ومن الشواهد الرائعة في هذا أيضا: قصة
الغلام الصغير عمر بن أبي سلمة: فعنه رضي الله عنه قال:كُنْتُ غُلامًا فِي حَجْرِ
رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي
الصَّحْفَةِ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:[ يَا
غُلامُ سَمِّ اللَّهَ وَكُلْ بِيَمِينِكَ وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ] فَمَا زَالَتْ
تِلْكَ طِعْمَتِي بَعْدُ . رواه البخاري ومسلم وأبوداود وابن ماجه ومالك وأحمد.
نلحظ في هذه القصة: أن توجيهات النبي صلى اله عليه وسلم لذلك الغلام الذي أخطأ في
تجوال يده في الطعام كانت قصيرة ومختصرة، وواضحة يسهل حفظها وفهمها، ولقد أثّرت في
نفس الغلام طيلة عمره، فقال:( فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طِعْمَتِي بَعْد ُ).
15- الحذر
عند الإنكار على النساء الأجنبيات:حتى لا يُفهم الإنكار فهما خاطئا، وحتى تؤمن
الفتنة، فلا يُتساهل في كلام الشاب مع الفتاة الشابة بحجة بيان الخطأ أو الإنكار
والتعليم، وكم جرّ هذا من مصائب، وينبغي أن يتاح في هذا المجال دور كبير لأهل
الحسبة، ومن يقوم معهم بالإنكار من كبار السن . وعلى الآمر الناهي أن يعمل بما غلب
على ظنه في جدوى الإنكار فإن غلب على ظنه النفع تكلم وإلا أحجم عن الكلام مع
سفيهات ربما رمينه ببهتان وهنّ مصرّات على الباطل . ويبقى حال المجتمع ومكانة
الآمر الناهي لها دور أساسي في نجاح عملية الإنكار أو التبليغ وإقامة الحجة وفيما
يلي قصّة: عن مولى أَبِي رُهْمٍ وَاسْمُهُ عُبَيْدٌ أَنَّ: أَبَا هُرَيْرَةَ
لَقِيَ امْرَأَةً مُتَطَيِّبَةً تُرِيدُ الْمَسْجِدَ فَقَالَ يَا أَمَةَ
الْجَبَّارِ أَيْنَ تُرِيدِينَ قَالَتِ الْمَسْجِدَ قَالَ وَلَهُ تَطَيَّبْتِ
قَالَتْ نَعَمْ قَالَ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ يَقُول:ُ[ أَيُّمَا امْرَأَةٍ تَطَيَّبَتْ ثُمَّ خَرَجَتْ إِلَى
الْمَسْجِدِ لَمْ تُقْبَلْ لَهَا صَلاةٌ حَتَّى تَغْتَسِلَ] رواه ابن ماجه
وأبوداود، وهو في صحيح ابن ماجه .
16- عدم
الانشغال بتصحيح آثار الخطأ وترك معالجة أصل الخطأ وسببه .
17- عدم
تضخيم الخطأ والمبالغة في تصويره
18- ترك
التكلف والاعتساف في إثبات الخطأ وتجنّب الإصرار على انتزاع الاعتراف من المخطئ
بخطئه .
19- إعطاء
الوقت الكافي لتصحيح الخطأ خصوصا لمن درج عليه واعتاده زمانا طويلا من عمره هذا مع
المتابعة والاستمرار في التنبيه والتصحيح .
20- تجنب
إشعار المخطئ بأنه خصم ومراعاة أن كسب الأشخاص أهم من كسب المواقف
وبعد هذه المقدمة آن الأوان للشروع في
عرض بعض ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يسلكه من الوسائل والأساليب في التعامل
مع أخطاء الناس كما جاء ذلك في السنّة الصحيحة التي نقلها أهل العلم .
الأساليب النبوية في التعامل مع أخطاء
الناس
(1) المسارعة
إلى تصحيح الخطأ وعدم إهماله:
ومسارعته صلى الله عليه وسلم إلى تصحيح
أخطاء الناس واضحة في مناسبات كثيرة: كقصة المسيء صلاته، وقصة المخزومية، وابن
اللتبية، وقصة أسامة، والثلاثة الذين أرادوا التشديد والتبتل، وغيرها، وستأتي هذه
القصص في ثنايا هذا البحث إن شاء الله . وعدم المبادرة إلى تصحيح الأخطاء قد يفوّت
المصلحة، ويضيّع الفائدة، وربما تذهب الفرصة، وتضيع المناسبة، ويبرد الحدث، ويضعف
التأثير .
(2) معالجة
الخطأ ببيان الحكم: فعن جَرْهَدٍ رضي الله عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِهِ وَهُوَ كَاشِفٌ عَنْ فَخِذِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:[غَطِّ فَخِذَكَ فَإِنَّهَا مِنَ
الْعَوْرَةِ]رواه الترمذي .
(3) ردّ
المخطئين إلى الشرع وتذكيرهم بالمبدأ الذي خالفوه: في غمرة الخطأ وملابسات الحادث
يغيب المبدأ الشرعي عن الأذهان، ويضيع في المعمعة فيكون في إعادة إعلان المبدأ
والجهر بالقاعدة الشرعية ردّ لمن أخطأ، وإيقاظ من الغفلة التي حصلت، وإذا تأملنا
الحادثة الخطيرة التي وقعت بين المهاجرين والأنصار بسبب نار الفتنة التي أوقدها
المنافقون؛ لوجدنا مثالا نبويا على ذلك، فعن جَابِر رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قال:
غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ ثَابَ مَعَهُ
نَاسٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ حَتَّى كَثُرُوا وَكَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلٌ
لَعَّابٌ فَكَسَعَ أَنْصَارِيًّا فَغَضِبَ الأَنْصَارِيُّ غَضَبًا شَدِيدًا حَتَّى
تَدَاعَوْا وَقَالَ الأَنْصَارِيُّ يَا لَلأَنْصَارِ وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ يَا
لَلْمُهَاجِرِينَ فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فَقَالَ:[مَا بَالُ دَعْوَى أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ] ثُمَّ قَالَ:[مَا شَأْنُهُمْ]
فَأُخْبِرَ بِكَسْعَةِ الْمُهَاجِرِيِّ الأَنْصَارِيَّ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:[دَعُوهَا فَإِنَّهَا خَبِيثَةٌ] رواه البخاري .وفي
رواية مسلم:[وَلْيَنْصُرِ الرَّجُلُ أَخَاهُ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا إِنْ كَانَ
ظَالِمًا فَلْيَنْهَهُ فَإِنَّهُ لَهُ نَصْرٌ وَإِنْ كَانَ مَظْلُومًا فَلْيَنْصُرْهُ]
(4) تصحيح
التصور الذي حصل الخطأ نتيجةً لاختلاله:فعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
قال:جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا فَقَالُوا
وَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ غُفِرَ
لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ قَالَ أَحَدُهُمْ أَمَّا أَنَا
فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا وَقَالَ آخَرُ أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا
أُفْطِرُ وَقَالَ آخَرُ أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا
فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ
فَقَالَ:[أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ
لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ
وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي] رواه
البخاري ومسلم والنسائي وأحمد . ونلاحظ هنا ما يلي: أن الأخطاء عموما تنشأ من خلل
في التصورات، فإذا صلح التصور قلّت الأخطاء كثيرا، وواضح من الحديث: أن السبب الذي
دفع أولئك الصحابة إلى تلك الصور من التبتّل والرهبانية والتشديد هو ظنّهم أن لابد
من الزيادة على عبادة النبي صلى الله عليه وسلم رجاء النجاة حيث أنه أُخبر من ربه
بالمغفرة بخلافهم، فصحح لهم النبي صلى الله عليه وسلم تصورهم المجانب للصواب،
وأخبرهم بأنه مع كونه مغفورا له فإنه أخشى الناس وأتقاهم لله، وأمرهم بأن يلزموا
سنته، وطريقته في العبادة .
ومن الخلل في التصورات ما يكون متعلقا
بموازين تقويم الأشخاص والنظرة إليهم: وقد كان النبي صلى الله عليه وسلّم حريصا
على تصحيح ذلك وبيانه:فعن سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّهُ قَالَ: مَرَّ
رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لرَجُلٍ
عِنْدَهُ جَالِسٍ:[مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا]فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ
هَذَا وَاللَّهِ حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ
فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ
آخَرُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:[ مَا
رَأْيُكَ فِي هَذَا ]فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ
الْمُسْلِمِينَ هَذَا حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لا يُنْكَحَ وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لا
يُشَفَّعَ وَإِنْ قَالَ أَنْ لا يُسْمَعَ لِقَوْلِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:[هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الأَرْضِ مِثْلَ
هَذَا ] رواه البخاري وابن ماجه .
(5) معالجة
الخطأ بالموعظة وتكرار التخويف: عن جنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ: أن
رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ بَعْثًا مِنَ
الْمُسْلِمِينَ إِلَى قَوْمٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَإِنَّهُمُ الْتَقَوْا فَكَانَ
رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِذَا شَاءَ أَنْ يَقْصِدَ إِلَى رَجُلٍ مِنَ
الْمُسْلِمِينَ قَصَدَ لَهُ فَقَتَلَهُ وَإِنَّ رَجُلا مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَصَدَ
غَفْلَتَهُ قَالَ وَكُنَّا نُحَدَّثُ أَنَّهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ فَلَمَّا
رَفَعَ عَلَيْهِ السَّيْفَ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ فَقَتَلَهُ فَجَاءَ
الْبَشِيرُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ
فَأَخْبَرَهُ حَتَّى أَخْبَرَهُ خَبَرَ الرَّجُلِ كَيْفَ صَنَعَ فَدَعَاهُ
فَسَأَلَهُ فَقَالَ:[لِمَ قَتَلْتَهُ] قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْجَعَ فِي
الْمُسْلِمِينَ وَقَتَلَ فُلانًا وَفُلانًا وَسَمَّى لَهُ نَفَرًا وَإِنِّي
حَمَلْتُ عَلَيْهِ فَلَمَّا رَأَى السَّيْفَ قَالَ لا إِلَهَ إِلّا اللَّهُ قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:[أَقَتَلْتَهُ] قَالَ نَعَمْ
قَالَ:[ فَكَيْفَ تَصْنَعُ بِلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ] قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتَغْفِرْ لِي قَالَ:[وَكَيْفَ
تَصْنَعُ بِلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ] قَالَ
فَجَعَلَ لا يَزِيدُهُ عَلَى أَنْ يَقُولَ:[كَيْفَ تَصْنَعُ بِلا إِلَهَ إِلا
اللَّهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ]رواه مسلم . ومما يدخل في مواجهة الخطأ
بالموعظة: التذكير بقدرة الله، وهذا مثال: عن أَبُي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ
قال:كُنْتُ أَضْرِبُ غُلامًا لِي بِالسَّوْطِ فَسَمِعْتُ صَوْتًا مِنْ خَلْفِي:[
اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ] فَلَمْ أَفْهَمِ الصَّوْتَ مِنَ الْغَضَبِ، فَلَمَّا
دَنَا مِنِّي إِذَا هُوَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فَإِذَا هُوَ يَقُولُ:[ اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ ] فَأَلْقَيْتُ
السَّوْطَ مِنْ يَدِي- وفي رواية: فَسَقَطَ مِنْ يَدِي السَّوْطُ مِنْ هَيْبَتِهِ-
فَقَالَ:[ اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ أَنَّ اللَّهَ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَى
هَذَا الْغُلامِ] فَقُلْتُ لا أَضْرِبُ مَمْلُوكًا بَعْدَهُ أَبَدًا- وفي
رواية:فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ فَقَالَ:[ أَمَا
لَوْ لَمْ تَفْعَلْ لَلَفَحَتْكَ النَّارُ أَوْ لَمَسَّتْكَ النَّارُ ] رواه مسلم
والترمذي وأبوداود وأحمد .
(6) إظهار
الرحمة بالمخطئ: وهذا يكون في حال من يستحقّ، ممن عَظُم ندمه، واشتد أسفه، وظهرت
توبته مثلما يقع أحيانا من بعض المستفتين كما في مثل هذه القصة: عَنِ ابْنِ
عَبَّاسٍ: أَنَّ رَجُلا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ
ظَاهَرَ مِنِ امْرَأَتِهِ فَوَقَعَ عَلَيْهَا فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي
قَدْ ظَاهَرْتُ مِنْ زَوْجَتِي فَوَقَعْتُ عَلَيْهَا قَبْلَ أَنْ أُكَفِّرَ
فَقَالَ:[وَمَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ] قَالَ رَأَيْتُ
خَلْخَالَهَا فِي ضَوْءِ الْقَمَرِ قَالَ:[فَلا تَقْرَبْهَا حَتَّى تَفْعَلَ مَا
أَمَرَكَ اللَّهُ بِهِ]رواه الترمذي وابن ماجه .
وعن أبي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ
عَنْهُ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ جَاءهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكْتُ
قَالَ:[مَا لَكَ] قَالَ وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:[هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً
تُعْتِقُهَا]قَالَ لا قَالَ:[فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ
مُتَتَابِعَيْنِ] قَالَ لَا فَقَالَ:[ فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ
مِسْكِينًا]قَالَ لا ، فَمَكَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ بِعَرَقٍ فِيهَا تَمْرٌ وَالْعَرَقُ الْمِكْتَلُ قَالَ:[ أَيْنَ
السَّائِلُ] فَقَالَ أَنَا قَالَ:[خُذْهَا فَتَصَدَّقْ بِهِ] فَقَالَ الرَّجُلُ
أَعَلَى أَفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَوَ اللَّهِ مَا بَيْنَ لابَتَيْهَا
يُرِيدُ الْحَرَّتَيْنِ أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي فَضَحِكَ
النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ ثُمَّ
قَالَ:[ أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ] رواه البخاري ومسلم وأبوداود وابن ماجه والترمذي
ومالك والدارمي وأحمد . إن هذا المستفتي المخطئ لم يكن هازلا ولا مستخفا بالأمر بل
إن تأنيبه نفسه وشعوره بخطئه واضح من قوله:( هلكت )، ولذلك استحق الرحمة ورواية
أحمد رحمه الله فيها مزيد من التوضيح لحال الرجل عند مجيئه مستفتيا: عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ: أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ يَلْطِمُ وَجْهَهُ وَيَنْتِفُ شَعَرَهُ
وَيَقُولُ مَا أُرَانِي إِلا قَدْ هَلَكْتُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:[وَمَا أَهْلَكَكَ ...]الحديث .
(7) عدم
التسرع في التخطئة: وقد حدثت لعمر رضي الله عنه قصة رواها بنفسه، فقال: سَمِعْتُ
هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ فِي حَيَاةِ
رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَمَعْتُ لِقِرَاءَتِهِ
فَإِذَا هُوَ يَقْرَأُ عَلَى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يُقْرِئْنِيهَا رَسُولُ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكِدْتُ أُسَاوِرُهُ فِي الصَّلاةِ
فَتَصَبَّرْتُ حَتَّى سَلَّمَ فَلَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ فَقُلْتُ مَنْ أَقْرَأَكَ
هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ تَقْرَأُ قَالَ أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ كَذَبْتَ فَإِنَّ رَسُولَ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَقْرَأَنِيهَا عَلَى غَيْرِ مَا
قَرَأْتَ فَانْطَلَقْتُ بِهِ أَقُودُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ بِسُورَةِ
الْفُرْقَانِ عَلَى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِئْنِيهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:[أَرْسِلْهُ اقْرَأْ يَا هِشَامُ] فَقَرَأَ عَلَيْهِ
الْقِرَاءةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ] ثُمَّ قَالَ:[ اقْرَأْ يَا عُمَرُ ]
فَقَرَأْتُ الْقِرَاءةَ الَّتِي أَقْرَأَنِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:[كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ
عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ] رواه البخاري ومسلم
والترمذي والنسائي وأبوداود ومالك وأحمد . ومن الفوائد التربوية في هذه القصة: أن
على طالب العلم أن لا يستعجل بتخطئة من حكى قولا يخالف ما يعرفه إلا بعد التثبت
فربما يكون ذلك القول قولا معتبرا من أقوال أهل العلم .
ومما يتعلق بهذا الموضوع أيضا: عدم
التسرع في العقوبة وفي القصة التالية شاهد: عَنْ عَبَّادِ بْنِ شُرَحْبِيلَ رضي
الله عنه قَالَ: قَدِمْتُ مَعَ عُمُومَتِي الْمَدِينَةَ فَدَخَلْتُ حَائِطًا مِنْ
حِيطَانِهَا فَفَرَكْتُ مِنْ سُنْبُلِهِ فَجَاءَ صَاحِبُ الْحَائِطِ فَأَخَذَ
كِسَائِي وَضَرَبَنِي فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ أَسْتَعْدِي عَلَيْهِ فَأَرْسَلَ إِلَى الرَّجُلِ فَجَاءُوا بِهِ
فَقَالَ:[ مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا] فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ دَخَلَ
حَائِطِي فَأَخَذَ مِنْ سُنْبُلِهِ فَفَرَكَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:[مَا عَلَّمْتَهُ إِذْ كَانَ جَاهِلا وَلا
أَطْعَمْتَهُ إِذْ كَانَ جَائِعًا ارْدُدْ عَلَيْهِ كِسَاءهُ] وَأَمَرَ لِي
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِوَسْقٍ أَوْ نِصْفِ وَسْقٍ
.رواه النسائي وأبوداود وابن ماجه وأحمد، وهو في صحيح النسائي . ويُستفاد من هذه
القصّة أنّ معرفة ظروف المخطئ أو المتعدي يوجّه إلى الطريقة السليمة في التعامل
معه، وكذلك يُلاحظ أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُعاقب صاحب البستان؛ لأنه صاحب
حقّ وإنما خطّأه في أسلوبه ونبهه بأنّ تصرّفه مع من يجهل لم يكن بالتصرّف السليم
في مثل ذلك الموقف، ثمّ أرشده إلى التصرّف الصحيح، وأمره بردّ ما أخذه من ثياب
الجائع .
(8) الهدوء
في التعامل مع المخطئ: وخصوصا عندما يؤدي القيام عليه والاشتداد في نهيه إلى توسيع
نطاق المفسدة، ويمكن أن نتبين ذلك من خلال مواجهة النبي صلى الله عليه وسلم لخطأ
الأعرابي الذي بال في المسجد كما جاء عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: بَيْنَمَا
نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
إِذْ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَامَ يَبُولُ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ أَصْحَابُ
رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَهْ مَهْ قَالَ قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:[لا تُزْرِمُوهُ دَعُوهُ] فَتَرَكُوهُ
حَتَّى بَالَ ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ:[ إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ
هَذَا الْبَوْلِ وَلَا الْقَذَرِ إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ
وَالصَّلاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ ] أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فَأَمَرَ رَجُلا مِنَ الْقَوْمِ فَجَاءَ
بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَشَنَّهُ عَلَيْهِ. رواه مسلم .
لقد كانت القاعدة التي اتبعها النبي صلى
الله عليه وسلم في مواجهة الخطأ: التيسير وعدم التعسير، فقد جاء في رواية البخاري
عن أبي هريرة رضي الله عنه: أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَالَ فِي الْمَسْجِدِ فَثَارَ
إِلَيْهِ النَّاسُ ليَقَعُوا بِهِ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:[ دَعُوهُ وَأَهْرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ أَوْ
سَجْلا مِنْ مَاءٍ فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا
مُعَسِّرِينَ] .إن هذا الأسلوب الحكيم في المعالجة قد أحدث أثرا بالغا في نفس ذلك
الأعرابي يتضح من عبارته كما جاء في رواية ابن ماجه: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
قَالَ:دَخَلَ أَعْرَابِيٌّ الْمَسْجِدَ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ جَالِسٌ فَقَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَلِمُحَمَّدٍ وَلا تَغْفِرْ
لأَحَدٍ مَعَنَا فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَقَالَ لَقَدِ احْتَظَرْتَ وَاسِعًا ثُمَّ وَلَّى حَتَّى إِذَا كَانَ فِي
نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ فَشَجَ ( فرّج ما بين رجليه ) يَبُولُ فَقَالَ
الأَعْرَابِيُّ بَعْدَ أَنْ فَقِهَ فَقَامَ إِلَيَّ بِأَبِي وَأُمِّي فَلَمْ
يُؤَنِّبْ وَلَمْ يَسُبَّ فَقَالَ:[إِنَّ هَذَا الْمَسْجِدَ لا يُبَالُ فِيهِ
وَإِنَّمَا بُنِيَ لِذِكْرِ اللَّهِ وَلِلصَّلاةِ ثُمَّ أَمَرَ بِسَجْلٍ مِنْ
مَاءٍ فَأُفْرِغَ عَلَى بَوْلِهِ] وقد ذكر بن حجر رحمه الله تعال منى فوائد حديث
الأعرابي: "الرفق بالجاهل وتعليمه ما يلزمه من غير تعنيف إذا لم يكن ذلك منه
عنادا ولا سيما إن كان ممن يُحتاج إلى استئلافه " .
(9) بيان
خطورة الخطأ:ففي غزوة تبوك قال رجل: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا، ولا
أكذب ألسنا، ولا أجبن عند اللقاء . يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه
القراء . فقال عوف بن مالك: كذبت ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله صلى الله عليه
وسلم، فذهب عوف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبره، فوجد القرآن قد سبقه،
فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ارتحل وركب ناقته فقال: يا
رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب ونتحدث حديث الركب نقطع به عنا الطريق، قال ابن
عمر: كأني أنظر إليه متعلقا بنسعة ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن الحجارة
لتنكب رجليه وهو يقول: إنما كنا نخوض ونلعب فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :
}قُلْ أَبِاللَّهِ وَءَايَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ(65){ سورة
التوبة وما يلتفت إليه وما يزيد عليه ." الصحيح المسند من أسباب النزول صـ 71
".
(10) بيان
مضرة الخطأ: عن أَبي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِي قَالَ: كَانَ النَّاسُ إِذَا نَزَلَ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْزِلا تَفَرَّقُوا فِي
الشِّعَابِ وَالأَوْدِيَةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:[إِنَّ
تَفَرُّقَكُمْ فِي هَذِهِ الشِّعَابِ وَالأَوْدِيَةِ إِنَّمَا ذَلِكُمْ مِنَ
الشَّيْطَانِ] فَلَمْ يَنْزِلْ بَعْدَ ذَلِكَ مَنْزِلا إِلا انْضَمَّ بَعْضُهُمْ
إِلَى بَعْضٍ حَتَّى يُقَالَ لَوْ بُسِطَ عَلَيْهِمْ ثَوْبٌ لَعَمَّهُمْ. وفي
رواية:حَتَّى إِنَّكَ لَتَقُولُ لَوْ بَسَطْتُ عَلَيْهِمْ كِسَاءً لَعَمَّهُمْ .
رواه أبو داود وأحمد وصححه الألباني .
ومن الأمثلة أيضا على بيان مضرة الخطأ
وخطورته:حديث:[لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ
وُجُوهِكُمْ] رواه البخاري ومسلم وأبوداود والنسائي والترمذي وابن ماجه وأحمد .
وعن أنس رضي الله عنه أَنَّ نَبِيَّ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:[رَاصُّوا صُفُوفَكُمْ
وَقَارِبُوا بَيْنَهَا وَحَاذُوا بِالأَعْنَاقِ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ
بِيَدِهِ إِنِّي لأَرَى الشَّيَاطِينَ تَدْخُلُ مِنْ خَلَلِ الصَّفِّ كَأَنَّهَا
الْحَذَفُ- أي الغنم السود الصغار-] رواه النسائي وأبوداود، وصححه الألباني.
فتبيين مفاسد الخطأ وما يترتب عليه من العواقب أمر مهم في الإقناع للمخطئ.
وقد تكون عاقبة الخطأ على المخطئ نفسه
وقد تتعدى إلى آخرين: فمن الأول : ما رواه ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما:
أَنَّ رَجُلًا لَعَنَ الرِّيحَ- وَقَالَ مُسْلِمٌ: إِنَّ رَجُلا نَازَعَتْهُ
الرِّيحُ رِدَاءهُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فَلَعَنَهَا- فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:[ لا تَلْعَنْهَا
فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ وَإِنَّهُ مَنْ لَعَنَ شَيْئًا لَيْسَ لَهُ بِأَهْلٍ
رَجَعَتِ اللَّعْنَةُ عَلَيْهِ] رواه أبو داود والترمذي، وهو في صحيح أبي داود
.
ومثال الثاني :
ما رواه عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَثْنَى رَجُلٌ
عَلَى رَجُلٍ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وفي رواية
لمسلم: فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا مِنْ رَجُلٍ بَعْدَ رَسُولِ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَلُ مِنْهُ فِي كَذَا وَكَذَا –
فَقَالَ:[ وَيْلَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ
مِرَارًا- ثُمَّ قَالَ- مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَادِحًا أَخَاهُ لا مَحَالَةَ
فَلْيَقُلْ أَحْسِبُ فُلانًا وَاللَّهُ حَسِيبُهُ وَلا أُزَكِّي عَلَى اللَّهِ
أَحَدًا أَحْسِبُهُ كَذَا وَكَذَا إِنْ كَانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهُ] رواه
البخاري ومسلم .وفي رواية عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعَ
النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا يُثْنِي عَلَى رَجُلٍ
وَيُطْرِيهِ فِي مَدْحِهِ فَقَالَ:[أَهْلَكْتُمْ أَوْ قَطَعْتُمْ ظَهَرَ
الرَّجُلِ] رواه البخاري ومسلم وأحمد .
فقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم هنا
لهذا المبالغ في المدح المخطئ فيه عاقبة خطئه وذلك أن الزيادة في الإطراء تُدخل في
قلب الممدوح الغرور؛ فيتيه بنفسه كبرا أو إعجابا. وربما يفتر عن العمل متواكلا على
الشهرة الآتية من المدح، أو يقع في الرياء لما يحسّه من لذة المدح، فيكون في ذلك
هلاكه، وهو ما عبّر عنه صلى الله عليه وسلم بقوله:[أَهْلَكْتُمْ أَوْ
قَطَعْتُمْ ظَهَرَ الرَّجُلِ] ثم إن المادح قد يجازف في المدح ويقول ما
لايتحققه ويجزم بما لا يستطيع الاطلاع عليه وقد يكذب وقد يرائي الممدوح بمدحه،
فتكون الطامة لاسيما إن كان الممدوح ظالما أو فاسقا . انظر الفتح .
(11) تعليم
المخطئ عمليا:في كثير من الأحيان يكون التعليم العملي أقوى وأشد أثرا من التعليم
النظري وقد فعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقد روى جبير بن نفير عن أبيه أنه:
قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر له بوَضوء فقال:[ توضأ يا أبا جبير ]
فبدأ أبو جبير بفيه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:[ لا تبتدأ بفيك يا أبا
جبير فإن الكافر يبتدأ بفيه] ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بوَضوء، فغسل
كفيه حتى أنقاهما ثم تمضمض واستنشق ثلاثا وغسل وجهه ثلاثا وغسل يده اليمنى إلى
المرفق ثلاثا واليسرى ثلاثا ومسح رأسه وغسل رجليه . رواه البيهقي في السنن، وهو في
السلسلة الصحيحة .والملاحظ هنا أن النبي صلى الله عليه وسلم عمد إلى تنفير ذلك
الصحابي من فعله المجانب للصواب عندما أخبره أن الكافر يبدأ بفيه، ولعل المعنى أن
الكافر لا يغسل كفيه قبل إدخالهما في الإناء أفادنيه العلامة الشيخ عبد العزيز بن
باز عندما سألته عن شرح الحديث وهذا من عدم المحافظة على النظافة، والله أعلم .
(12) تقديم
البديل الصحيح: ومثاله:عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود قَالَ: كُنَّا إِذَا كُنَّا مَعَ
النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّلاةِ قُلْنَا السَّلامُ
عَلَى اللَّهِ مِنْ عِبَادِهِ السَّلامُ عَلَى فُلانٍ وَفُلانٍ فَقَالَ النَّبِيُّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:[لا تَقُولُوا السَّلامُ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ
اللَّهَ هُوَ السَّلامُ وَلَكِنْ قُولُوا التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ
وَالطَّيِّبَاتُ السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ
وَبَرَكَاتُهُ السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ
فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمْ أَصَابَ كُلَّ عَبْدٍ فِي السَّمَاءِ أَوْ بَيْنَ
السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ
مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ
إِلَيْهِ فَيَدْعُو] رواه البخاري ومسلم والنسائي وأبوداود والدارمي وأحمد .
مثال آخر:عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ
رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:جَاءَ بِلالٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَمْرٍ بَرْنِيٍّ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:[ مِنْ أَيْنَ هَذَا ]قَالَ بِلالٌ كَانَ عِنْدَنَا تَمْرٌ
رَدِيٌّ فَبِعْتُ مِنْهُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ لِنُطْعِمَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ
ذَلِكَ:[ أَوَّهْ أَوَّهْ عَيْنُ الرِّبَا عَيْنُ الرِّبَا لا تَفْعَلْ وَلَكِنْ
إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَشْتَرِيَ فَبِعِ التَّمْرَ بِبَيْعٍ آخَرَ ثُمَّ اشْتَرِهِ]
رواه البخاري ومسلم والنسائي وأحمد .
والذي نجده في واقع بعض الدعاة الآمرين
بالمعروف، الناهين عن المنكر قصورا في دعوتهم عند إنكار بعض أخطاء الناس، وذلك
بالاكتفاء بالتخطئة وإعلان الحرمة دون تقديم البديل، أو بيان ما هو الواجب فعله
إذا حصل الخطأ، ومعلوم من طريقة الشريعة أنها تقدّم البدائل عوضا عن أي منفعة
محرمة، فلما حرّمت الزنا شرعت النكاح، ولما حرّمت الربا أباحت البيع، ولما حرّمت
الخنزير والميتة وكلّ ذي ناب ومخلب؛ أباحت الذبائح من بهيمة الأنعام وغيرها وهكذا
. ثمّ لو وقع الشخص في أمر محرّم فقد أوجدت له الشريعة المخرج بالتوبة والكفارة
كما هو مبيّن في نصوص الكفارات . فينبغي على الدعاة أن يحذوا حذو الشريعة في تقديم
البدائل وإيجاد المخارج الشرعية . من الأمثلة لتقديم البديل ذكر الحديث الصحيح
الذي يُغني عن الحديث الضعيف أو الموضوع .
ومما تجدر الإشارة إليه أن مسألة تقديم
البديل هي بحسب الإمكان والقدرة فقد يكون الأمر أحيانا خطأ يجب الامتناع عنه ولا
يوجد في الواقع بديل مناسب إما لفساد الحال وبعد الناس عن شريعة الله، أو أن الآمر
الناهي لا يستحضر شيئا، أو ليس لديه إلمام بالبدائل الموجودة في الواقع، فهو سينكر
ويُغيّر الخطأ ولو لم يوجد لديه بديل يقوله ويوجّه إليه، وهذا يقع كثيرا في بعض
التعاملات المالية وأنظمة الاستثمار التي نشأت في مجتمعات الكفار ونُقلت بما هي
عليه من المخالفات الشرعية إلى مجتمعات المسلمين، وفي المسلمين من القصور والضعف
ما يحول دون إيجاد البديل الشرعي وتعميمه . ولكن يبقى الحال أن ذلك قصور ونقص وأن
المنهج الإلهي فيه البدائل والمخارج التي ترفع الحرج والعنت عن المسلمين علمها من
علمها، وجهلها من جهلها .
(13) الإرشاد
إلى ما يمنع من وقوع الخطأ: عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّ
أَبَاهُ حَدَّثَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
خَرَجَ وَسَارُوا مَعَهُ نَحْوَ مَكَّةَ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِشِعْبِ
الْخَزَّارِ مِنَ الْجُحْفَةِ اغْتَسَلَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ وَكَانَ رَجُلًا
أَبْيَضَ حَسَنَ الْجِسْمِ وَالْجِلْدِ فَنَظَرَ إِلَيْهِ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ
أَخُو بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ وَهُوَ يَغْتَسِلُ فَقَالَ مَا رَأَيْتُ
كَالْيَوْمِ وَلَا جِلْدَ مُخَبَّأَةٍ ( المخبأة: هي الفتاة في خدرها وهو كناية عن
شدة بياضه ) فَلُبِطَ سَهْلٌ ( أي: صُرع وسقط على الأرض ) فَأُتِيَ رَسُولُ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقِيلَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ
لَكَ فِي سَهْلٍ وَاللَّهِ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَمَا يُفِيقُ قَالَ:[هَلْ
تَتَّهِمُونَ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ] قَالُوا نَظَرَ إِلَيْهِ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ
فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامِرًا فَتَغَيَّظَ
عَلَيْهِ وَقَالَ:[عَلامَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ هَلا إِذَا رَأَيْتَ مَا
يُعْجِبُكَ بَرَّكْتَ ثُمَّ قَالَ لَهُ اغْتَسِلْ لَهُ ] فَغَسَلَ وَجْهَهُ
وَيَدَيْهِ وَمِرْفَقَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَأَطْرَافَ رِجْلَيْهِ وَدَاخِلَةَ
إِزَارِهِ فِي قَدَحٍ ثُمَّ صُبَّ ذَلِكَ الْمَاءُ عَلَيْهِ يَصُبُّهُ رَجُلٌ
عَلَى رَأْسِهِ وَظَهْرِهِ مِنْ خَلْفِهِ يُكْفِئُ الْقَدَحَ وَرَاءَهُ فَفَعَلَ
بِهِ ذَلِكَ فَرَاحَ سَهْلٌ مَعَ النَّاسِ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ . رواه أحمد وقال
الهيثمي: رجال أحمد رجال الصحيح.وقد تضمنت هذه القصة: تغيظ المربي على من تسبب في
إيذاء أخيه المسلم، وبيان مضرة الخطأ، وأنه ربما يؤدي إلى القتل، والإرشاد إلى ما
يمنع من وقوع الضرر وإيذاء المسلم .
(14) عدم
مواجهة بعض المخطئين بالخطأ والاكتفاء بالبيان العام:ولهذا أمثلة: الأول:عن أَنَسَ
بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُمْ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ:[ مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي
صَلَاتِهِمْ فَاشْتَدَّ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ حَتَّى قَالَ لَيَنْتَهُنَّ عَنْ
ذَلِكَ أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ] رواه البخاري والنسائي وأبوداود وابن
ماجه والدارمي وأحمد .
الثاني:عن عَائِشَةُ رضي الله عنها
قالت: صَنَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا فَرَخَّصَ
فِيهِ فَتَنَزَّهَ عَنْهُ قَوْمٌ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَطَبَ فَحَمِدَ اللَّهَ ثُمَّ قَالَ:[مَا بَالُ أَقْوَامٍ
يَتَنَزَّهُونَ عَن الشَّيْءِ أَصْنَعُهُ فَوَ اللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُهُمْ
بِاللَّهِ وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً] رواه البخاري ومسلم وأحمد .
الثالث:عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ
الْمَسْجِدِ فَأَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ :[مَا بَالُ أَحَدِكُمْ يَقُومُ
مُسْتَقْبِلَ رَبِّهِ فَيَتَنَخَّعُ أَمَامَهُ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ
يُسْتَقْبَلَ فَيُتَنَخَّعَ فِي وَجْهِهِ فَإِذَا تَنَخَّعَ أَحَدُكُمْ
فَلْيَتَنَخَّعْ عَنْ يَسَارِهِ تَحْتَ قَدَمِهِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَقُلْ
هَكَذَا]وَوَصَفَ الْقَاسِمُ فَتَفَلَ فِي ثَوْبِهِ ثُمَّ مَسَحَ بَعْضَهُ عَلَى
بَعْض ٍ. رواه مسلم . والأمثلة كثيرة، ويجمعها: عدم فضح صاحب الخطأ . وأسلوب
التعريض بالمخطئ وعدم مواجهته له فوائد منها: تجنّب ردّ الفعل السلبي للمخطئ،
وإبعاده عن تزيين الشيطان له بالانتقام الشخصي والانتصار للنفس ... أنه أكثر قبولا
وتأثيرا في النفس ...أنه أستر للمخطئ بين الناس ... ازدياد منزلة المربي، وزيادة
المحبة للناصح .
تنبيه: وينبغي الانتباه إلى أنّ أسلوب
التعريض هذا لإيصال الحكم إلى المخطئ دون فضحه وإحراجه إنما يكون إذا كان أمر
المخطئ مستورا لا يعرفه أكثر الناس، أما إذا كان أكثر الحاضرين يعرفونه وهو يعلم
بذلك فإن الأسلوب حينئذ قد يكون أسلوب تقريع وتوبيخ وفضح بالغ السوء والمضايقة
للمخطئ بل إنه ربما يتمنى لو أنه ووجه بخطئه ولم يُستعمل معه ذلك الأسلوب . ومن
الأمور المؤثرة فرْقا: من هو الذي يوجّه الكلام ؟ وبحضرة من يكون الكلام ؟ وهل كان
بأسلوب الإثارة والاستفزاز أم بأسلوب النصح والإشفاق ؟ فالأسلوب غير المباشر أسلوب
تربوي نافع للمخطئ ولغيره إذا استُعمل بحكمة .
(15) إثارة
العامة على المخطئ: وهذا يكون في أحوال معينة، وينبغي أن يوزن وزنا دقيقا حتى لا
تكون له مضاعفات سلبية، وفيما يلي مثال نبوي لهذه الوسيلة: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
قَالَ:جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَشْكُو
جَارَهُ فَقَالَ:[اذْهَبْ فَاصْبِرْ] فَأَتَاهُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا
فَقَالَ:[اذْهَبْ فَاطْرَحْ مَتَاعَكَ فِي الطَّرِيقِ] فَطَرَحَ مَتَاعَهُ فِي
الطَّرِيقِ فَجَعَلَ النَّاسُ يَسْأَلُونَهُ فَيُخْبِرُهُمْ خَبَرَهُ فَجَعَلَ
النَّاسُ يَلْعَنُونَهُ فَعَلَ اللَّهُ بِهِ وَفَعَلَ وَفَعَلَ فَجَاءَ إِلَيْهِ
جَارُهُ فَقَالَ لَهُ ارْجِعْ لا تَرَى مِنِّي شَيْئًا تَكْرَهُهُ. رواه أبو داود،
وهو في صحيح أبي داود . ويقابل هذا الأسلوب أسلوب آخر يُستخدم في أحوال أخرى، ومع
أشخاص آخرين في حماية المخطئ من إيذاء العامة، ويبينه الفقرة التالية:
(16) تجنب
إعانة الشيطان على المخطئ: فعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: أَنَّ رَجُلًا عَلَى
عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ
اللَّهِ وَكَانَ يُلَقَّبُ حِمَارًا وَكَانَ يُضْحِكُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قَدْ جَلَدَهُ فِي الشَّرَابِ فَأُتِيَ بِهِ يَوْمًا فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ
فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ اللَّهُمَّ الْعَنْهُ مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى
بِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:[لا تَلْعَنُوهُ فَوَ
اللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ]رواه البخاري . وعَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ قَالَ اضْرِبُوهُ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَمِنَّا
الضَّارِبُ بِيَدِهِ وَالضَّارِبُ بِنَعْلِهِ وَالضَّارِبُ بِثَوْبِهِ فَلَمَّا
انْصَرَفَ قَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ أَخْزَاكَ اللَّهُ قَالَ: فقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم:[لا تَقُولُوا هَكَذَا لا تُعِينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ] رواه
البخاري . ويستفاد من هذا: أنّ المسلم وإن وقع في معصية، فإنه يبقى معه أصل
الإسلام وأصل المحبة لله ورسوله، فلا يجوز أن يُنفى عنه ذلك، ولا أن يُدعى عليه
بما يعين عليه الشيطان بل يُدعى له بالهداية والمغفرة والرحمة .
(17)
طلب
الكف عن الفعل الخاطئ: من الأهمية بمكان إيقاف المخطئ عن الاستمرار في الخطأ حتى
لا يزداد سوءا وحتى يحصل القيام بإنكار المنكر ولا يتأخر، فعَنْ عُمَرَ أَنَّهُ
قَالَ: لا وَأَبِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ:[مَهْ إِنَّهُ مَنْ حَلَفَ بِشَيْءٍ دُونَ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ]
رواه أحمد وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح . [مَهْ]كلمة زجر وإنكار بمعنى: اكفف .
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: تَجَشَّأَ رَجُلٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:[ كُفَّ عَنَّا جُشَاءَكَ فَإِنَّ أَكْثَرَهُمْ
شِبَعًا فِي الدُّنْيَا أَطْوَلُهُمْ جُوعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ] رواه الترمذي
وابن ماجه وهو في السلسلة الصحيحة . ففي هذه الأحاديث الطلب المباشر من المخطئ
بالكفّ والامتناع عن فعله
تصحيح الاخطاء في المنهج القراني 2
4/
5
Oleh
Legendary


شكرا