق المجال الجوي لمدينة تتواجد فيها شخصية مهمة حتى إذا كانت عاصمة كبيرة. والحاصل أن إغلاق المجال الجوي في منطقة تحيط بموقع مرور أو طريق زيارة يقوم بها مسئول، أصبح واحداً من إجراءات الأمن اليومية في عدد من بلدان العالم الثالث بالذات].
……………….
……………….
وفي اللحظة التي وصل حجم الكمبيوتر إلى حجم علبة كبريت، وظهر معه واتحد به التليفون المحمول ـ فإن الإرهاب وضع نفسه بالفعل في الصف المتقدم من العصر!
3ـ ثم نزلت على الجميع ظاهرة العولمة وتحولت أسواق العالم إلى شبكات "عنكبوتية" متداخلة ولا متناهية ـ وكذلك شبكات البريد الإليكتروني ـ وفي محيط المعلومات المتدفق على شبكات الإنترنت، ومع التحام الفضائيات في مجالات الإعلام والفنون والترفيه ـ ثم كان الأخطر أنه بتوافق لحظة عالمية لها خصائصها ـ وكتل إنسانية لها طبائعها فإن عالم الإرهاب أصبحت له ـ هو الآخر ـ شبكته التي تصل بين الكتل المتمردة عبر الأوطان والقارات والتي تجمع المطحونين والناقمين والساخطين والتائهين ـ ومعهم ـ بل زيادة عليهم ـ تنظيمات من الخارجين على القانون أو الراغبين في التحايل عليه لأسباب مالية ـ ليست سياسية ولا اجتماعية ولا فكرية ـ ومن ذلك شبكات تهريب السلاح والمخدرات وشبكات سرقة الأموال من حسابات البنوك وبطاقات الائتمان وغسيل الأموال بالنصب على هذه البنوك وتحويل فوائض "نشاط" ! مثل تجارة البغاء ـ إلى عملة شرعية حرة يحميها القانون، بالإضافة إلى نوع آخر من العمل "العمل يحتاجه جميع الفرقاء وهو تزوير الوثائق من جوازات السفر إلى بطاقات تحقيق الشخصية إلى شهادات الميلاد!
4ـ وفي ذلك المحيط وجواره نشأت شركات وهيئات تتولى "توريد الإرهاب" على نطاق دولي، وتعرض في السوق جيوشاً من الجنود المرتزقة. وهذه الشركات تبيع بضائعها وخدماتها طبقاً لعقود لا دخل فيها لفكرة الانتماء أو الولاء وتقدم خدمات الغزو والقتل لمن يطلبها بالسعر المتفق عليه. ثم إن ممثليها في توقيع هذه العقود لا يوجهون لأحد سؤالاً ولا ينتظرون جواباً يتخطى مبلغ العقد ومواعيد التسديد ومتى؟ وأين؟ وهذه الشركات تعتبر نشاطها "تخصصاً مهنياً" له دوره ولديه إمكانيات هذا الدور في البر والجو والبحر. "وقد انكشف دور هذه الشركات في تقارير للأمم المتحدة وفي تحقيق لوزارة الخارجية البريطانية حول انقلاب سيراليون ـ قبل أربع سنوات. وقد ظهر في التقارير والتحقيقات أن إحدى شركات صناعة الإرهاب ـ مسجلة في بريطانيا تحت اسم "شركة الخدمات الأمنية الخاصة" ومؤسسها ضابط سابق في القوات الخاصة البريطانية ـ لديها قوات عسكرية يصل عددها إلى سبعة عشر ألف مقاتل، وكما تملك سلاح طيران "3 أسراب من الطائرات"، وسلاح مدرعات "قرابة كتيبة دبابات"."
..……………..
………………
وهكذا تضافرت الكيانات المنظمة في عوالم الإرهاب مع انتشار التكنولوجيا ـ مع عولمة الفعل بين الخارجين عن القانون من السياسة إلى الجريمة ـ على خلق عدو جديد في ممارسة الحرب: هجوماً أو دفاعاً.
                                              **
وفي خلاصة موجزة لتقدير الموقف الذي وقعه "ويليام كوهين" وزير الدفاع الأمريكي في الإدارة السابقة وأقره رئيسها "بيل كلينتون" على هيئة توجيه رئاسي، ثم راجعه "دونالد رامسفيلد" وزير الدفاع الحالي وأقره "جورج بوش" على هيئة توجيه رئاسي ملزم، فإن المخاطر المحتملة على الولايات المتحدة وأمنها ومصالحها لها مصادر محددة ومعروفة:
□ "دول مارقة" وعت درس حرب الخليج وأصبح جهدها موجها إلى العثور على نقاط ضعف "أمريكية" تستطيع أن تنفذ منها وتستغل وتضرب.
□ "دول صديقة" وهنت قواها حتى أوشكت على الإفلاس مما يعرضها للسقوط. ومع أن الولايات المتحدة لا تسمح بهذا السقوط فهي في الوقت نفسه لا ترى وسيلة للمساعدة على منعه!
□ "إرهاب" وصل إلى مرحلة العولمة في نفس الوقت وصول مجتمعات الدول إلى مرحلة العولمة!
وكذلك ـ يصل تقدير الموقف ـ "ظهر هذا النوع الجديد من الحرب ـ "الحرب غير المتوازية" Asymmetrical War.




مواضيع ذات صلة

امريكا
4/ 5
Oleh

إشترك بنشرة المواضيع

.اشترك وكن أول من يعرف بمستجدات المواضيع المطروحة

شكرا