السبت، 1 يونيو 2019

البترول والماء في القران الكريم

البترول مادة اقتصادية ذات أهمية كبرى توجد في خزانات بترولية داخل القشرة الأرضية. وكلمة بترول  Petroleumمشتقة من  Petroيعنى صخر ومن  oleumيعنى زيت بمعنى زيت الصخر أي بترول. إن هذا الخام لقد تكون علمياً نتيجة لدفن الكائنات الحية (النباتية والحيوانية) بسبب الحركات الأرضية المؤثرة على القشرة الأرضية. ويتميز هذا الخام البترولي بأنه أقل كثافة من الماء وأثقل من الغاز الطبيعي فلو تصادف تواجدهم معا في خزان واحد فيكون ترتيبهم كالآتي : ماء يعلوه بترول ثم يعلوه غاز طبيعي.
وتوجد هناك عدة نظريات علمية تفسر أصل تكوين البترول وأهمها :-
1- النظرية الغير عضوية بناءاً على إمكانية تحضير مركبات مثل غاز الميثان –الأثين – الأستلين – البنزين من مصادر غير عضوية.
2-  النظرية العضوية تعتمد على وجود مادة البورفرين والنتروجين في بقايا نباتية وحيوانية.
ولكن في الحقيقة لقد تكون هذا الخام البترولي من أصل عضوي نباتي وهذا يتبين من قوله تعالى يقول الله عز وجل " الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ " يس80 .
وبدراسة دورة الماء في الطبيعة من خلال القرآن الكريم فإنه يمكن استنتاج الكثير عن الحقائق العلمية الخاصة بتواجد البترول والغاز الطبيعي وهل هذا الخام يهاجر من خزان إلى آخر وهل أيضاً البترول مخزون لا ينفذ أما ماذا ؟
بالتفكر والتمعن في قوله تعالى: (أَخْرَجَ مِنْهَا ماءها وَمَرْعَاهَا) [سورة: النازعات - الآية: 31] نجد أن كل ماء الأرض يخرج منها، فلقد تبين علميا أن اغلب الماء إن لم يكن كله يخرج مع البراكين ثم يمر هذا الماء بعدة مراحل حتى يصبح نقيا صالحاً للاستخدام ونوجز تلك المراحل كالآتي :-
1- البراكين حيث يصاحبه كميات هائلة من المياه سواء حدث على سطح القارات أو على قيعان البحار والمحيطات وحينئذ تعرف تلك المناطق المائية التي يحدث بها براكين بالبحر المسجور.
2- الرياح تقوم بدور تلقيح للسحب لقوله تعالى: (وَأَرْسَلْنَا الرّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السماء مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ) [سورة: الحجر - الآية: 22] وقال تعالى: (اللّهُ الّذِي يُرْسِلُ الرّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السماء كَيْفَ يشاء وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ فإذا أَصَابَ بِهِ مَن يشاء مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) [سورة: الروم - الآية: 48].     
3- أشعة الشمس حيث تتبخر مياه البحار والمحيطات مكونة سحب وعند تلقيحها بواسطة الرياح أو اصطدامها بجسم بارد فتسقط الأمطار، قال تعالى: (وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهّاجاً  * وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ ماء ثَجّاجاً) [سورة: النبأ - الآية:13- 14]
4- الجبالالشامخات لها دور فعال في تكوين الثلوج على قممها عند اصطدام السحب بها وعندما ترتفع درجة الحرارة يذوب هذا الجليد مكونا أنهاراً قال تعالى: (وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُم ماءً فُرَاتاً) [سورة: المرسلات - الآية: 27] 
5- الصخورحيث تلعب مسامية الصخور دوراً هاماً في تجميع مياه الأمطار على هيئة خزانات جوفية Aquifersوهذا النوع من المياه يعرف بالمياه الجوفية Ground Water. قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنّ اللّهَ أَنزَلَ مِنَ السماء ماءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأرْضِ ثُمّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ ثُمّ يَهِـيجُ فَـتَرَاهُ مُصْفَـرّاً ثُمّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً إِنّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىَ لأولي الألْبَابِ) [سورة: الزمر - الآية: 21] وقال تعالى: (وَأَنزَلْنَا مِنَ السماء ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنّاهُ فِي الأرْضِ وَإِنّا عَلَىَ ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ) [سورة: المؤمنون - الآية: 18] وهذه الخزانات الجوفية قد توجد قريبة من السطح أو عميقة ، قال تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤكم غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُمْ بماء مّعِينٍ) [سورة: الملك - الآية: 30]
6- البحار والمحيطات ودورها تعمل كخزان مياه سطحي بلا حدود حيث تتعرض المياه لعملية البخر  Evaporationبتأثير أشعة الشمس.


وجه المقارنة بين البترول والماء
1-  الخزان: إن تواجد المياه في الأرض يكون على هيئة إسكان إلى أن يشاء الله تعالى. قال تعالى: (وَأَنزَلْنَا مِنَ السماء ماء بِقَدَرٍ فَأَسْكَنّاهُ فِي الأرْضِ وَإِنّا عَلَىَ ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ) [سورة: المؤمنون - الآية: 18] بينما تواجد البترول يكون على هيئة مٌكث لقوله تعالى: (.... وَأَمّا مَا يَنفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأرْضِ ....) [سورة: الرعد - الآية: 17]. ومن هنا يتبين استمرارية المياه في الوجود بينما البترول موجود بصفة مؤقتة وإنه في طريقه للنضوب.
الشكل التالي يبين الخزانات الجوفية في باطن الأرض
2- الهجرة من (الآية: 18 سورة: المؤمنون) و (الآية: سورة: الزمر 21) يتبين أن الماء يهاجر أينما توافر له مسلكا مثل فالق أو صخور ذات مسامية ونفاذية عالية  والبترول أيضاً يهاجر إما بداخل الخزان البترولي وتسمى هذه الهجرة بالهجرة الأولية Primary Migration  وإما أن يهاجر من خزان إلى آخر وتسمى بالهجرة الثانوية Secondary Migration.
3-الحاجز: إنه عند تقابل ماء النهر العذب بماء البحر المالح فتتكون منطقة تسمى  بالبرزخ والحجر المحجور.
قال تعالى: (وَهُوَ الّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَـَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَـَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مّحْجُوراً) [سورة: الفرقان - الآية: 53]
بينما عند تقابل البترول بالماء الجوفي فإنه يطفو فوق الماء ويتكون بينهما حاجز حيث لا يذوب البترول في الماء .
نهاية امريكا واسرائيل

نهاية امريكا واسرائيل


كثرت في الاونة الاخيرة تبوءات تتحدث عن نهاية العالم والكرة الارضية وخاصة إذا عرفنا أن التيار الاصولي المسمي بالمحافظين الجدد (الجانين الجدد) مع توليهم مقاليد الحكم في امريكا وسعيهم الدؤوب لتحقيق تبوءات الكتب المقدسة حسب تفسيرات كهنة الصهيونية. مما ادي الي إنتشار أفكار خاطئة لامريكا لاحتلال بعض البلدان الاسلامية مثل العراق افغانستان واسرائيل باحتلال لبنان ومن العروف أن اشعة التبوءات هي احد مواد العبث في الدراسات المستقبلية إلا أن يد التحريف قد طالها ونال منها في التوراة والإنجيل وأسفار العهد القديم لذا إذا عدنا إلي المصادر الإسلامية من ايات الذكر الحكيم والسنة النبوية الصحيحة فالقران الكريم والسنة النبوية الصحيحة هما المنهج الصحيح للوصول الي الحقيقة وإقامة الحجة عليهم قال تعالي ((كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ماحرم إسرائيل علي نفسه من قبل أن تنزل التوراة قل فأتو بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين)) صدق الله العظيم . سورة ال عمران اية 93 .
وساد اعتقاد اليهود او الغلبية منهم ومنهم مسيحيو الغرب  بأن قيام دولة اسرائيل للمرة الثانية علي ارض فلسطين هو من أجل خروج المسيح الملك اليهودي المنتظر وعند المسيحيين المجئ الثاني للمسيح عيسي ابن مريم الذي لا تؤمن به اليهود أصلا وهذه التبوءات القرانية كلها تتحدث عن نهاية اليهود ودولتهم علي أرض فلسطين وعودة الإسلام والخلافة الإسلامية بقيادة المهدي المنتظر ثم نزول عيسي ابن مريم عليه السلام حكما عدلا ومن أشهر علماء التبوءات هو الطبيب الفرنسي من أصل يهودي ((دامواس)) عاش في الفترة ما بين 1503 – 1566 وألف كتاب القرون وهو عبارة عن تنبوءات علي شكل رباعيات شعرية غامضة من خلال عشرة قرون كل قرن يحتوي علي مائة نبوءة شعرية الاقرنا واحدا لم يكتمل فقد او هنالك تعمد علي إخفائه القرن 7 الذي يحتوي علي 42 رباعية ونحن نري أنه أيضا اشتق بعضها من الإسلامية وإسترقاق السمع للشياطين الذين تعامل معهم (داموس) كما وضحت التنوءات الأولي والثانية من القرن الأول اشارة الي احداث عالمية بعد وفاته مثل الحرب العالمية الأولي والثانية وأحداث الثورة الفرنسية والشيوعية والحروب الداخلية في أروبا وايضا إلي حرب البرجين في 11 سبتمبر والحرب العالمية الثالثة التي لم تحدث بعد وسوف تحدث .
فيما تقدم ذكره (العدد 7 أو العدد السابع الاكبر) فهو إشارة الي استكمال الارض لعمرها سبع الاف سنة وان القرن الحادي والعشرين هو المتمم لسبعة الاف سنة هي عمر الارض . وتشيد الرباعية الي كثرة الحروب قبل نزول المسيح عليه السلام نجد أن جميع النبوءات القيمة متركزة علي --- فيها الحضارة الغربية مهددة بالدمار والواقع لهذه الأزمة الحروب والثورة العامتان باريس الكي بالنار وتدمير جزء من مرسيليا بتلاطم لامواج البحر وهذات أرضية ووباءات وطاعون يقضي علي ثلثي البشرية ويؤدي الي انشقاق في الكنائس وطرد البابا من روما يبدو ان هذه الاحداث ستبدأ بالحرب بين الشرق والغرب اما ذريعتها فستكون في الشرق الاوسط (أيران العراق وفلسطين) ومن المرجح ان تجري الحرب في مرحلتين علي الحرب العالمية الثانية 39-1945 في تلك اللحظة يظهر نجم مذنب يمر علي ---- من الارض هذه النيازك سوف تسقط علي امكنة محددة حيث ستكون محتشدة قوات الثورة الحمراء والأسطول الروسي في البحر المتوسط ومن بعض نصوص من نبوءات داموس
-        تدمير بارس سيتم في المرحلة الثانية من النزاع قبل وقت قصير من طرد البابا من روما.
-        بداية تدمير الحضارة اليهودية المسيحية.
-        سوف تتم حملة جديدة ما وراء البحر المتوسط إنقاذ الاندلس .
-        المكان الذي كان سكن إبراهيم في الماضي البعيد سوف تهاجمه رسل المسيح ((إشارة الي العدوان النصراني علي الطريق)).
-        مدينة(سيشم) أي فلسطين سوف تحبط بها وتهاجمها من كل الجهات جيوش غريبة وقوية جدا ستحد من قوة اساطيلهم .
وفي هذا الملك سوف يحدث حدث عجيب ---- مدن الكبري (إشارة الاستلاب فلسطين) واللذين يعودون إليها اولئك الذين سيماري الله غضبه ضدهم (أي اليهدو في فلسطين) والمكان المقدس لن تؤذي بعد ذلك سوي عدد صغير جدا من الكفار (يقصد المسلمين) وبعد ذلك سيتولد إضطهاد رجال الكنيسة من خلال تحالف قادة الشمال أي دولة الإتحاد الروسي هذا الاتحاد يدوم 11 عاماغير مكتملة وستسقط خلالها الدولة الشمالية وبعد ذلك يأتي حليفها الجنوبي ((العرب)).

الأربعاء، 29 مايو 2019

Four [4] Features to Look regarding When Buying a 3 DIMENSIONAL [3D] Printer

When you are after a new good 3D printer, be sure you consider the most essential features first regardless involving your purpose. 3D computer printers are used for numerous purposes, such as type making, research, prototyping, clinical, manufacturing and so forth. Although right now there are many features to consider when buying, we are usually going to discuss the most crucial ones in this write-up, such as cost, rate and resolution. Let's dig into detail.

Resolution

As much as the resolution is involved, be sure you consider the sort of objects that you would like in order to print with the device. For instance, if an individual want to print types that have a whole lot of detail, excellent area finish and extreme finely-detailed, make sure you decide for the variety associated with machine.

For a higher level00 particulars, you may want to be able to opt for a DLP one. They are the particular most recommended choices. Various other types, such as SLA and FDM won't permit you to get excellent details. Although large-scale things don't require fine depth. Therefore, using an HIGH DEFINITION printer to be able to create this particular type of parts will be simply the waste involving resources and time.

Acceleration

As far as the particular printing performance is worried, the velocity of typically the machine is of extremely important importance. Time is funds. Today is the age group of speed. If an individual are slow, you will not manage to beat the intense competition on the market. Therefore, really a good idea in order to decide on a machine that gives fast speeds.

Whether a person want to print some sort of figurine, ring or some sort of functional part, make positive you choose something that will supplies a reasonably high acceleration. Although you need to get exact results, speed is the factor that cannot be under estimated. Doing things quickly will be really important in typically the here and now.

 Expense



Article Source: http://EzineArticles.com/10005317


Though buying a 3D inkjet printer that has high speed and even resolution is essential, cost will be another factor which will not really be ignored at virtually any cost. Some suppliers can suggest that you need to choose for a service program, expensive materials, and preservation costs when you already include paid for the device.

In order to save a great offer of money, we state that you choose some sort of machine that uses inexpensive raw material and equipment in order to assist multiple purposes.

Size

As much as buying 3D printers will be involved, size is a single of the most essential factors to think about. Based about the size of the particular object you wish to print, this particular factor should be believed about carefully.

Apart by this, the print mattress size may also offer you better resolution since several objects can be very easily printed. While searching for this characteristic, don't forget to look at the technical specifications as much as build volume and even size is concerned. Whilst buying a big device will surely cost more, making a new compromise within the cost is usually not a good thought. Instead, you should purchase something high quality in case you have to spend a new bit more.

To put it briefly, these types of are some important aspects that play an excellent role if you are buying a new 3D printer. Don't simply buy a product merely because it appears to be pleasing in order to your eyes. Make your own mind up based in the factors given previously mentioned.

Are you looking regarding the best 3d inkjet printer under 500? If therefore, ensure you check out 3DPrinterManual first.



Article Source: http://EzineArticles.com/10005317

الخميس، 2 مايو 2019

أهداف مباراة برشلونة وليفربول.. 3/0 للفريق الكتالوني




تقدم لويس سواريز مهاجم نادي برشلونة بهدف في شباك ليفربول، خلال المباراة التي تقام بين الفريقين مساء اليوم في جولة الذهاب بدور الأربعة ببطولة دوري أبطال أوروبا.
وقابل سواريز عرضية جوردي ألبا بقدمه وأحرز هدف التقدم للفريق الكتالوني.
وأضاف الأرجنتيني ليونيل ميسي الهدف الثاني للبارسا في الدقيقة 76 من متابعة لكرة مرتدة من قائم ليفربول، ثم أحرز الهدف الثالث الرائع من ركلة حرة في الدقيقة 83.
هذه امريكا

هذه امريكا

..هذه فصول كتبتها ما بين خريف 2001 وشتاء 2002، وكلها عن الزمن الأمريكي، بمعنى نشأة الولايات المتحدة الأمريكية وصعودها الاقتصادي الباهر أواخر القرن التاسع عشر ثم عبورها للمحيط عائدة إلى العالم القديم، تفرض على الدنيا زمانها وفيه تقدمها وقوتها وهيمنتها.
وكذلك فإن القرن العشرين أصبح قرناً أمريكياً مصداقاً لمقولة "والتر ليبمان" أهم كاتب ومحلل سياسي عرفته الولايات المتحدة الأمريكية.
والبشرية تعيش اليوم بدايات قرن هو الحادي والعشرون بعد ميلاد المسيح والكل يسأل نفسه: هل يكون القرن الحادي والعشرين أمريكياً أيضاً؟
ومجمل الشواهد على الساحة الدولية الآن تقول بذلك، لكن عاصفة التقدم الإنساني وقوة اندفاعها الهائلة لا تسمح لأحد بالتنبؤ عن "جو المستقبل" ولا تسمح بمدى للرؤية يتجاوز بالسنين عدد أصابع يد واحد، على ذلك فالأغلب ـ وتلك ليست مجازفة بالظن تتجاوز وسائل الرصد ـ فإن الثلث الأول من القرن الحادي والعشرين أمريكي أيضاً، ومعنى ذلك أن الإمبراطورية الأمريكية شبه يقين في المستقبل حتى خط الأفق المرئي وبعده أيضاً.
وهنا يصبح مهماً أن يحاول كل من يقدر ـ على قراءة "الزمن الأمريكي" حتى على سطح السحب العابرة، أو فوق كتل الضباب المتراكمة.
وتلك قراءة بأبجدية المجهول على سماء غائمة!
محمد حسنين هيكل


                                         إعادة اكتشاف أمريكا
1ـ أمريكا عند النظرة الأولى عبر المحيط:
هذه هي المرة التاسعة والعشرون التي أعبرُ فيها المحيط قاصداً العالم الجديد، وهو لم يعُد الآن جديداً، وإن ظلَّ ـ بعد ستَّة قرون ـ في حاجة إلى الاكتشاف أو إعادة الاكتشاف حتى يمكن فهمه، لأن أمريكا الآن لم تعد فقط تلك القارة المليئة بالفرص، أو المعبَّأة بالقوة، أو المصممة على مشروع يرث الإمبراطوريات القديمة ـ وإنما لأن الإمبراطورية الأمريكية أصبحت ظاهرة غير مسبوقة في قصة الإنسانية، فهي حاضرة في كل قارة من قارات الدنيا ـ ضاغطة على كل إقليم ـ محشورة في كل بلد ـ مندسَّة في كل بيت ـ وتلك أحوال تدعو بالتأكيد إلى القلق لأن العالم لم يعرف من قبل دولة "متداخلة"، إلى هذا الحد في حية ومستقبل غيرها من الدول. وقد عرف العالم من قبل دولا "متدخِّلة" لكن التداخل" الأمريكي في حياة البشرية مع بداية القرن الواحد والعشرين "الألفية الثالثة الميلادية" ـ تجربة طارئة تستوجب "القلق" ـ وتستدعي التنبه ـ في محاولة للفهم هي الآن "ضرورية" وعاجلة!.
……………………
ومن المصادفات أن هذا العبور التاسع والعشرين للمحيط إلى أمريكا توافق بالنسبة لي مع موعد العبور الأول، وبفارق خمسين سنة بالضبط ـ فقد كانت أول سفرة قصدت فيها "العالم الجديد" سنة 1951 ـ والآن 2001 ـ نصف قرن بالضبط!
وفي ذلك الزمن قبل خمسين سنة ـ بدت لي الولايات المتحدة الأمريكية قوة طالعة في أعقاب الحرب العالمية الثانية، توشك أن تدخل الساحة الدولية لاعباً كبيراً ـ لكنه لم يخطر ببالي في ذلك الوقت أن الولايات المتحدة ـ بعد خمسين سنة ـ سوف تصبح اللاعب الرئيسي ـ وربما الوحيد حتى إشعار لاحق ـ وأن تأثيرها على الدنيا، وعلى المنطقة التي تعنيني أكثر من غيرها في هذه الدنيا، سوف يبلغ هذا المدى الذي نراه، ونحس به ، ونتأثر منه إلى هذه الدرجة.
وعندما قصدت أول مرة إلى أمريكا كانت الرحلة من القاهرة إلى نيويورك تستغرق ستّاً وثلاثين ساعة في الجو، من القاهرة إلى أثينا محطة ـ ومن أثينا إلى روما محطة ثانية ـ ومن روما إلى لندن محطة ثالثة ـ ومن لندن إلى مطار "جاندر" في إيرلندا محطة رابعة ـ ومن "جاندر" ألى "ريكيجافيك" في أيسلندا محطة خامسة ـ ومن "ريكيجافيك" ينزلق الخط الملاحي بالطائرة إلى "جرينلاند"، ومنها على شواطئ "ماينز" وحتى نيويورك ـ وكذلك كانت هناك دائماً ضرورة لقضاء ليلة مبيت في منتصف الطريق، والغالب في باريس أو لندن.
أي أنها ـ بالطيران، ومحطات الوقوف، وليلة المبيت ـ ثلاثة أيام إلى نيويورك ـ ومع ذلك بدت تلك أيامها معجزة من المعجزات، قياساً على ما كان قبلا، وما ظل حتى الحرب العالمية الثانية، حين كان السفر بالبواخر أربعة أسابيع ـ شهر كامل على أقل تقدير ـ من الإسكندرية إلى نيويورك!
وربما أن طول المسافات على هذا النحو ـ حتى بالطائرة ثلاثة أيام ـ كان يوحي بأن أمريكا بعيدة، لكن الزمن راح يتلاشى بإيقاع تضطرب له الحواس، فقد عبرت المحيط في أوائل الثمانينات خمس مرات بطائرة "الكونكورد" في وقت لا يزيد على ثلاثة ساعات واثنتي عشرة دقيقة كل مرة، مخترقاً خمس مناطق زمنية في هذه الساعات الثلاث وبضع دقائق، ثم توقَّفتُ عن استعمال "الكونكورد" قانعاً بالنفاثات العادية تعبر المحيط في ست ساعات: ساعة أو أكثر قليلاً لكل منطقة زمنية، وهو عبء وجدته أخف على التوازن البدني والنفسي!
وكنت منذ أواخر الثمانينات وحتى أواخر التسعينات قد امتنعت عن السفر إلى أمريكا، لأن زيارتها أصبحت بالنسبة لي ـ على الأقل ـ عبئاً على الأعصاب تتزايد وطأته، فضلاً عن أنه لم يعد هناك إلحاح على ضرورته. وفي وقت من الأوقات كان أي مصري أو عربي مهتم بالسياسة يذهب إلى واشنطن ووراءه سند سياسي قوي ـ حتى ولو كان السند نوعاً من الأساطير (والأساطير حقائق سياسية إذا قبلها المعنيون بها، ومع ذلك فإن فكرة وحركة القومية العربية لم تكن أسطورة) ـ وكذلك فقد كان في مقدور أي مهتم بالسياسة ـ مصرياً كان أو عربياً ـ أن يقصد إلى نيويورك أو واشنطن معززاً بنوع من المصداقية فيما يقول به أو يحاور أو حتى يتفاوض عليه. لكن الصورة راحت تتغير بما جرى للعالم العربي وفيه، والنتيجة أن الأوضاع العربية في الولايات المتحدة أصبحت مكشوفة ـ بل وعارية. وكان المزعج أن السياسة العربية نفسها هي التي تكفّلت أولاً بنَزع سلاحها، ثم تطوعت ثانياً بنَزع ملابسها ـ ثم إنها ـ ثالثاً فرطت في ثقتها بنفسها وما يلازم هذه الثقة من عزة الكبرياء.
وهكذا أصبحت أجد عبور المحيط في ثلاثة أيام أو ثلاث ساعات عبئاً معنوياً ونفسياً لا حاجة لي به. وتوقفت عن السفر إلى أمريكا. ورغم أن "فرانك ويزنر" سفير الولايات المتحدة الأسبق في مصر لم يكف عن تذكيري بين وقت وآخر أن "الولايات المتحدة أكبر وأخطر من أن يقاطعها أحد" ـ فقد ظللت لأكثر من عشر سنوات مكتفياً بالشاطئ الشرقي للمحيط الأطلسي ـ لا أفكر في غربه!
ثم كان أن وجدت نفسي أخيراً ـ ولأسباب طارئة ـ عابراً للمحيط ثلاث مرات متوالية، عائداً مرة أخرى وأخرى وأخرى إلى أمريكا مسلِّماً مع "فرانك ويزنر" بأن "الولايات المتحدة أكبر وأخطر من أن يقاطعها أحد".
****
وهذه المرة الأخيرة ـ وهي العبور التاسع والعشرون إلى أمريكا ـ خطر ببالي أن ذلك البلد الذي لا يستطيع ـ لحسن الحظ، أو لسوء الحظ ـ أن يقاطعه أحد يحتاج إلى استكشاف جديد بعد مرور خمسين سنة على أول عبور إليه سنة 1951.
……………………
[والشاهد أن إعادة استكشاف الأشياء والأفكار والظروف ـ وحتى الأمزجة ـ عملية ضرورية لا بد أن يقوم بها الناس ما بين الوقت والآخر ـ نوعاً من الحساب والمراجعة والتثبت بالحذف والإضافة حيال أزمنة متغيرة ـ وإلا فإن هؤلاء قد يتنبَّهون ذات يوم وإذا الحقائق قد غافلَتْهم وسافرت إلى المستقبل، وتركتهم حيث توقَّفوا بظن ـ أو وهم ـ أنهم "أدركوا" و"تيقنوا" بما لم تعد بعده زيادة لمستزيد.]
………………….
وربما اعترفت أنني في ذلك العبور الأول للمحيط ـ السفرة الأولى للولايات المتحدة الأمريكية ـ سنة 1951 ـ لم أرتِّب نفسي بما فيه الكفاية لإعادة اكتشاف العالم الجديد!
○ وعلى نحو ما فقد تأثرتُ بالصورة الشائعة وقتها عن الولايات المتحدة الأمريكية، وانطباعها أن أمريكا بلد فادح الغنى، وهو غنى مفاجئ لم تروضه ثقافة متأصلة، ونتيجة لذلك فإن هذا البلد قوة هائلة لكنها ساذجة ـ لم تصل إليها خبرة وحكمة القارات القديمة. وكذلك فهو بلد سهل وبلا عقد كما تعبَّر عنه أفلام "هوليوود" ـ على عهد براءتها الأولى، فهم جميعاً رجال على رسم النجوم أمثال "كلارك جيبل" و"روبرت تيلور" و"جاري كوبر"، وهن نساء على رسم "جريتا جاربو" و"نورما شيرر" و"بيتي دافيز"، وأما الأطفال فكلهم "ميكي روني" (صبي مرح) ـ أو (شيرلي تمبل) (طفلة جميلة).
وبرغم هذه الصورة البرَّاقة فقد كان هناك كلام كثير خصوصاً في أوروبا مؤداه أن المخفي يختلف عن المعلن، وربما من هنا أنني تلك السفرة الأولى إلى الولايات المتحدة ـ قبل نصف قرن ـ وضعت في حقيبتي عدة مراجع لا بد أنها كانت تشير إلى شكوك ساورتني عن العلاقة بين المخفي والمعلن في الشأن الأمريكي.
وأتذكر أن المرجع الرئيسي الذي رحتُ أطالع فيه طول سفرتي الأولى عبر المحيط ـ كتابٌ ذاع شأنه وقتها للكاتب الإنجليزي الشهير "دوجلاس ريد" وكان عنوانه "بعيداً وواسعاً" far and Wide.  وما زلت أذكر فصل البداية في الكتاب، وملخصه ما لاحظه "ريد" من أن "كل الأمريكيين يجرون أو يهرولون، واستنتاجه أن بعضهم يحاول الهرب من ماض يخاف أن يلحقه ـ وبعضهم الآخر يحاول الإمساك بفرصة يخاف أن لا يلحقها!"
وعندما أراجع ما نشرته عن تلك السفرة الأولى إلى أمريكا ـ في مجلة "آخر ساعة" ـ وكنت أرأس تحريرها في ذلك الوقت ـ فإني أستطيع الآن أن أتمثل الصورة التي رأيت عليها أمريكا وقتئذ:
○ كتبت تحقيقاً عن الرأسمالية الكبيرة التي تحكم أمريكا، تكرر فيه استشهادي بكتاب "ستين عائلة تحكم أمريكا". وكان ذلك كتاباً أوصاني بقراءته الدكتور "محمود فوزي" مندوب مصر في مجلس الأمن "وقد أصبح الدكتور "فوزي" فيما بعد وزيراً للخارجية، ورئيساً للوزراء، ونائباً لرئيس الجمهورية".
○ وتحقيقاً ثانياً عن "التمييز العنصري" ضد السود في أمريكا، وقد بنيته على زيارة قمت بها إلى الجنوب الأمريكي، وإلى ولاية "لويزيانا" حتى عاصمتها "نيو أورليانز".
○ ثم تحقيقاً ثالثاً وأخيراً عن "الجريمة المنظمة في أمريكا"، وكان موضوعه ذلك الدور الذي تقوم به عصابات "المافيا" في الحياة الأمريكية: في الاقتصادي والمال ـ وفي السياسة بما فيها انتخابات الرئاسة والكونجرس بمجلسيه ـ وحتى في مجالات الفنون بما فيها عاصمة السينما في "هوليوود".
ومع أن تلك كانت ـ وما زالت ـ عناصر مهمة في الحياة الأمريكية، فإنني فيما بعد أدركت أنها جزء من الحقيقة الأمريكية، وليست كلها، وأن التركيز عليها وحدها ـ في تلك السفرة الأولى إلى أمريكا ـ كان قصوراً ـ لعل بعضه جموح شباب!
                                                ***
وربما أن جزءاً من هذا الجموح في ذلك الوقت ـ يرجع في بعض منه إلى تأثير صديق كبير كان بالنسبة لي أيامها مزيجاً من "مرشد ومعلَّم"، وأقصد الدكتور "محمود عزمي"، وهو واحد من أهمَّ العقول المصرية المفكرة في العشرينات والثلاثينات من ذلك القرن العشرين، وكان رائداً من رواد الكتابة الصحفية المتعمقة في قضايا الشرعية والديمقراطية والتجديد. وكان منذ عاد من بعثته إلى "السوربون" (في باريس) لتدريس القانون في الجامعة المصرية الوليدة (ذلك الوقت) ـ قد انجذب إلى الحياة العامة، وشارك في الحوار النشيط الذي دار طوال العشرينات حول الخلافة، والدستور، وحقوق المرأة.. وغيرها.
وكنت قد تعرّفت على الدكتور "محمود عزمي" أواخر الأربعينات، وأصبحت مدعواً كل يوم خميس إذا كنت في مصر إلى بيته ـ في حدائق القبة ـ حيث كان يعيش مع زوجته الروسية. وكان بيتهما حافلاً بثلاثة مواضع للجمال قريبة إلى العقل والقلب: كتب التراث العالمي ـ والموسيقى الكلاسيكية ـ وتلك الساعات المليئة بالتأمل والسكينة أمام مدفأة تتحاور فيها ألسنة النار في ليالي الشتاء الباردة.
ثم كان أن لقيت الدكتور "محمود عزمي" في اليوم التالي لوصولي إلى نيويورك (سنة 1951) وهو وقتها عضو في الوفد المصري لدى الأمم المتحدة ـ ثم وجدته ناقداً إلى درجة النقمة على أمريكا وكل ما فيها، والسبب "كذلك عرفت منه ثم فَهَمت أكثر فيما بعد" أنه رغم عضويته في الوفد المصري إلى الأمم المتحدة ـ رفضت السلطات الأمريكية طلب تأشيرة دخول لزوجته "لأنها روسية ـ شيوعية ـ وكانت تلك ـ سنة 1951 ـ سطوة السناتور "مكارثي" الشهير ـ الذي نسبت إليه فترة "المكارثية"، وهي اتهام ومطاردة كل شبهة في تحرر أو يسار، واعتبارها انتماء للشيوعية يستوجب البتر والتطهير".
ولم تكن "بوشكا" "كما كان الدكتور "عزمي" يدلَّل زوجته" شيوعية ـ بل على العكس فقد كانت في الواقع روسية بيضاء من أسرة هاجرت إلى باريس بعد "الثورة البلشفية"، والتقت بزوجها وهي تدرس القانون ـ مثله ـ في "السوربون".
"والغريب أن القصر الملكي ـ من أيام الملك "فؤاد" وحتى أيام ابنه الملك "فاروق" ـ كان يعتبر "بوشكا" شيوعية ـ وكذلك فإن الدكتور "عزمي" وجد سقفاً على فرصه في الحياة السياسية المصرية لم يستطع تجاوزه".
لكن "المكارثية" السائدة والحاكمة في أمريكا وقتها "وكذلك قصور الشرق الملكية" لم تفرق بين أن تكون "بوشكا" روسية أو "بلشفية" ـ فقد كانت الواحدة موصولة بالأخرى زمن الاتحاد السوفيتي.
وعند وصولي إلى نيويورك عرفت أن الدكتور "محمود عزمي" يسكن فندق "الباربازون بلازا" المطل على "سنترال بارك". واتصلت به، والتقينا. وفي لقائنا مشينا من فندقه في الشارع السابع إلى ميدان "التيمس" الشهير، وطوال الطريق كان الدكتور "عزمي" ساخطاً على كل ما يرى!
وأتذكر عند وصولنا إلى الميدان الشهير أن الدكتور "محمود عزمي" توقف أمام محل لربطات العنق وقال ما مؤدّاه "أن واجهة المحل وهي تعرض العشرات من ربطات العنق صورة ناطقة بالذوق الأمريكي ـ في تعبيره المباشر عن حال الثقافة الأمريكية".
وفي ذلك الوقت كانت ربطات العنق الأمريكية صاخبة في الألوان والأشكال والرسوم إلى درجة تثير الاندهاش، وما هو أكثر منه أحياناً. وفي تلك الوقفة أمام محل ربطات العنق في ميدان "التيمس" كان الدكتور "عزمي" يشير إلى ربطة عنق بالذات صفراء اللون، في وسطها رسم عين سوداء فقأها دبُّوس حاد فاسال بطولها نقطاً حمراء كأنها قطرات دم. ثم مضى يقول بمزيج من السخرية والاشمئزاز: "تفضّل يا سيدي ـ هذه هي القيم الجمالية للحضارة الجديدة التي يتعين علينا أن نتعامل معها". ثم يضيف الدكتور "عزمي" بلهجته المشهورة وقتها: "ها الله ها الله يا سيدي على الحضارة الجديدة"!
                                       ***
ومن الواضح لي ـ بعد زمن طويل ـ أن الدكتور "محمود عزمي" كان له تأثير من نوع ما على نظرتي إلى الولايات المتحدة ـ ذلك أنني بعد أسبوع في نيويورك قصدت إلى "ديترويْت" لرؤية تلك القلعة الصناعية الكبرى "للسيارات"، وكان من حظى بتوصية من الوفد المصري الدائم إلى الأمم المتحدة ـ أنني وجدت نفسي ضيفاً على مائدة غداء مع "هنري فورد" "الثاني"، وهو وقتها رئيس مجلس إدارة شركة "فورد" للسيارات. ويومها كنا خمسة ضيوف على مائدته من جنسيات مختلفة.
ومساء نفس اليوم كتبت من "ديترويت" خطاباً إلى الدكتور "عزمي" في نيويورك" أصف له وقائع الغداء مع "هنري فورد" "الثاني" قائلاً له:
"أنت في نيويورك تشكو مما تراه حولك من تعبيرات الثقافة الأمريكية ـ فما بالك بما هو موجود هنا في الداخل الأمريكي وما عشته بنفسي اليوم في "ديترويت" على مائدة "هنري فورد".
تصور ثلاث ملاحظات قالها الرجل في طرف نصف ساعة ـ وتأمل معانيها "الحضارية!":
- جلسنا مع الرجل بضع دقائق قبل الغداء، ثم دعانا إلى المائدة بقوله: "أظن أننا في حاجة إلى التزود بالوقود"!
- وكان الطبق الأول على المائدة حساء "كونسوميه" ساخناً جداً، وأراد مضيفنا أن يشرب بسرعة، وكان لا بد من تبريد الحساء، وهكذا أخذ "فورد" من وعاء في منتصف المائدة قطعة ثلج وضعها في طبق الحساء قائلاً: "هذا أحسن". وراح يشرب.
- وحين فرغنا من الغداء والقهوة، وحان وقت انصرافنا، أشار لنا أن الحمام موجود إذا رأى أحدنا أن يغسل يديه أو أراد شيئاً آخر، لكن إشارته إلى الحمام وردت بأسلوب "جلف" لأنه قال لنا: "إن عادم الطاقة لا بد أن يجد لنفسه مخرجاً!"
ثم قلت للدكتور "عزمي" في نفس الخطاب: "تصور كل هذا الفساد في الذوق والتعبير في نصف ساعة"!
                                               ** 
هكذا كانت نظرتي الأولى على الولايات المتحدة الأمريكية.
وأحسب ـ بأثر رجعي ـ أنها كانت نظرة مشوبة إما بنوع من العجلة سارعت إلى اتخاذ موقف دون أن يكون لديها ما يكفي من المعرفة ـ أو أنها كانت منحازة مبكراً متأثرة في ذلك بدوافع غير موضوعية. لكنه في تلك الأيام كان يطمئنني أن شعوراً من الحساسية إزاء الأمريكان يتسع ـ حتى في أوروبا ـ في أعقاب الحرب العالمية الثانية. وكان في إنجلترا على سبيل المثال تعبير ذائع يقول "إن العيب في الأمريكان.. أن لديهم أكثر من اللازم من الطعام ـ وأكثر من اللازم في الملبس ـ وأكثر من اللازم في الجنس ـ وأكثر من اللازم في وجودهم هنا" "أي في إنجلترا، وفي أوروبا بعموم".
وكان ذلك يقال في إنجلترا وفي أوروبا، وكان الرد الأمريكي عليه أنه الحقد والحسد لأن أوروبا التي ظنت نفسها ـ بضرائب الدم وتكاليف الدمار ـ صانعة النصر في الحرب العالمية الثانية ـ عرَفت بعد انتهاء المعارك أن الموارد الأمريكية هي صانعة النصر الحقيقي، ثم إن الولايات المتحدة خرجت من وسط العاصفة مالكة لأهم ثروات العالم: نصف ذهبه في خزائنها دخل قلعة "فورث نوكس"، وثلاثة أرباع بترولة امتياز تمسك عقوده في يدها، ومائة في المائة من قوته النووية في ترسانتها.
وكذلك فهو الحقد والحسد من عالم قديم ـ نحو عالم جديد.
ولم تكن أكثر المواقع حساسية تجاه الأمريكان أنهم الأغنى، أو الأقوى، أو الأوفر غذاء وكساء ـ وإنما كان موضع الوجع الحقيقي أن تواجدهم وظهورهم "هنا" "في أوروبا خصوصاً" ـ بدا وجوداً جاء ليقيم ويبقى!
وهنا كان الأمر يختلف هذه المرة في المجيء الأمريكي الأول إلى أوروبا أثناء الحرب العالمية الأولى.
فأمريكا التي شاركت في تلك الحرب ـ وادعت أيضاً أن مواردها صنعت النصر ـ لم تلبث أن سحبت قواتها عبر المحيط من حيث أتت، ولعله إحساسها أن الإمبراطوريات الأوروبية التقليدية "بريطانيا وفرنسا" ما زالت متماسكة بما فيه الكفاية ـ وبالتالي فإزاحتها صعبة ـ وإرثها مؤجلاً بعد!
وأما هذه المرة، بعد الحرب العالمية الثانية ـ فإن القوات الأمريكية التي شاركت في الحرب لم تعد من حيث أتت، بل بقيت في أوروبا، وكانت الإشارات واضحة، وأوَّلها أن أمريكا أصبحت على يقين من أن الإمبراطوريات الأوروبية التقليدية لم تعد تستطيع أن تحافظ على أمن دولى أو استقرار.
وفوق ذلك، وهو الأخطر، فإن الإمبراطوريات الأوروبية التقليدية نفسها ـ ذلك الوقت ـ راودها خوف من انسحاب أمريكي يعود إلى الشاطئ الغربي للمحيط الأطلسي، ويتركها وحيدة في القارة الأوروبية أمام جحافل الجيوش الروسية التي زحفت من الشرق إلى ألمانيا في المعركة الأخيرة ضد "هتلر". وهذه الجحافل الروسية مل تجيء إلى الغرب إعصار نار فقط، وإنما هي تحمل وراء إعصار النار نظرية اجتماعية لها تلك "اللحظة التاريخية" فعل حريق ـ وهي الشيوعية!
هكذا كانت أمريكا تريد أن تبقي في أوروبا ـ ولم تكن تدارى فيما تريد.
ثم إن أوروبا بدورها كانت تخشى أن تبتعد أمريكا كما فعلت مرة من قبل. وعلى أي حال فقد كانت لدى الإمبراطوريات الأوروبية بقايا ثقة بالنفس جعلتها تتصور أن زمانها فيه عمر ـ وأنها ما زالت قوى كبرى مهابة وليست إرثاً ضخماً يجري حصره استعداداً لإجراءات نقل ملكيته!
…………………
وهكذا فإن لقائي الأول السريع مع الولايات المتحدة أخذه جموح الشباب ـ وتأثر أيضاً بما شاع وقتها في أوروبا ـ ومنها إلى غيرها في العالم ـ ثم إنه استعار في بعض مواقفه نظَّارة صديق!
على أن التجارب تعلِّم الناس أن الحقيقة أعقد من نظرة أولى ـ وأكبر من انطباع يشيع في زمن بعينه، له أحواله ومناخه.. وأخطر من مأثورات تنتشر حتى وإن كان فيها الكثير من الصدق، والحكمة المختزلة.

2ـ حوارات طويلة مع السياسة الأمريكية:
لم يكد يمر عام واحد منذ عبرت المحيط غرباً لأول مرة ـ سائحاً أكثر منى دارساً، ومتفرجاً أكثر منى مشغولاً ـ حتى وجدت نفسي طرفاً نشيطاً في جدل سياسي طويل ومعقد مع السياسة الأمريكية.
ففي يوليو سنة 1952 ـ بعد عام واحد بالضبط من النظرة الأولى على أمريكا ـ قامت الثورة في مصر، وكان الخصم الخارجي الطبيعي لهذه الثورة هو بريطانيا "التي تحتل مصر"، وفرنسا "التي تحتل شمال أفريقيا". وفي عملية الفرز الضرورية للأوضاع الدولية ـ ذلك الوقت ـ فقد بدا أنه إذا أراد النظام الجديد في مصر طرفاً عالمياً كبيراً يوازن القوى الإمبراطورية المتمسكة بمواقعها ـ فليس أمامه غير برلين: الولايات المتحدة الأمريكية وهي منافس ظاهر يطلب إرث الإمبراطوريات القديمة ـ والاتحاد السوفيتي وهو عدو زاحف يطلب نفس الشيء وإن بوسائل مختلفة.
وكان البديل السوفيتي في ذلك الوقت مستبعداً لأسباب كثيرة ـ عقائدية وسياسية وثقافية وحتى جغرافية ـ ومن ثم كان البديل الأمريكي هو الخيار المعقول، وربما زكاه أن حساسية الإمبراطورية القديمة تجاه الولايات المتحدة بدت عاملاً مساعداً، أو يمكن أن يكون مساعداً.
وبصداقة خاصة مع "جمال عبد الناصر" نشأت وتوثقت عراها تلك الأيام "وما زالت" ـ وجدت نفسي في صميم سياساته، خصوصاً وهي وقتها "ومازالت" شواغل الوطن وهمومه!
ثم كان أن حضرت محاولته الأولى في مقاربة أمريكا وتشجيعها على دور أقبلت هي أيضاً عليه بحقائق الأشياء في الشرق الأوسط، وكان الأمل ـ تغذيه تصورات مثالية عن "دولة كبرى" لم تتورط بعد في سياسات إمبراطورية ـ أن الولايات المتحدة أقرب من غيرها إلى فهم تطلعات الشعوب العربية "والآسيوية والأفريقية" ـ والإحساس بأشواقها المشروعة إلى الحرية في عالم يجري بناؤه الآن على أساس مبادئ وميثاق الأمم المتحدة.
وكذلك حضرت لقاءات "جمال عبد الناصر" "وعدد من أعضاء مجلس قيادة الثورة وقتها" مع السفير الأمريكي في مصر تلك الأيام "جيفرسون كافري". وكان "كافري" "الذي عرفته قبلها بظروف العمل الصحفي" ـ واجهة لا تعبر بدقة عن الشخصية الأمريكية، فالرجل أصلاً من عنصر "أنجلوساكسوني" ـ تمتلك أسرته أرضاً شاسعة في الجنوب الأمريكي من قبل الحرب الأهلية، وكان عمله الطويل سفيراً لبلاده في باريس قد جعله ـ إلى جانب أصل "أنجلوساكسوني" ـ أقرب إلى "جنتلمان" من اسكتلندا منه إلى راعي بقر من تكساس ـ أو من لويزيانا!
وفي تلك الأيام "سبتمبر 1952" زار مصر نائب وزير الدفاع الأمريكي "ويليام فوستر"، وكان ذلك أعلى مستوى بعثت به الولايات المتحدة إلى مصر في حينه. وتصادف مجيئه مع بداية المفاوضات المصرية ـ البريطانية في طلب الجلاء عن مصر، وكان ذلك شاغل الوطنية المصرية الأول والأكبر. ومع الرغبة المشتركة "مصرية وأمريكية" في إقامة علاقات ود من نوع جديد ومستوى أرقى ـ فإن مصر سألت، وكان السؤال على عشاء أقيم لنائب وزير الدفاع الأمريكي عن إمكانية شراء سلاح أمريكي للجيش المصري. وبدا الزائر في رده مستعداً لقبول الطلب، وفي بعض تعليقاته متحمساً. ومع أن السفير "كافري" الذي كان اللقاء على العشاء في بيته ـ بدا متحفِّظاً ـ فإن الحضور جميعاً، وأولهم "جمال عبد الناصر"، اعتبروا أن "حماسة" نائب وزير الدفاع الأمريكي هي الجواب، وأن ما بدا من تحفظ السفير الأمريكي هو جملة اعتراضية داعيها التحوّط الدبلوماسي الزائد لدى البيروقراطية في أي بلد في العالم!
وكان "كافري" ـ كما أظهرت التجارب ـ على حق. وكان على حق أكثر من مرة:
ـ مرة لأنه كان يعرف مسبقاً أن كلمة نائب وزير الدفاع لا تمثل ارتباطاً أكيداً لحكومته "لأنه يتكلم اجتماعياً على عشاء في بيت سفير لبلاده بعد أن احتسى كأساً من الويسكي، وشدّ أنفاساً من سيجار فاخر ـ كذلك كان تعبير "كافري" بالنص فيما بعد".
ـ ومرة ثانية لأن فترة سبتمبر 1952 والشهور التالية لها فترة انتخابات رئاسة أمريكية، والإدارة القائمة التي يمثلها "ويليام فوستر" الضيف الزائر ـ وهي إدارة الرئيس "هاري ترومان" ـ لم يبق لها في السلطة غير ثلاثة شهور انتقالية، والكل واثق مسبقاً أن الجنرال "دوايت أيزنهاور" هو الفائز ـ أي الرئيس القادم ـ بعد الانتخابات في نوفمبر 1952.
ـ ومرة ثالثة لأن "كافري" كان يعلم أن الولايات المتحدة لن تتطوع لمصر بأي شيء مقدماً ـ دفعة على الحساب ـ خصوصاً من السلاح. فهي في تقديره "وهو صحيح" تفضل أن تتفاوض وتساوم مع حليفها البريطاني "بصرف النظر عن الهواجس والشكوك" ـ ثم إن الولايات المتحدة إذا أعطت شيئاً لمصر فلن تعطيها سلاحاً يمكن أن يستخدم ضد إسرائيل.
ومرة رابعة لأن "كافري" وهو يعرف سياسية بلاده متأكد أنها لن تعطي إلا بقدر ما تأخذ أولاً ـ فإذا كانت مصر تريد شيئاً فعليها أن تدفع مقدم ثمنه، ولأن أمريكا لا تبحث عن "عربون" مالي من مصر وإنما تبحث عن "عربون" سياسي وإستراتيجي ـ إذن فليست هناك صفقة محتملة في القريب العاجل ـ وربما بعده لأن مصر المطالبة بجلاء الإنجليز "الإمبراطورية القديمة" عنها ليست على استعداد لأن تدفع "عرابين" سياسية وإستراتيجية.
ـ وكان "كافري" على حق ـ مرة خامسة وأخيرة "وذلك شيء لم أعرفه منه إلا بعد اعتزاله الخدمة بسنوات طويلة، وكان قد ذهب ليعيش آخر أيامه ويموت ويدفن في فرنسا" ـ لأنه كان على يقين بأن الولايات المتحدة لن تساعد أي بلد عربي إلا إذا وقع اتفاقية صلح نهائي مع إسرائيل!!
…………………..
لكن "جمال عبد الناصر" أيامها ـ وبعد ثلاثة شهور من الثورة ـ كان أميل إلى تصديق "ويليام فوستر" نائب وزير الدفاع، ولعله حسن النية في السياسة الأمريكية وقتها ـ أو لعلها أمانيه غلبت دلالة موقف "كافري" ـ الذي بدا تحفظه دون شرح أسبابه ـ ثم آثر الصمت حتى انتهى اللقاء، ثم ظهر ذلك وكأنه الأدب الدبلوماسي، بما معناه أن السفير الأمريكي كما تقتضي اللياقة ألزم نفسه بالحدود الفاصلة بين السياسة والدبلوماسية!
ونتيجة لتصديق "ويليام فوستر" استجاب "جمال عبد الناصر" لدعوة وجهتها وزارة الدفاع الأمريكية إلى وفد مصري يزور المنشآت العسكرية في الولايات المتحدة الأمريكية ـ وقد اعتبرها "جمال عبد الناصر" مقدمة تمهد لمفاوضات. وكان أن سافرت بعثة مصرية لهذا الغرض رأسها "قائد الجناح" الطيار "علي صبري" "وكان وقتها مسئولاً في المكتب العسكري لـ "جمال عبد الناصر".
ثم حدث أن "جمال عبد الناصر" طلب مني أن أسافر إلى الولايات المتحدة، بعيداً عن الوفد العسكري، وظنه أنني أستطيع المساعدة على إنجاح مهمة الوفد بصداقات يعرف أنها قائمة بيني وبين عدد من الصحفيين الأمريكيين البارزين وقتها، وكان معظمهم ممن عرفت وزاملت في مهام عديدة عندما كنا جميعاً مراسلين لصحفنا في حروب "البلقان" "الحرب الأهلية في اليونان وما حولها" ـ وفي معارك فلسطين "قبل قيام الدولة اليهودية وبعده" ـ وفي أحداث الثورة الإيرانية "معركة "مصدَّق" وتأميم البترول الإيراني" ـ وفي أزمة الشرق الأوسط "الانقلابات والاغتيالات في سوريا وغيرها" ـ وفي صراعات الشرق الأقصى "كوريا ـ والهند الصينية ـ وفيتنام الأولى ضد فرنسا" ـ وفي غيرها من شواغل تلك الأيام.
وهكذا عبرت المحيط غرباً للمرة الثانية إلى أمريكا، وفي هذه المرة لم أكن زائراً أو متفرجاً، وإنما كنت في مهمة عمل تداخلت فيها السياسة مع الصحافة فقد وجدتها ـ أيضاً ـ فرصة مناسبة لتغطية معركة الرئاسة في مرحلتها النهائية الحاسمة بين الجنرال "دوايت أيزنهاور" عن الحزب الجمهوري ـ وبين منافسه "أدلاي ستيفنسون" عن الحزب الديمقراطي.
وفي ذلك الوقت، وفي إطار هذه المهمة التي تداخلت فيها السياسة مع الصحافة ـ اقتربت من بعض دوائر صنع القرار الرسمي في أمريكا، وضمنها قيادات الحزبين الكبيرين المتنافسين في انتخابات الرئاسة، وعدد من الرجال النافذين في الإدارة القديمة "ترومان" ونظرائهم القادمين مع الإدارة الجديدة "أيزنهاور" ـ السفراء الكبار في وزارة الخارجية ـ وكذلك مع الجنرالات الأهم في وزارة الدفاع".
ولم يكن من المصادفات أنني وجدت موعداً تحدد لي مع مدير برامج المساعدات الأمريكية العسكرية "وهو وقتها الجنرال "أولمستيد" ـ فالذين قاموا على ترتيب جزء من برنامج اتصالاتي السياسية كانوا بغير شك يعرفون ما فيه الكفاية عن الأسباب المختلفة لقدومي إلى واشنطن.
…………………
وباختصار فقد كانت تلك الزيارة إطلالة أكثر تدقيقاً وأشد تأنياً في النظر إلى القوة الأمريكية الخارجة إلى المسئولية العالمية الأوسع.
والحاصل أنني عدت ـ عبر المحيط ـ أقل تفاؤلاً مما ذهبت، وعلي شبه يقين بأن مهمة بعثة شراء السلاح في واشنطن "قائد الجناح "علي صبري". ـ مهمة صعبة ـ إن لم تكن مستحيلة ـ وكانت أسبابي وقد تحدثت بها مع "جمال عبد الناصر" مضيفاً إلى رأيي شواهد ما استخلصته، ومنها:
1ـ إن الولايات المتحدة لديها مشروع "حلف عسكري" يقوم في المنطقة بعد جلاء القوات الإمبراطورية "البريطانية والفرنسية" منها. وهناك تلازم بين العمليتين خطوة بخطوة ـ الخروج الأوروبي والدخول الأمريكي. "وذلك سمعته من الجنرال "أولمستيد" وهو يحدثني عن خطة لدى الولايات المتحدة لإقامة "حلف اسلامي" يملأ فراغ المنطقة العسكري بعد جلاء الإمبراطوريات القديمة عنها ـ ثم يكون منه عنصر جذب لعشرات الملايين من المسلمين يعيشون وراء "الستار الحديدي" ـ داخل الاتحاد السوفيتي والصين."
2ـ إن الولايات المتحدة لن تبيع لمصر سلاحاً تستطيع به محاربة الإنجليز إذا تعطلت مفاوضات الجلاء من منطقة قناة السويس. "وذلك سمعته من الجنرال "جود باستر"، وهو من أركان حرب الرئيس الجمهوري الجديد الجنرال "دوايت إيزنهاور"، وتفصيله أن رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل" "وقتها" اتصل بـ "إيزنهاور" تليفونياً ليقول "إن الحكومة البريطانية تعرف بوجود وفد عسكري مصري في أمريكا يسعى لشراء سلاح، وأن هذا الوفد "يظن أنه يستند إلى وعد رسمي أمريكي"، وأنه ـ أي "تشرشل" ـ لا يتصور أن صديقه الجنرال "أيزنهاور"، وهو القائد العلى لقوات الحلفاء في معركة تحرير أوروبا، يرضى أن يعطى للمصرين سلاحاً يقتلون به جنوداً حاربوا تحت إمرته "إمرة "أيزنهاور" في الحرب المقدسة ضد النازية والفاشية.
وختام ما سمعته من الجنرال "جودباستر" أن "أيزنهاور" تأثر ـ وتعهد لـ "تشرشل" بأنه لن يعطي المصريين طلقة رصاص "على فرض أنه كان في النية أصلاً إعطاء شيء!"
3ـ إن الولايات المتحدة سوف تحاول تحقيق صلح بين العرب وإسرائيل كمقدمة لمشروعاتها المقبلة في الشرق الأوسط ـ وأنها إذا لم تستطع "بالإقناع" تحقيق هذا الصلح، فسوف تجازف لتحقيقه "بالفرض" مهما اقتضى ذلك من زمن أو من جهد. "وذلك سمعته من "جون أندرسون" ـ وهو واحد من أقرب المعاونين إلى "أيزنهاور" وقد أصبح وزير خزانته ـ وملخصه "أن أيزنهاور قاد حلفاً كبيراً لكل المعسكر الغربي، وهو بتفكيره لا يعرف علاقة مع بلد واحد، وإنما يعرف علاقة مع أقاليم كاملة "لأننا في عالم جديد لا يعترف بالحدود التقليدية للسيادات الوطنية". وإذا كنا ذلك "فإنك تستطيع أن تدرك أننا لا نريد صراعات داخلية في قلب هذه الأقاليم. وهذا يعني أن الصراعات الصغيرة يجب أن ترتب نفسها للصراع الأكبر مع الشيوعية الدولية، وتنسى "خناقاتها" المحلية من نوع "الخناقة" بين العرب وإسرائيل ـ وهذا هو شكل المستقبل!"
وقد رويت ذلك كله وأكثر منه لـ "جمال عبد الناصر" عندما حكيت له قصة تجربتي الأمريكية الثانية. والحقيقة أنه لم يكن مفاجأً بما قلته، فقد وجدتُه بعد أن غبت عنه  قرابة شهرين أو أقل تفاؤلاً، والظاهر أن متابعته لمهمة البعثة العسكرية "علي صبري" إلى الولايات المتحدة جعلته أكثر حذراً في "توقعاته" الأمريكية!
ومن أوائل الخمسينات وحتى أوائل الثمانينات من القرن العشرين عبرت المحيط غرباً إلى امريكا أربعاً وعشرين مرة، وشاركت في حوارات ومناقشات بلا نهاية "وبلا نتيجة" مع إدارات أمريكية عديدة ومع رجالها من الساسة ومن العسكريين ـ في البيت الأبيض وإداراته، وفي الكونجرس بمجلسيه، وفي وزارتي الخارجية والدفاع، وفي هيئة أركان الحرب المشتركة ـ بل وكذلك في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية.
وبسرعة واختصار فقد قابلت وتحدثت مع الرئيس "دوايت أيزنهاور" وأبرز أركان إدارته وهو وزير خارجيته "جون فوستر دالاس" ـ وفيما بعد قابلت وتحدثت مع الرئيس "جون كنيدي" وأبرز أركان إدارته، وكانوا مجموعة من أكفأ وألمع ما شهد البيت الأبيض، وبينهم وزير الخارجية "دين راسك"، ومستشار الأمن القومي "ماك جورج باندي"، ووزير الدفاع "روبرت ماكنمارا"، إلى جانب رجال أحاطوا بالرئيس زمانها وأشهرهم المؤرخ الكبير "آرثر شليزنجر" و"إدوارد سورنسون" و"بيير سالنجر" ـ ولم تتح لي الفرصة لمقابلة الرَّجل الذي خلف "جون كنيدي" بعد اغتياله، وهو الرئيس "ليندون جونسون"، لكني قابلت أقرب الناس إليه، وبينهم "والت روستو" مستشاره للأمن القومي، وشقيقه "جين روستو" الذي بقى قوة محركة في وزارة الخارجية الأمريكية مع "دين راسك" الذي واصل مع "جونسون" ما أبدأه مع "كنيدي" ـ ثم قابلت "واستضفت في بيتي في القاهرة" الرئيس "ريتشارد نيكسون"، وتحاورت طويلاً معه ومع أركان إدارته، وأهمهم مستشاره للأمن القومي "هنري كيسنجر"، ووزير خارجيته الأول "ويليام روجرز" ـ ولم تتح لي الفرصة أن أقابل الرئيس "فورد" الذي خلف "نيكسون" بعد فضيحة "ووترجيت"، لكن إدارته ظلَّت في الواقع هي إدارة "نيكسون" حتى خسر معركة الانتخابات سنة 1976 ـ وقابلت وتحاورت مع الرئيس "جيمي كارتر"، وكبار مساعديه وبينهم مستشاره للأمن القومي "زبجنيو برجينسكي"، ووزير خارجيته "سايروس فانس" ـ ولم تتح لي الفرصة أن أقابل الرئيس "رونالد ريجان" ـ لكني لقيت وحاورت أهم أقطاب إدارته وضمنهم "ألكسندر هيج" مستشاره للأمن القومي، و"جورج شولتز" وزير خارجيته.
وفي تلك الفترة كذلك "ما بين أوائل الخمسينات إلى أواخر الثمانينات" قابلت وتحاورت مع غير هؤلاء كثيرين في أمريكا من المفكرين والأدباء "من "كنيث جالبرايت" إلى "نورمان ميلر" ـ ومن رجال الأعمال إلى نجوم هوليوود "من دافيد روكفللر" إلى لاناتيرنر" ـ ومن مسئولي عوالم الأسرار إلى ملوك الإعلام "من "الآن دالاس" أشهر مدير لوكالة المخابرات المركزية ـ إلى "كاترين جراهام" صاحبة مجموعة صحف "واشنطن بوست".
ولقد أضفت إلى ذلك كله قراءات لها بداية وليست لها نهاية، ثم إنها تشعبت بعيداً وواسعاً "على حد تعبير "دوجلاس ريد" في كتابه الشهير".
وبناءً عليه كله فقد أستطيع القول بأنني اقتربت وعاينت وخالطت بنفسي عقل القوة الأمريكية وقلبها، ومع ذلك فقط ظل يراودني إحساس بأن ما عرفته عن الولايات المتحدة ليس كافياً ـ على الأقل ليس كافياً لكي يفسر لي طبيعة السياسة الأمريكية، ومطالبها، ودوافعها، وأساليبها.
ولقد ظننت أن التجربة المباشرة في التعامل مع القوة الأمريكية حسنت معرفتي بحقيقتها، لكني مع ذلك ظللت على يقين بأن ما أعرفه ليس كافياً.
بمعنى أن عبوري الأول للمحيط سنة 1951 ترك عليّ انطباعاً ـ جاء قاصراً.
ثم إن عبوري الثاني للمحيط سنة 1952 ـ ترك لديّ إحساساً بخيبة الأمل.
وتلى ذلك من سنة 1953 إلى سنة 1986 أربعة وعشرون عبوراً للمحيط إلى الغرب ـ أضافت إليّ بغير شك حصيلتها. لكنه بقي يراودني على نحو أو آخر إحساس بأن ما أعرفه عن أمريكا ما زال دون المطلوب.
ولقد ظننت في بعض الأحيان أنني توصلت بطول الدرس وتتابع التجارب إلى مجموعة من المفاتيح تصورتها مهمة لفهم أمريكا!
وإلى حد ما فقد يكون لهذا الظن بعض ما يبرره.
3ـ هل تكفى هذه المفاتيح لفهم أمريكا؟
أظنني توصلت بالتجربة والمعاينة، وبالقراءة والدرس، إلى "دستة" مفاتيح حسبتها مطلوبة لفتح بوابات أمريكا، والدخول منها، والبحث وراءها عن الأشياء والأحوال، بما قد يسمح بفهم أو برؤية تعزز فعلاً أو تسند ردَّ الفعل!
ومع أن الظن قد يكون إثماً، فإنني أجازف بعرض المفاتيح التي توصلت إليها ـ تاركاً الحكم لغيري ـ أعلم وأقدر.
* المفتاح الأول:
إن الولايات المتحدة بلد محظوظ: لديه كثير من الجغرافيا وقليل من التاريخ. ومعنى ذلك أن لديه غنى في الموارد بلا حدود، وخفة في أثقال التاريخ وحمولاته لم يتمتع بها غيره، وذلك منحه اطمئناناً إلى وفرة مادية طائلة ـ ثم إنه أعفاه من وساوس تاريخية ينوء بها عديد من الأوطان أو البلدان.
والذاكرة الوطنية للشعوب في بعض الأحيان عبء بمقدار ما هي حافز ـ لكن الهجرة إلى أمريكا كانت مشروطة بالتخلي عن القديم والبدء من جديد لمن يبغون الفرص الطموحة.
وإذا اعتبر هذا الحال فقراً في الإرث أو التراث ـ فإنه كان في نفس اللحظة عوناً على مواجهة المستقبل مفرغاً من العقد والمسئوليات مما يخلفه الإرث أو التراث.
وفي حين أن شعوباً أخرى أرهقتها تجارب القرون "من أول التاريخ" فإن الشعب الأمريكي بدأ مسيرته في الواقع منذ القرن السابع عشر الميلادي، وبالتالي فقط كان أكثر شباباً وأكثر نشاطاً من غيره، فهو في بداية العمر، وعنفوان الصبا "في حين كان غيره في آسيا قرب الشيخوخة ـ وفي أوروبا قرب الكهولة".
وفي حين أن كل الحقائق لها بدايات ومقدمات في فكر عامة الشعوب ـ فإنه فيما يخض الشعب الأمريكي ـ كل الحقائق تبدأ الآن. هنا والآن.
…………………
[وذلك يذكرني بليلة من الليالي "ليلة 7 نوفمبر 1973 ـ أي بعد اسبوعين اثنين من توقُّف معارك حرب أكتوبر" ـ وتلك ليلة ظلت فيها مؤرقاً حتى الصباح أفكر في وقائع لقاء تم في المساء بين "هنري كيسنجر" وبيني ـ وفي بادأني "كيسنجر" ـ  بقوله:
ـ "أريد أن أسمع منك كل ما تريد قوله لي عن الأزمة الحالية في الشرق الأوسط، لكن لي شرطين:
أولاً: لا تحدَّثني عن التاريخ. حدثني عن الواقع الراهن هذه اللحظة ـ لأننا من هنا نبدأ.
وثانياً: حدثني عن مصر وحدها، ولا تقل لي شيئاً عما تسمونه أنتم "الأمة العربية" ـ أعرف أن هناك شعباً في مصر ـ هذه حقيقة ـ ولكن أن هناك أمة عربية فذلك ادِّعاء تقولون به، وهو لم يثبت لي، وبالتالي فلست مستَعداً له!"
[وكان ذلك سبب الأرق ـ ومعه الدهشة ـ لأن ذلك الرجل الذي كان دارساً وأستاذاً للتاريخ ـ لم يعتبر التاريخ لأي شيء. وإنما اعتبر اللحظة الراهنة بداية كل شيء!]
ومع أن ذلك بدا لي مستغرباً، فإنني كنت على يقين أن ذلك الطلب صدر منه عن قناعة لديه بأن "التاريخ بدأ اليوم"!
ومع أني حاولت أن أشرح له أن تلك البداية تلغى الحقوق ـ بل وتهدر القانون. فقط كان منطقه "إننا إذا كنا نريد التعامل مع الماضي فسوف نظل في الماضي، وإذا أردنا المستقبل فأول المطلوب منا أن ننسى" ـ "وبالطبع فقد كان ذلك منطق التجربة الأمريكية أصلاً وأساساً!"]
…………………..
* المفتاح الثاني:
إن الولايات المتحدة لم تنشأ كوطن، وإنما نشأت كموطن. ولم تبدأ كدولة، وإنما بدأ كملجأ. أي أن الولايات المتحدة في واقع الأمر بدأت ونشأ كفضاء مفتوح لكل من يقدر على عبور المحيط أو يضطر لعبوره وإن تنوعت الأسباب: كان هناك المهاجرون والأول من المغامرين ـ ثم لحقهم المنفيّون ممن كنت دول أوروبا راغبة في التخلص منهم لأسباب سياسية أو أمنية ـ ثم كان هناك الهاربون من الاضطهاد العنصري أو الديني ـ ثم كان هناك الباحثون عن الثروة في بلد تكشف أن موارده بلا حدود من الأرض إلى الماء ـ ومن الفضة إلى الذهب!
ومنذ تمت رحلة "كريستوفر كولمبس" الأولى ـ ثم الثانية ـ كانت الأخبار في العالم القديم عن العالم الجديد أسطورية. فتلك هي "أرض الميعاد" الحقيقة تتسع لكل من يشاء، وفيها ما يحتاج إليه وأكثر، ثم إنها أرض بلا ملوك ـ ولا كنيسة ـ ولا إقطاع ـ ولا قانون ـ ولا بوليس وإنما هي فضاء مفتوح لأي قادر على عبور المحيط، وعلى التعامل مع الحدود القابلة للاتساع والتمدد كل يوم.
……………….
[وربما أنه من هنا يمكن فهم استعداد السياسة الأمريكية في هذه اللحظة أن تتقدم لأي مشكلة بمقترحات غير محكومة بثوابت، وبمنطق أنه لا ملوك ـ ولا كنيسة ـ ولا إقطاع ـ ولا قانون ـ ولا بوليس ـ وإنما هو فضاء مفتوح!
وكذلك يتوصل رئيس ذكي مثل "بيل كلينتون" إلى أنه من "صالح العرب" أن يتركوا القدس لإسرائيل ـ وإذا كان العرب والمسلمون على تصميمهم بأن "القدس عربية" فإنه في مقدورهم تغيير اسم قرية قريبة "وراء التل" ـ هي "أبو ديس" ـ لتسمى "القدس" ـ وميزتها أنها على بعد كيلو مترات قليلة من القدس الأصلية أمام التل. ثم يضيف إنهم فعلوا كثيراً في أمريكا، فهناك مدن كثيرة في أمريكا اسمها "القدس"، وهناك مدن اسمها "القاهرة" ـ "والإسكندرية" ـ و"بيروت"!]
…………………..
* المفتاح الثالث:
إن الفضاء المفتوح لا يقبل باي عوائق من أي نوع، سواء في ذلك الطبيعة أو حتى سكانها الأصليون، ذلك أن الطبيعة لا بد لها أن تتسع بما يوافق طموح القادمين بحثاً عن الفرصة، ثم إن السكان الأصليين عليهم أن ينزاحوا وإلا فهم تذكرة دائمة للقادمين الجدد بأن هناك حقوقاً سابقة تعترض حقوقهم اللاحقة، وذلك خلط مادي ومعنوي كبير يجب تسويته ـ وبكل وسيلة متاحة!
وهكذا فإنه بعد النـزول الأول على الشواطئ الشرقية للقارة ـ شواطئ الأطلسي عبر أوروبا ـ فإن النفاذ إلى الداخل أصبح معلقاً بما يستطيع الجواد أن يرمح فيه ويستحوذ عليه ويضمّه. ثم إن الأمن في الداخل أصبح مرهوناً بما يستطيع المسدّس أن يسيطر عليه من الفضاء المفتوح، ويخليه ويضمنه.
وكذلك فإنه اذا كانت الغابات والأحراش عائقاً، فإن الغابات والأحراش عليها أن تزول ـ وإذا كان الهنود الحمر وراء التلال والجبال ملاكاً ـ على نحو ما ـ للأرض، فإن هؤلاء الهنود الحمر يتعين أن يختفوا ـ وجوداً وظلاً.
…………………
…………………
[وهنا يمكن فهم الرؤية الأمريكية لقضية فلسطين، فالمستوطن اليهودي ليس فقط مهاجراً إلى أرض جديدة، وإنما هو كذلك وبقوة الجواد والمسدس "المجنـزرة والمدفع الرشاش هذه المرة" عائد إلى ارض يملك عليها امتيازاً من قديم "وهذه حجة إضافية يزيد عليها أنه اذا كانت الغابات والأحراش في القارة الأمريكية قابلة للإزالة ـ فإن "الخلاء"! الفلسطيني من باب أولى لا بد من تجهيزه للاستيطان، ثم إن "الفلسطيني" الأصلي "! ـ شأنه شأن الهندي الأحمر ـ عليه أن يختفي وجوداً وظلاً ـ ولم لا؟ إذا لم يكن للحق الأزلي اعتباره قانوني، وإذا لم يكن للحقائق الحية على الأرض قبل المستوطن اليهودي "وقبل المهاجر الأمريكي" اعتبار إنساني وأخلاقي!]
…………………
…………………
* المفتاح الرابع:
إنه إذا كان مطلوباً أخلاء القضاء المفتوح من أي عوائق ـ ومن أي دعاوي سابقة على الادعاء بملكيته بصرف النظر عن أية حقوق سابقة تاريخية، أو إنسانية، أو أخلاقية، أو قانونية ـ فإن السبيل إلى ذلك هو القوة، وقوة السلاح، وقوة السلاح وحدها.
وعندما تتجرد قوة السلاح من كوابح المبادئ والقيم والثقافة ـ مع غياب كافة أنواع الشرعية ـ فإن السلاح يطيح ـ بدون مقدمات، وبغير ضوابط ـ وبالتالي تكون الكلمة الأولى في أي لقاء هي تصويب المسدس، والكلمة الأخيرة هي الضغط على الزناد، وكذلك تتحول القوة في حد ذاتها إلى مصدر للمشروعية، وبها وليس بغيرها يتحول "الإغتصاب" إلى "حيازة" وتتحول "الحيازة" إلى "ملكية" تسن لنفسها قوانين جديدة تتعامل بها الأوضاع المستجدة في تنظيم علاقات الغلبة والسيطرة.
وكان ذلك ما حدث طوال قرنين من الزمان، فقط كان على أرض أمريكا الشمالية ـ وديانها وسهولها ومروجها وجبالها ـ ما يقدر عدده بخمسين مليوناً من الهنود الحمر عندما ظهرت "سانتا ماريا" ـ سفينة "كريستوفر كولمبوس" ـ تتقدم سفينتين وراءها. ثم ظلت أمريكا الشمالية تسمع طلقات الرصاص، وتلمح من بعيد دخانه، وترى على الأرض بقع دمه، وحين هدأت الضجة تبين أن ذلك الشعب النبيل الذي رفض أن يستسلم للنازلين على شواطئه والزاحفين على أرضه لم يعد باقياً منه غير مليونين أو ثلاثة.
………………
………………
[وهنا يمكن فهم المنطلق الذي تحاورت به السيدة "مادلين أولبرايت" وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة في مقابلة تليفزيونية "مايو سنة 1998":
سئلت "أولبرايت" عن استقالة اثنين من مفوضي الأمم المتحدة مسئولين عن تنسيق برامجها في العراق، وهما "دنيس هاليداي" و"هانزفون سبونيك" ـ كلاهما قدم استقالته لأنه لم يستطع أن يحمل على ضميره وزر وفاة نصف مليون طفل عراقي راحوا ضحية نقص الغذاء والدواء بسبب الحصار الذي تفرضه الولايات المتحدة "باسم الإمم المتحدة" على العراق؟
وردّت "أولبرايت" قائلة للسائل بالحرف: "ربما أنه ثمن غال كما تقول، لكننا نرى أن الهدف الذي نطلبه يساوي ذلك الثمن وأكثر منه"!!]
     .……………………
* المفتاح الخامس:
إن الضمير الأمريكي كان يتعين عليه أن يجد مسوغات معنوية ونفسية تبرر له جوانب العنف والقسوة في مغامرته التي بدأها على الشواطئ الأمريكية، ومنها إلى الداخل والوسط، وحتى أقصى الغرب، وهنا تأسس فكر راح يستكمل ويستوفي مطالبه وضروراته حتى تحول إلى مدرسة بأكملها.
وكانت بداية التأسيس من عناصر المهاجرين بسبب الاضطهاد الديني، ومن المفارقات أنه من عندهم ظهرت "نظرية المنفعة" في طبعتها الأمريكية، وفي سياقها الأساسي وخلاصتها:
○ إن الله لم يخلق هذه الأرض وما عليها عبثاً، وإنما خلقها لبشر سواهم على مثاله.
○ وإذا كان ذلك فإن هؤلاء البشر ـ على مثلا الأله ـ مكلفون بما ينفع الأرض ويحقق عليها كلمة خالقهم.
○ وإذا كان نفع الأرض هو هدف البشر فإن الأقدر منهم على النفع هو الأحق بالقيام عليه.
○ وإذا كانت هذه الأرض في حوزة الهنود الحمر منذ نشأة الحياة، ولم يقوموا بحقها ـ فإن مشيئة الله تتحقق بأن يحل محلهم من هو أقدر منهم.
وكذلك ظهرت أخلاقيات وقوانين وقواعد "نظرية المنفعة" الأمريكية، ومشى فقهها من بداياته ! ـ إلى نهاياته على أساس انه اذا كان ما هو نافع مطلوباً ـ فإن ما هو نافع بدوره مشروع مهما كانت وسائله ـ وكذلك ينبغي أن يستقر القانون وتصاغ مواده.
……………………
……………………
[وهنا يمكن فهم ما يراه العرب وينسبونه أحياناً إلى بلادة في شعور الرأي العام الغربي تجاه اغتصاب فلسطين.
فقد نجحت اسرائيل أن ترسخ لديهم ـ على عكس الحقيقة ـ صورة مؤداها أن فلسطين كانت صحراء جرداء قبل أن ينزل عليها الخصب الصهيوني.
ومالك الأرض الحقيقي ـ والقانوني ـ ليس مالك صك الملكية، وإنما القادر على الأرض أكفأ ـ والممسك بها أقوى ـ ذلك أن الصك ورقة ـ وأما الحق فهو القوة.
وهذه نقطة مركزية تستحق فهماً عربياً أعمق، فالعدل حلم الضعفاء ـ لكن القانون يكتبه الأقوياء.
وغير ذلك الادِّعاء].
………………..
* المفتاح السادس:
إن كل شيء في أمريكا سهل وميسر، فذلك الوطن الأمريكي الذي أعفى نفسه من أعباء التاريخ القديم، والشرائع السابقة، والتقلصات والتقلبات الدينية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، والحروب والثورات التي صهرت قارات العالم القديم منذ فجر الوعي الإنساني ـ وجد نفسه في وضع لم يتح لوطن من قبل:
- قارة بكامل مواردها فضاءاً مفتوحاً، وقد استطاع المهاجرون أن يملئوا "فراغهاً"، وأن يستولوا على الأرض وما فوقها.
ـ وهؤلاء المهاجرون استطاعوا في قرنين اثنين تأسيس موطن ـ تحول إلى وطن ـ له ثروته المادية، وله فكره المتحرر من القيود، وله طرائقه في الإنتاج والحياة، وله قوانينه ـ بل وله أخلاقه.
- ثم إن هذا الوطن التفت إلى يمينه من خريطة العالم فوجد أوروبا إلى الشرق من الأطلنطي وقد وصلت إلى عصر النهضة، وفاضت فيها الفلسفات والعلوم، والآداب والفنون، والمعارف والثقافية، ومعها تكنولوجيا من نوع مذهل يحل فيه البخار محل عضلات الناس من الأحرار كانوا أو من العبيد "وبالإضافة إلى ذلك فقد كانت هناك في أوروبا نبوءات مبكرة عن طاقة الكهرباء "وهي سحر قادر على كل شيء!"
     ولم يرهق المجتمع الأمريكي نفسه في إعادة اختراع الأشياء!
نظر إلى أوروبا ونقل، وذهب إلى أوروبا واشترى، وعاين ما وجد أمامه واختار ما رآه نافعاً ـ مفيداً ـ أو حلواً. وكان له ما أراد بغير موانع. ولم تكن هناك على الفن والفكر ـ من "شكسبير" و"دانتي" إلى "روسو" و"مونتيسكيو" ـ حقوق ملكية فكرية ـ ولا كانت هناك على موسيقى "بتهوفن" أو "موزار" أو "باخ" أو "فيفالدي" أو غيرهم حقوق أداء علني ـ وكانت كل المخترعات من قوة البخار المحركة إلى قوة العدسات المبصرة، ومن المدافع بعيدة المدى إلى القطارات المسافرة فوق قضبانها حيث تمتد ـ معروضة لمن يشاء في السوق دون شروط تعجيزية من نوع ما تواجهه الدول النامية الآن "وأوله أن تدفع من اللحم الحي ضرائب كل شيء تريد أن تأخذه من العالم، حتى الكتاب، والفكرة، والنغم".
وهكذا أخذت أمريكا من العالم القديم كل ما أرادته دون معاناة أو ألم ـ دون حقوق أو رسوم.
…………………
………………….
[وكذلك يمكن فهم تعود الأمريكان على طلب الأشياء ـ مادية ومعنوية، من حقوق الثروات الطبيعية إلى حقوق السيادة الوطنية ـ بلا عناء ـ مقابل ثمن نقدي يدفع، ثم يتم شحن البضاعة!
وذلك بالضبط ـ على سبيل المثال ـ ما جرى في صفقة شراء الرئيس الصربي السابق "سلوبودان ميلوسوفيتش"، وكانت الصفقة بيعاً وشراء ـ تسليماً وتسلّماً ـ قيمها بليون دولار. والغريب أن الولايات المتحدة رتَّبت دفعها قسمة مع آخرين:
445 مليون دولار يدفعها الاتحاد الأوروبي.
200 مليون دولار يدفعها أطراف دوليون مختلفون منهم سويسرا واليابان.
150 مليون دولار يدفعها البنك الدولي.
وأما الولايات المتحدة الأمريكية نفسها فقد كان نصيبها النقدي في الصفقة 182 مليون دولار ـ لكن الصفقة جرت تحت إشرافها وإدارتها!]
………………….
* المفتاح السابع:
إن التجربة الأمريكية جاءت بسابقة مغايرة لما كان قبلها في التاريخ. فالعادة أن الأوطان تظهر مع ظهور الدول فيها، داخل رقعة محددة من الأرض لها أطراف وحدود وتضاريس طبيعية تحول موطن أي مجتمع إنساني إلى وعاء مستقل بذاته وصفاته ـ ومن ثم تمهد لظهور سلطة فيه ترسم حدود الدولة وتشهر قيامها.
في أمريكا اختلف الأمر. تأخرت الدولة كثيراً عن الظهور، وإن تناثرت على سطح القارة بؤر استيطان وعمران مكشوفة راحت حتى عصور متأخرة "القرن السابع عشر والثامن عشر" تدافع عن نفسها بوسائل ابتدعتها من إنشاء شركات إلى إنشاء ميليشيات. ولما كانت الهجرة إلى أمريكا مستجدة، والثروات وفيرة، فإن الدول الأوروبية تدافعت، وراح ملوكها يبسطون حمايتهم على مساحات تفوق حجم ممالكهم الأصلية، وكذلك كانت سيادتهم رمزية.
لكن المجتمعات الاستيطانية الجديدة في أمريكا رأت لنفسها مصالح مختلفة عن مصالح هؤلاء الذين رأوا الفراغ الناشئ عن وجود "دولة أمريكية" وتقدموا لملئه ـ وهنا ظهرت حركة الاستقلال الأمريكية يقودها "جورج واشنطن"، وكانت بدورها معركة سهلة، وذلك أن السيادات الملكية الأوروبية كانت رمزية، ثم إن المجتمعات الاستيطانية الجديدة في أمريكا كبرت واتصلت، واشتدت حاجتها إلى دولة وطنية تحفظ لها مصالحها المتميزة عن غيرها، وتكفل للجميع أمناً مشتركاً. وكذلك اتحدت الولايات، أو بعضها، في حرب لطلب الاستقلال ـ ثم تقاتلت الولايات مع بعضها في حرب لطلب الوحدة ـ ثم توصلت التجربة إلى شكل الدولة الاتحادية ـ بقوم عليها مركز قوى يملكه الجميع ـ وحقوق متساوية تمارسها الولايات دون وصاية من المركز. وفي ذلك كله كان الوطن الأمريكي يتوسع من الشرق إلى الغرب، والمدهش أن "الفتح" لم يجر بالسلاح في بعض الأحيان، وانما جرى بالشراء: جزيرة "مانهاتن" وعليها "نيويورك" جرى شراؤها مرتين "زعيم هندي أحمر باعها إلى شركة هولندية ـ وبعدها بعشرات السنين باعتها الشركة الهولندية إلى الولاية الأمريكية". ولاية كاليفورنيا" ـ صفقة بالبيع والشراء من اسبانيا "لويزيانا" صفقة مع فرنسا.
…………………
[كذلك عرفت التجربة السياسية الأمريكية نفوذاً يتوسع بالبيع والشراء، وبالخصم وبالتقسيط!
وربما هنا فإنه يمكن فهم ذلك الشعور الجازم في الكونجرس الأمريكي "بأننا اشترينا السلام في الشرق الأوسط بحمزة مساعدات أمريكية ملحقة باتفاقية كامب دافيد بين مصر وإسرائيل، واسمها الرسمي هو "جائزة السلام" ـ وقيمتها خمسة بلايين دولار سنوياً ـ تقسم بنسبة أكثر من ثلاثة لإسرائيل وأقل من اثنين لمصر ـ ومدة الجائزة عشرون سنة قابلة للتجديد "حتى يستقرب ويترسخ السلام!"]
………………
* المفتاح الثامن:
إن الدولة الأمريكية ظهرت في وقت احتدمت فيه الصراعات والثورات في أوروبا. فقد كان ذلك زمن قطع رقاب الملوك في إنجلترا وفي فرنسا ـ وزمن الحروب بين الإمبراطوريات التي اشتد غضبها ونقص دخلها بعد أن فقدت ممتلكاتها الأمريكية، وزادت عليها تكاليف السباق الاستعماري إلى آسيا وفيما بعد إلى أفريقيا.
وفي تلك اللحظة الحرجة من تاريخ الإمبراطوريات فإن زعيم وقائد الاستقلال الأمريكي: "جورج واشنطن"، قدم لوطنه وصيته الأهم وهي "الابتعاد تماماً عن صراعات القارة الأوروبية التي لا تعني أمريكا، ولا تهمها، ولا يصيبها منها إلا الضرر".
وكانت وجهة نظر "جورج واشنطن" ان الصراعات الأوروبية بحور دمٍ لها منابع دم بعيدة غائرة في الزمن، وذلك كله حدث قبل ان تولد أمريكا لكن حدوثه الآن يعطي لأمريكا ميزة لأن التهاء أوروبا في حروبها السياسية والدينية والاقتصادية والاستعمارية يكفل للدولة الأمريكية المستقلة فترة كافية تدعم فيها وحدتها بصهر عناصر الهجرة اليها "باللغة والثقافة الجديدة" حتى تذوب وتتوحد مصالحها، وذلك يمكنها من صنع وطن ودولة ـ بل وأمة إذا توصلت عملية الصهر دون تدخلات من الخارج.
وإذا كانت وصية "واشنطن" صحيحة، وقد كان كذلك في زمانها، فإن ابتعاد أمريكا عن الصراعات الأوروبية كان لها ملحق ضروري هو تصفية بقايا الجيوب الأوروبية في أمريكا الشمالية، وتخليص ولايات الإتحاد وما حولها من قبضة الإمبراطوريات البائدة ـ وهنا جاءت الحرب مع البرتغال ومع إسبانيا.
…………………
[ومن غرائب التاريخ المصري أن آخر ملوك المكسيك وهو الإمبراطور "ماكسميليان" ـ طلب قوات تساعده في تمكين ملكه، وتطوع لمساعدته خديو مصر "سعيد" باشا، ثم "اسماعيل" باشا وكلاهما أرسل لـ "ماكسميليان" حملة عسكرية مصرية تفاوتت التقديرات في شأنها ـ فمن التقدير يقول إنها عشرة آلاف جندي مصري، إلى تقدير يصل بهذا الرقم إلا أضعافه ـ وبالفعل فقد ذهب مجندون مصريون ـ فلاحون بالسخرة ـ بالألوف جيشاً مهدى بلا مقابل من خديو مصر إلى إمبراطور المكسيك ولم يظهر لهؤلاء الآلاف فيما بعد عدد ـ ولا أثر!]
……………….
وفي كل الأحوال فإن الدولة الأمريكية الناشئة تطبيقاً لوصية "جورج واشنطن" قامت بتصفية كل الجيوب الأوروبية في أمريكا الشمالية.
وأكثر من ذلك فأنها انتهزت فرصة الفوضى الأوروبية طوال القرن التاسع عشر ثم أعلنت إن خط المياه وسط المحيط هو حدود سلامتها وحمايتها من صراعات العالم القديم، وأصبح ذلك الخط وفقاً لـ "مبدأ مونرو" "1823" هو خط الأمن الأمريكي.
………………
[هكذا عرفت الولايات المتحدة ومارست مبكراً "حدود سيادة" على أرض القارة الأمريكية ـ ثم رسمت لنفسها "حدود أمن" وصلت إلى منتصف المحيط ـ وذلك ما أخذته اسرائيل فيما بعد ومارسته معتبرة أنه اذا كان خط حدودها هو كل فلسطين، فإن خط أمنها واصل ـ طبقاً لـ "آرييل شارون" ـ إلى إيران وباكستان وجنوب السودان.  وبالطبع فإن الولايات المتحدة تتفهم ـ بوعي التجربة، وحتى دون ضرورة الاعتراف العلني الآن!]
……………….
* المفتاح التاسع:
إن الولايات المتحدة حين استكملت توسعها إلى الغرب وتملكت "كاليفورنيا" و"تكساس" ـ وجدت نفسها في موقع فريد مؤدّاه إن المحيطات نفسها: الأطلسي شرقاً، والهادئ غرباً، ـ هي بذاتها حواجز الأمن الضامنة له.
فهذه المساحات الشاسعة من الماء، وهذه الجبال العالية من الموج، عصيّة على أي جيش غازٍ حتى بعد ظهور وتقدم الطيران. وفي أسوأ الأحول فإن أي جيش غاز لا يستطيع أن ينقض على أمريكا مفاجأة، كما تفعل الجيوش الألمانية مع فرنسا مثلاً أو مع روسيا.
هكذا ظهر في التاريخ لأول مرة وطن تضمن الطبيعة ذاتها أمنه وتعفيه من أي تهديد خارجي، وكان ذلك حدثاً في الفكر الاستراتيجي مستجدّاً بالكامل، لم يخطر على بال "فرعون" مثل "رمسيس" الثاني، ولا غاز مثل "الإسكندر"، ولا إمبراطور مثل "نابليون"، ولا مفكر عسكري مثل "كلاوزفيتز".
وطن ضخم غني بموارده، فادح في ثرواته ـ ومع ذلك فهو غير معرض لتهديد من أي نوع (حتى ظهر عصر الصواريخ في أواخر القرن العشرين).
……………..
[وربما إنه يمكن فهم مشروع الدفاع الاستراتيجي بالصواريخ المضادة ـ وهو المشروع الذي تقوم الدنيا وتقعد الآن تصدياً له ـ فهماً أعمق إذا جرى النظر إليه على أساس أنه استمرار الإستراتيجية "عازل" المحيطين "الأطلسي والهادئ" ـ وهو "العازل" الحامي للأمن الأمريكي. فمشروع الصواريخ المضادة للصواريخ يكفل إلا ينفذ في سماء المحيطين تهديد ـ صاروخي ـ يصل إلى الولايات المتحدة. وكان ذلك ـ من وجهة نظر السياسة الأمريكية ـ أفضل، لأنه يقفل الباب على سباق في الأسلحة النووية تبارت فيه دول كثيرة وفّرت لنفسها إمكانياته. ومن المنطقة إنه إذا استطاع طرف إلغاء سلاح طرف آخر فإنه يضمن النصر. وبما ان الولايات المتحدة سابقة ـ بتجربة النجوم أيام "ريجان" ـ فإن الصورايخ المضادة للصواريخ تكفل لها موقع القلعة المنيعة لا يصل اليها تهديد. هذا مع الأخذ في الحساب "وتلك نقطة جديرة بالاعتبار" أن الصواريخ المضادة للصواريخ كفيلة بإلغاء فاعلية كل الترسانات النووية التي تملكها ـ ولا تملك غيرها الآن ـ روسيا ـ وتلك الترسانات التي تملكها بلاد كانت تنتمي إلى الاتحاد السوفيتي سابقاً مثل أوكرانيا ـ وفوق ذلك تلك الترسانات التي تملكها دول صديقة في الغرب الآن "بريطانيا وفرنسا" ـ وذلك من باب الاحتياط ليوم تتغير فيه الأجواء وتختلف ـ وكله جائز!
وهكذا فإن الولايات المتحدة في دفاعها عن نفسها لا تتسابق مع طرف، وإنما هي تمنع كل الأطراف مرة واحدة!]
……………….
* المفتاح العاشر:
إن قوة الولايات المتحدة ـ المجتمع والدولة ـ عندما نمت وزادت وتراكمت، أصبح عليها أن تخرج من عزلتها وأن تتوسع بالمصالح والنفوذ إمبراطورياً، وتلك طبائع الأشياء بعد قوة الأشياء.
لكنه كان لافتاً أن أمريكا شاركت في الحربين العالميتين الأولى والثانية بغير نظرية أمن!
وكانت تلك أول إمبراطورية في التاريخ لديها نظرية مصالح ـ وليس نظرية أمن ـ ذلك أنه في غياب "التهديد" لا يوجد مطلب "أمن".
وعلى سبيل المثال فإنه خلال حربين عالميتين، لم تكن الولايات المتحدة الأمريكية في أي وقت معرضة لغزو، ولا كانت مدينة من مدنها مكشوفة أمام طيران مغير.
وفي اوروبا مثلاً ضربت كل العواصم، بل واحتل معظمها: باريس ـ روما ـ اثينا ـ فيينا ـ وارسو ـ براج ـ برلين ـ وفوقها نصف موسكو على الأقل. ونفس الشيء عواصم آسيا، وفي مقدمتها طوكيو وبكين وسنغافورة.
لكن نيويورك وبوسطن وواشنطن وشيكاجو ولوس أنجلوس وسان فرانسيسكو ونيو أورليانز ظلت طوال سنوات الحرب تمارس حياتها العادية، ولا يشغلها خطرا أو مظنّة خطر. يلفت النظر أكثر في غلبة "نظرية مصلحة" وغياب "نظرية أمن" أن الولايات المتحدة الأمريكية اتخذت قرارها بدخول الحربين العالميتين بناءً على حسابات هادئة باردة تجري تقديراتها من بعيد، وتدقق وتختار لحظتها المناسبة، وحين تكون الضرائب أقل والفوائد أكثر.
○ في الحرب العالمية الأولى ظلت الولايات المتحدة تتابع ما يجري على المسرح الأوروبي ـ ثم قررت الدخول سنة 1917 ـ وكانت نهاية الحرب سنة 1918.
○ وفي الحرب العالمية الثانية ظلت الولايات المتحدة تنتظر حتى بعثر "هتلر" جيوشه في القارة الأوروبية وشمال أفريقيا، وأكثر من ذلك تورط في بحر الثلج الروسي بغزوه للاتحاد السوفيتي أول أغسطس سنة 1941. وبعد خمسة شهور، وعلى استحياء بعد الغارة اليابانية الشهيرة على الأسطول الأمريكي في "بيرل هاربور" ـ دخلت أمريكا الحرب العالمية الثانية يوم 7 ديسمبر 1941 ـ وكانت هزيمة جيوش المحور في ذلك الوقت محققة ـ شبه مضمونة تقريباً.
……………
[وكان دخول الولايات المتحدة إلى حرب إرث الإمبراطوريات القديمة تطبيقاً رائعاً لإستراتيجية كان يمارسها القرصان الشهير الكابتن "مورجان" "في القرن السابع عشر" ـ وكان الكابتن "مورجان" يرى أن "القرصان العظيم" هو ذلك الذي يهاجم "القراصنة الصغار" العائدين بغنائمهم من مهاجمة السفن المتناثرة في البحار، أو الراجعين بعد الغارات على الموانئ المصدرة للذهب في البحر الكاريبي. كان رأيه ترك "القراصنة الصغار" يقومون بالعمل القذر، ثم الاستفراد بهم وهم محملون إلى الحافة بالغنائم. وكذلك فعلت الولايات المتحدة. فهي لم تذهب لتستولي على المستعمرات واحدة بعد واحدة، وإنما انتظرت لترث الإمبراطوريات. كذلك استراتيجية الكابتن "مورجان" "وهو الأصل والأساس في عائلة "مورجان" المهاجرة من مقاطعة "ويلز" الإنجليزية، والتي ملكت ولا تزال بعضاً من أكبر البنوك والمؤسسات المالية الأمريكية".]
……………..
* المفتاح الحادي عشر:
إنه إذا لم تكن للولايات المتحدة "نظرية أمن قومي" لغياب تهديد يمس الوطن حدوداً وعمقاً ـ كما هو شأن أوطان العالم ودوله ـ وإذا كانت للولايات المتحدة "نظرية مصالح قومية" فقط ـ فإن هذه مقدمة تترتب عليها نتيجة شديدة الأهمية، بعيدة الأثر، وتلك هي غياب "الوطنية" بالمعنى المتعارف عليه في أوطان أخرى وتواريخ مختلفة. ذلك أن حيوية الوطنية في بلد من البلدان في أي مكان وزمان هي نتيجة لتهديد مباشر يمس هويته أو أرضه أو استقلاله. أي أن التهديد أو احتمال التهديد هو الذي يخلق ردّه الفعل والمقاومة، وتلك شرارة الوطنية. وأما إذا كانت المشكلة طلب المصلحة، وليس رد التهديد ـ فإن المصلحة لها دواع وحوافز ومحرّكات من نوع مختلف لا يعرف الصمود إلى النفس الأخير ـ ولا الاستعداد للتضحية ـ ولا القبول بالشهادة.
وربما أن ذلك هو التفسير المقنع للحقائق الظاهرة ـ والمؤثرة ـ على السياسة الأمريكية، خلافاً لدول كبرى وإمبراطوريات سبقت في التاريخ.
ـ الشعور بالطمأنينة، والرغبة في متابعة صراعات الآخرين أو حتى إدارتها من بعد.
ـ الدخول في المعارك عندما تميل الموازين إلى الرجحان، ويفوت وقت التضحيات الكبرى، ويحين وقت تقسيم الغنائم الكبيرة.
ـ التردد في مواجهة الموت لأن الدفاع عن المصالح ـ خلافاً للدفاع عن الأوطان ـ لا يعرف الصمود والتضحية والقبول بالشهادة ـ لأنه إذا كانت المسألة مصالح فالكل يريد أن يعيش حتى تتحقق المصالح، وليس لديه استعداد دون حافز يسابق به إلى الموت ثم يفوز غيره بالجائزة.
………………
………………
[ولعل ذلك يفسر عقدة فيتنام حتى الآن في الولايات المتحدة. ومن المفارقات أنها الحرب الوحيدة الفكرية، أو المبدئية، أو العقائدية ـ التي دخلتها الولايات المتحدة الأمريكية في تاريخها وخسرتها ـ لأنها نوع من الحروب لا تعرفه أمريكا ولا تمارسه، وهي من الأصل لم تؤمن به لأن الظروف لم تلجئها إلى هذا الإيمان!
ثم إن ذلك أيضاً هو التفسير المعقول لكون شاب متهرب من خدمة العلم، وهو "بيل كلينتون"، أصبح رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية رغم أن تهربه من الخدمة كان معروفاً ومشهوداً!]
………………
………………
* المفتاح الثاني عشر:
إنه ذا كان ذلك كله صحيحاً ـ وهو كذلك في الغالب ـ إذن فإن "نظرية المصالح" لا بد أن تجد لها في ممارسة الصراعات وسائل أخرى لا تحتاج إلى الصمود ـ ولا تنتظر التضحية ـ ولا تلاقي الشهادة.
ومعنى ذلك أن عليها أن تمارس صراعاتها أو حروبها بوسائل مبتكرة، أهمها أن تكون المعارك عن بعد، وأن يتحقق النصر بغير دم أمريكي، لأن الدم الأمريكي قد يسيل ـ إذا سال ـ دفاعاً عن وطن وليس دفاعاً عن مصلحة! "وهنا فسوف يكون السؤال باستمرار: أي مصلحة؟ ثم مصلحة من؟ وأين الغنيمة في النهاية؟"
هكذا ظهرت ومورست استراتيجية "مصالح أمريكية" راحت ترسم خططها، وتجري تحركاتها خطوة بعد خطوة!
○ وكانت البداية الافتتاحية للإستراتيجية العالمية للولايات المتحدة سفناً تستكشف الشواطئ حاملة منتجاتاً وسلعاً "عبر الأطلسي نحو شمال أفريقيا على طول شاطئها من الدار البيضاء إلى الإسكندرية من أواخر القرن الثامن عشر".     
○ والخطوة الثانية بعثات تبشيرية تنادي بنقاء ديني لا تؤثر عليه صراعات الكنائس والملوك في أوروبا "تواصلت هذه البعثات التبشيرية الأمريكية طوال القرن التاسع عشر ـ من أعماق الصين إلى أعماق صعيد مصر".
○ بعد البعثات التبشيرية، وامتداداً لها، بعثات تعليمية "وكذلك ظهرت طوال القرن العشرين جامعات أمريكية يستحق بعضها الاعتراف له ـ مهما كانت الأسباب الداعية إليه ـ بأن نتائجه ساعدت على كثير من التنوير ـ خصوصاً في بيروت والقاهرة".
○ بتدبير ـ أو من غير تدبير ـ إعلام قوى خصوصاً بالصور، وبالذات بعد ظهور السينما، ينقل إلى الدنيا نوعاً آخر من الحياة الجذابة، وأصبحت قلعته "هوليوود".
○ نداء مستمر إلى أكبر عقول العالم في كل التخصصات لكي تذهب إلى إمريكا، بغواية أنه هناك وليس هنا يوجد المجال الحقيقي لهذه العقول لتعمل وتبدع وتطل على العالم من أوسع نوافذه، وتعود إليه من أوسع أبوابه "وتلك حرب استنزاف تأخذ من بقية العالم قدراته الخلاّقة".
○ مخابرات لم يعرف العالم مثيلاً لوسائلها ومواردها، لأن المطلوب منها أن تلمح أي عائق يعترض المصالح الأمريكية ـ ثم تتكفل بالقضاء عليه "بالانقلابات من الداخل" قبل أن يستفحل ضرره. والمخابرات الأمريكية لا تنشط ضد العدو فقط ـ بل ضد الصديق مع العدو "وكانت العملية "إيشلون" ـ ولا تزال ـ تركِّز همها للتجسس على أسواق لندن وباريس وبرلين ـ فأسرار الشركات في هذه العواصم أكثر أهمية من أسرار الحكومات".
○ العمل على تطوير أسلحة متقدمة تدخل للقتال إذا فرضته الظروف ـ على أن يكون القتال من بعيد ـ ثم يدور ويحقق كامل أهدافه بغير دم أمريكي قدر ما هو ممكن.
○ وفى تطوير هذه الأسلحة المتقدمة ـ بعيدة المدى ـ فإن الإمكانيات الأمريكية تقدر على تحقيق سبق تنقطع أنفاس الآخرين دونه ثم لا يبلغونه، ويكتشفون بعد فوات الأوان أنه كان سباقاً إلى الإفلاس.
○ وفي أثناء ذلك كله وخلاله ـ وقبله وبعده ـ سيطرة على الموارد الرئيسية للعالم كله عن طريق شبكة مصالح معقدة تتولى حماية الموارد البحرية ـ وتأمين الأجواء ـ وتكفل وجود محطات محلية ومأمونة لتقويم على حماية المصالح "شرطة إقليمية" وهي محطات يمكن تزويدها بالسلاح وبالمال وبالخبرة دون داعٍ لوجود أمريكي مباشر في ساحات الصراع "وإسرائيل هي النموذج الأشهر".
○ ترويج لأسلوب حياة معين هو أسلوب الحياة الأمريكية، وإذا كانت أمريكا لم تنتج ثقافة تصاحب القوة وتثبتها، فإنها تستطيع أن تغري العالم بأسلوب ابتدعته، والمنطق فيه أنه "إذا تصرف الناس على مثالك في حياتهم، واستعملوا مفرداتك في خطابهم ـ إذن فقد قبلوا رسالتك طواعية" ـ وذلك أكفأ أنواع التأثير ـ وبعد ذلك فهي الحركة السريعة، والطعام السريع، والصور السريعة، وحتى الملابس السريعة توضع وتخلع في طرفة عين!
                                             **
وكانت تلك المفاتيح ـ دستة مفاتيح ـ حصيلة نصف قرن تقريباً ـ تكرر فيه عبور المحيط أربعة وعشرين مرة، ولعلها أفادت من حقيقة أن العالم العربي كان الساحة الأهم لمطالب الإستراتيجية الأمريكية ـ ومع ذلك ظل وحتى النهاية يظهر لي، وكان ما لدى محصور كله في مجال التوصيف لم ينفذ بعد في مجال التحليل.
فهي إذن معرفة ناقصة مهما كانت مساحة الزمن الذي توفر لها، ومهما بلغت درجة الجهد الذي بذل فيها، وضمنه عبور المحيط أربعاً وعشرين مرة، وكلام، وحوارات، واتصالات "ومفاوضات في بعض المرات".
4ـ مشاهد الهجرة الإمبراطورية:
عبوران للمحيط في البداية للاستكشاف، اربعة وعشرون فيما بعد، ثم عبور لثلاث مرات حكمتها مقولة أنه "لا أحد يستطيع مقاطعة أمريكا". والمجموع كله تسعة وعشرون عبوراً.
وهذه المرة الأخيرة ـ نهاية الربيع وبداية الصيف في سنة 2001 ـ وقد وقعت بالمصادفة البحتة على كتاب لفت نظري عنوانه ـ وراجعت فهرسه، وأخذته معي، ومررت على فصوله في ساعة، ثم توافرت على قراءته تفصيلاً وتدقيقاً في بضع ساعات، وكان شعوري أن الكتاب يطرح على قارئه طريقة معينة في تحليل أمريكا ـ وليس مجرد توصيفها، مع وجود تداخل بالطبع بين التحليل والتوصيف.
وتوافق وصول الكتاب إليّ مع لحظة تزايد فيها إحساسي بأن هذا البلد يحتاج ألى من يغوص فيه عمقاً ليبحث عن البذور والجذور، وينظر في التركيب النفسي لهذه القوة الجديدة التي نمت تحت سمع الدنيا وبصرها، ولم تكن مثل غيرها من القوى التي نشأت في أعماق الماضي، وقرونه الغابرة التي تباعد عنها الزمن، بحيث شحبت الوقائع وخفتت الأصوات.
وكانت الإمبراطورية الأمريكية ظاهرة مختلفة ـ فقد نشأت تحت سمع وبصر عالم دخل عصر النهضة بكل وسائله وأدواته المعرفية، وتحت متابعة ورقابة القوى الإمبراطورية التي تحكمت اقتصادياً وسياسياً من معقلها الأوروبي ـ في قارات العالم القديم، وخصوصاً آسيا وافريقيا ـ ومع ذلك فإن المسعى الإمبراطوري الأمريكي استطاع أن يغافل الجميع ويسبق، ويأخذ من الإمبراطوريات القديمة ما عندها ويضيف عليه، ويتملك ويحتكر في سنوات. وبينما كانت الإمبراطوريات القديمة ما زالت تتوهم أن مقادير العالم في يدها ـ إذا أمريكا فجأة وفي أقل من نصف قرن "وتلك طرفة عين في التاريخ" تزيح الجميع وتسيطر، حتى وإن جاءت سيطرتها قليلة الحكمة، ثقيلة اليد، لا تدرك أن الإمبراطورية فن، وأن القوة وحدها حماقة!
………………
والشاهد أن الكتاب الذي تحدَّث عنه عنوانه يمكن ترجمته بـ "العملاق"، أو بـ "المارد"، أو بـ "الطود"، واي وصف غير ذلك يفيد معنى زيادة الحجم، مترافقة مع زيادة القوة، والعنوان هو Colossus ـ وقد صدر سنة 2001 في نيويورك، وهو في 506 صفحات على 38 فصلاً، وشارك في وضعه أكثر من ثلاثين مؤلفاً، قام بعضهم على كتابة أكثر من فصل فيه، وقصدُهم أن يكون نظرة بالعمق على نشأة الدولة والقوة الأمريكية. ومن جانبي فقد أحسست طوال قراءة الكتاب أنني أمام عملية تحليل نفسي دقيق ـ مضيء وكاشف للتجربة الأمريكية. واللافت للنظر في فصول الكتاب أن مؤلفيه على اختلاف مواضع اهتمامهم توافقوا فيما بينهم على أسلوب يستخدم التوثيق الاجتماعي الذي تكمن أهميته في خلوه من الأسرار والخبايا، وفي أنه يرجع إلى مصادر أتيحت لكل الناس، ولم يتوقفوا طويلاً عندها لأنها من مشاهد حياة كل يوم، وفي ذلك ينسى الكثيرون أن مشاهد حياة كل يوم هي المسودّة الأولى للتاريخ بأكثر من الأوراق المحفوظة في الخزائن تحت الأقفال والأختام!
والمشاهد التي توقف أمامها المؤلفون كثيرة، وكلها أشبه ما تكون بطبقات، فوقها طبقات، وتحتها طبقات، وتكاد كل واحدة منها أن تكون قناعاً ينزاح فتسفر وراءه لمحة من وجه الحقيقة التي صنعت التركيبة النفسية للقوة الأهم في التاريخ وفي الدنيا:
* مشهد:
إن المهاجرين الأول إلى أمريكا أذهلهم ما وجدوه من ثراء مكدس لا يخطر على البال، وأبلغ تصوير لذهول المهاجرين الأول يرد في حوار مشهد مسرحي لرواية عرضت ـ سنة 1605 ـ في لندن على "المسرح الشرقي"، وعنوانها فرجينيا: فردوس العالم الفريد" ـ والإشارة واضحة إلى أقاليم "ولاية" فرجينيا، وكانت من أول مواطن الهجرة إلى أمريكا، وأصبحت أشهرها، والسبب كما يرد في سياق المسرحية يظهر في حوار بين اثنين من أبطالها،  أحدهما كان اسمه "سكابتريست" والثاني "سيجال" ـ والحوار يجري على النحو التالي:
"سكابتريست: ولكن قل لي يا كابتن.. هل الكنوز وفيرة على هذا النحو هناك كما سمعت؟
سيجال: اسمعني أقول لك. الذهب هناك أكثر من النحاس هنا. الذهب بالأكوام حيثما نظرت. كل الأواني من الذهب. كل شيء .. كل شيء مصنوع من الذهب حتى سلاسل الأسرى. وأما المجوهرات فهي منثورة حيثما أدرت البصر، حتى على ملابس الأطفال هناك، مرصعة بياقوت وزمرد يخطف بصرك إذا التفت إليهم!"
* مشهد:
يكتشف المهاجرون الأول ـ حتى في فيرجينيا ـ أن الموارد الطبيعية لها قيمة تستطيع إنتاج ثراء يفوق كل ما يلمع من ذهب سلاسل الأسرى، وياقوت وزمرد ملابس الأطفال ـ ثم إن الجهد المطلوب لتحقيق هذا الثراء بسيط، وان كان يحتاج بسرعة إلى رأس مال يتمثل في أدوات للزراعة، وللبناء، ولتمهيد الطرق، وكلها لا بد أن تجيء من الشاطئ الآخر للمحيط. وذلك ممكن لأن الذين سمعوا عن موارد العالم الجديد مستعدون للاستثمار فيها، لكنهم لبعد المسافات يريدون ضمانات، وأول الضمانات تنظيم مضمون لحركة أموالهم، يصون لهم حقهم في الأصل وأرباحه ـ ويضبط محدودية خسائرهم إذا وقعت. وهنا يظهر سنة 1607 إطار الشركة المساهمة ـ شركة "فرجينيا" يديرها من بعيد مفوضون عن ملاكها، ويكون عليهم نوع من نظام يتابع، ويتأكد أن الأرباح واصلة، وأن الخسائر محدودة، لأن كل مساهم لا يلتزم بما هو أكثر من نصيبه في رأس المال.
ويقول كاتب هذا الفصل من الكتاب: "إن من يريد أن يفهم أمريكا عليه أن يدرس بعناية فكرة الشركة المساهمة المحدودة". ثم يضيف: "إن بداية الولايات المتحدة الحقيقية كانت شركات من نوع شركة "فرجينيا". وكان رأس مال شركة "فرجينيا" مائة ألف جنيه إسترليني "بقيمة نقود ذلك الزمان"، وكان احد المساهمين البارزين فيها السير "فرانسيس بيكون" (الوزير الشهير في عصر الملكة "إليزابيث" الأولى، وخلفها الملك "جيمس").
وكان أهم ما قامت به الشركة شق طرق واصلة إلى مختلف أنحاء "فرجينيا"، وقد فرضت الشركة رسوم مرور يدفعها المسافرون عليها في كل مرة يستفيدون منها، وكان ذلك اختراعاً جديداً في أداء الخدمات يستوفي ثمنها أولاً بأول من لحظة إنشائها." "وكانت تلك بداية مشروعات الطرق الكبرى، يدفع تكاليفها المستفيدون منها كلما سافروا عليها!".
وخلال مائة سنة كانت الشركة هي الولاية والولاية هي الشركة: شركة "فيرجينيا".
* مشهد:
يتنبّه الهنود الحمر من سكان أمريكا الأصليين إلى أن المهاجرين البيض الذين نزلوا على شواطئهم لم يعد يكفيهم ما امتدت إليه أيديهم من ذهب وجواهر "وما خطفوه من بنات ونساء!" ـ وإنما هم الآن ينصبون خياماً على الأرض، ويدقون ويحفرون، وقد جاءوا بآلات وبذور ـ وإذن فهي إقامة وليست زيارة. ويورد "جاك بيتي"،وهو محرر كتاب "العملاق"، واحداً من تقارير شركة "فرجينيا" مكتوباً سنة 1624، ومرسلاً إلى جمعية المساهمين بها في لندن، وفيه بالنص:
"إن الخلاص من الهنود الحمر أرخص بكثير من أية محاولة لتمدينه. فهم همج، برابرة، عراة، متفرقون جماعات في مواطن مختلفة، وهذا يجعل تمدينهم صعباً، لكن النصر عليهم سهل. وإذا كانت محاولة تمدينهم سوف تأخذ وقتاً طويلاً، فإن إبادتهم تختصره، ووسائلنا إلى النصر عليهم كثيرة: بالقوة بالمفاجأة، بالتجويع، بحرق المحاصيل، بتدمير القوارب والبيوت، بتمزيق شباك الصيد، وفي المرحلة الأخيرة المطاردة بالجياد السريعة والكلاب المدربة التي تخيفهم لأنها تنهش جسدهم العاري."
* مشهد:
في خطاب بتاريخ سنة 1633 يظهر في تقارير الحكومة البريطانية خطاب يفرق بين أنواع من المهاجرين، بالتحديد هؤلاء الذين هاجروا إلى "فرجينيا"، وهؤلاء ـ طبقاً للخطاب ـ مهاجرون هدفهم الربح بأية وسيلة. لكن هناك مهاجرين من نوع آخر ظهروا في "نيو إنجلند"، وكلهم عائلات هاجرت هرباً من الاضطهاد الديني معظمهم من أتباع "كالفين"، وقد جاءوا من سويسرا وهولندا واسكتلندا وغيرها حيث انتشرت دعوة التطهر الديني والنقاء. وهؤلاء المتدينون أنشأوا شركات تجارية، ولكنها شركات "أخلاقية" يؤمن المساهمون فيها بـ "رضا الله"، ويعتبرون زيادة أرباح استثماراهم شاهدهم على "رضا الله" عنهم. وقد أسس هؤلاء "الأخلاقيون" منطقاً ـ شبه عقيدة ينظمون به أعمالهم، ويديرون شركاتهم في "نيو إنجلند"، وخلاصة منطقهم طبقاً لخطبة شهيرة لراعي كنيستهم "توماس شبرد" أنه لا بد من ضفاف للماء وإلا علا سيله وأغرق الجميع". و"الضفاف كما يراها "شبرد" هي أن يعمل البشر جادين على رفع مستوى أنفسهم بما يلقى "رضا الله" ـ ووسيلتهم إلى ذلك هي العمل بـ "اخلاص مسيحي" على زيادة الثروة، وتوسيع الملكية، وإعلاء بناء البيوت. و"رضا الله" عن المخلصين له يتمثل بالضبط في تحقيق هذه الأهداف، أي في "الطوفان" بكثرة "المال والأرض والعقار" ـ ولا بد أن "يتذكر المؤمنون" أن "زيادة النجاح" مرهونة بـ "زيادة الإيمان"، وبالتالي فإن "الدين ثراء"، و"الثراء دين"، والاثنين معاً "ضفاف الماء حتى لا يسيل ويغرق الجميع"!
وفي "فرجينيا" وفي "نيوإنجلند" تكبر الشركات، وتتراكم الثروات، وتظهر الحاجة إلى توكيلات على الشواطئ تتعامل مع أوروبا في الاستيراد والتصدير، ثم تقوم شركات أخرى على صناعة التخزين لأن الملاحة مواسم،والزراعة مواسم. وظهرت في أمريكا بدايات أسر فعلت كل شيء حتى تغتني، وفي حين أن بعض طالبي الغنى طارد الثراء جهاراً نهاراً بالسلاح، فإن بعضهم استدعاه جهاراً نهاراً ـ ! ـ بالصلاة!
 * مشهد:
لكن الشركات "الولايات" التي تعمل من الشاطئ الشرقي للولايات المتحدة حيث نزلت أولى موجات الهجرة واستقرت، ومضت تزرع وتتاجر، وتغتني وتراكم الثروة ـ راحت تواجه مشكلة تحجم نشاطها بالرغم منها، وهي مشكلة اليد العاملة. ذلك أنه حتى قرابة سنة 1700 ـ لم يزد عدد المهاجرين من اوروبا عبر المحيط عن ربع مليون مهاجر، وكلهم يريد المال والأرض والعقار، وليس فيهم أحد يريد أن يكون أجيراً، وإلا فلماذا ركب جبال الموج وجاء إلى أرض الميعاد.
الى جانب ذلك فإن سكان البلاد الأصليين من الهنود الحمر "وممن تتم عملية إبادتهم لأنهم همج لا يصلحون للتمدين ولا للتدين" ـ ليسوا على استعداد للعمل، ولا لخدمة هؤلاء الذين انقضوا عليهم مع أمواج المحيط.
والحل العملي الذي يطرح نفسه هو الإتيان عن أي طريق بيد عاملة. تشتغل ولا تشارك. وتقبل بالقليل ولا تنتظر زيادة. والحل هو "العبودية" أي عضلات تعمل بطعامها وليس أكثر، وطاعة تقبل الأمر لأنها لقنت تحت الأسر درس الطاعة بالسلاسل والسياط. وكذلك قامت في أمريكا شركات "شركات مساهمة أيضاً" نشاطها "تجارة العبيد". ويورد "جيمس هيدجز" الذي قام على كتابة الفصل الخاص بـ "التجارة في الأرواح" كما سماها ـ مجموعة من أوراق إحدى الشركات المساهمة في هذا المجال، وقد ركز فيها على سجلات سفينة الشحن "سالي" وقبطانها "أيسيك هوبكنز".
وفي سجلات السفينة "سالي" توجيه من الملاك "نيكولاس وبراد ـ شركة مساهمة" يقول للقبطان: "إننا نثق فيك وفي إخلاصك لنا، وخدمتك لمصالحنا، ونحن نفوضك بأن تذهب إلى شواطئ أفريقيا "شاطئ غينيا" وتشحن سفينتك بمن تستطيع أن تجلبهم من العبيد "بالوسائل" التي تراها، وأنت مخول أن تبيع وتشتري منهم كما تشاء في طريق رحلتك إلى أمريكا عندما تتوقف في جزيرة "باربادوس". ونذكَّرُك طبقاً للعقد بأن حصتك هي 4 عبيد لك مقابل كل 100 عبد للشركة، مضافاً إلى هذا نسبة 5% من ربح الحمولة عندما يتم بيعها. ونريد أن نذكرك بأن السرعة في هذه التجارة مطلوبة لأن الحاجة إلى اليد العاملة ماسة!"
وضمن سجلات "سالي" يوميات قبطانها "هوبكنز"، وهو يكتبها بالتفصيل لتكون في علم المساهمين عندما يتحاسب معهم على حصيلة أرباح رحلته:
"قدَّمت لشيخ القبيلة "جالون" من "مشروب" الروم مقابل "عبدة ـ فتاة"!
- دفعت 7 جنيهات لشراء صبي.
- اشتريت 5 عبيد صالحين للعمل هذا اليوم بعد الظهر مقابل بصل وسكر وروم للجلاب.
-         حمولتنا الآن 196 عبداً. ـ واحدة من العبيد شنقت نفسها.
- ثلاثة عبيد قفزوا إلى البحر ولم نستطع إنقاذهم من الغرق، وقررنا حبس الباقين في العنبر الأسفل للسفينة "وكنا نخصصه لبقرتين معنا" ـ وربطنا الأسرى بالحبال.
- الحمولة الآن كاملة العدد وزيادة! وسوف نبدأ رحلة العودة نحو الكاريبي غداً.
[وفي سجلات "فرجينيا" و"نيوإنجلند" و"ماساشوستس" في ذلك الوقت "أول القرن الثامن عشر" أربعمائة شركة في تجارة العبيد تملك حوالي 1200 سفينة ـ غير مئات الشركات ومئات السفن تعمل في أوروبا.]
* مشهد:
سنة 1800، ومع بداية القرن التاسع عشر ـ أي بعد قرن كامل من تأسيس الشركات المساهمة المتاجرة في العبيد ـ سواء تلك التي عملت من أمريكا ـ أو التي تعاملت معها من أوروبا ومن شواطئ أفريقيا ـ وصل عدد العبيد الذين حملتهم السفن عبر المحيط إلى ثلاثين مليوناً من البشر ـ من الأرواح ـ هذا غير عدد غير معروف ـ بالملايين ـ ماتوا في السفن وألقيت جثثهم في المحيط طعاماً للحيتان. وينقل كاتب الفصل الخاص بالعبيد في كتاب "العملاق" ـ عن كتاب آخر سبقه ـ صفحة كاملة وجدها أكثر دقة وأمانة في التعبير، والكتاب السابق عنوانه "دور العبودية في نمو مستعمرة "ولاية" نيوإنجلند: محركات النمو". وفي الصفحة "254" يرد ما يلي بالنص:
"سنة 1770 كانت مستعمرة "ولاية" نيو إنجلند أغنى مناطق أمريكا. وقد كانت بالفعل قصة نجاح رائع، وطاقة في الإنتاج لا مثيل لها. وكان محرك النمو هو العبيد الذين كانوا العنصر الفاعل على الأرض وفي المصانع، والترس الدوار في عجلة التجارة والتصدير إلى أوروبا وغيرها: كان العبيد هم أساس الزراعة، وعماد الصناعات القائمة عليها مثل السكر والتبغ، وغير ذلك من المنتجات الأخرى".
وتختم الصفحة المستعارة من كتاب سابق قائلة: "باختصار كانت العبودية هي المولد الأكبر للثروة الزراعية والصناعية والتجارية. وبرغم أن عدد تجار العبيد في "نيو إنجلند" لم يكن كبيراً، فإن كل التجارة بعموم اعتمدت إلى آخر حد على عبيدهم "عبيد هؤلاء التجار"."
ثم بدأت الأصوات ترتفع بـ "لا إنسانية تجارة العبيد" عندما ظهرت قوة البخار ـ بعدها وليس قبلها ـ فتلك طاقة أقوى من عضلات العبيد مئات المرات، ومحركاتها لا تحتاج إلى وجبات طعام أو حظائر نوم، أو حراسة ليل ونهار تضمن أن لا يهرب العبد أو ينتحر "وكانت نسبة الهرب أو الانتحار أعلى بين النساء منها بين الرجال".
ويبدو أنه في تلك الفترة ظهرت وانتشرت أدبيات واسعة تعارض تحرير العبيد أو تقييد "التجارة في الأرواح". وكانت الحجج الأكثر تردداً وتكراراً:
" ـ إن استعمال البخار ليس له أن ينهى دور العبيد في الانتاج، فهذه وسيلة، وتلك وسيلة وكلتا الوسيلتين تؤدى دوراً يتكامل ـ ولا يتعارض ـ مع الأخرى.
ـ وإذا أوقف التجار الأمريكيون تجارتهم في العبيد فإن غيرهم من جنسيات أخرى سوف يحصلون على الفائدة، والأرباح.
ـ والقيود على تجارة العبيد سوف تكون وبالاً على هذه "الأرواح" التي لا تعرف ماذا تفعل أو كيف تعيش إذا رفع "السيد" يده عن "التجارة" فيها.
ـ إن السلطات لا يصح لها أن تتدخل في حرية التجارة بأي شكل من الأشكال، لأن ذلك يتعارض مع الفكرة الرئيسية التي قامت عليها أمريكا، وهي الحرية ـ حتى من القانون "وضمن حجج المنطق أنه لا يصح لأحد أن ينسى أن ضيق أفق القانون كان مشكلة المشاكل في العالم القديم".
* مشهد:
وبرغم وصية "واشنطن" لأمريكا أن تبتعد عن أوروبا ـ فإن أمريكا مع مطلع القرن التاسع عشر اقتربت لكي تكون أكبر مستفيد من مصائب أوروبا. وكانت تلك فترة الثورات الكبرى، وزمن حروب "نابليون" الطاحنة، ومسرح عمليات المطاردة البحرية والحصار حول القارة الأوروبية، لكن السفن الأمريكية شراعية ـ وبخارية فيما بعد ـ كانت لها ميزة "الحياد"، فهي بعيدة لا تطولها المعارك ولا إجراءات الحصار، والسفن التي تحمل الأعلام الأمريكية لا شأن لها بصراعات أوروبا التي كانت لدولها وشركاتها وأفرادها استثمارات واسعة في العالم الجديد تحرص عليها وتحاول إخراجها من دائرة النزاع والخطر. وفي هذه الحقبة من الاضطراب في أوروبا تمكنت التجارة الأمريكية من السيطرة على الملاحة في المحيط الأطلسي، وبنت لنفسها فوق الموج سعة سفن تزيد عما تملكه بريطانيا أو فرنسا، وكان ذلك خروجاً كثيفاً إلى اعالي البحار ـ زادت معدلاته بعد شق قناة "بنما" لأن السفن الأمريكية أصبحت قادرة على الانتشار في المحيط الهادئ نفس قدرتها في المحيط الأطلسي.
وبذلك فإن المحيطات الحامية لأمريكا لم تعد مساحات شاسعة فقط، وإنما أصبحت أيضاً مناطق مأهولة ـ أمريكياً ـ لأن أساطيل أوروبا بقيت قريبة من شواطئها تمارس الحصار أو محصورة هي نفسها ـ بينما أصبح العلم الأمريكي في الأطلسي علم الملاءمة، تتحرك تحته البضائع بحرية، وتتوقاه أعمال المصادرة، لأن الكل يستفيد منه أو يحاول أن يستفيد!
* مشهد:
وعندما جاءت قوة البخار ـ كان أول قادم بعدها هو القطار، وكان بناء السكك الحديدية في أمريكا. ويكتب "جاك بيتي" محرر كتاب "العملاق" أن مد خطوط السكك الحديدية كان هو "قاهر المسافات وموحد الأرجاء" على اتّساع قارة بأكملها.
كانت أمريكا منذ البداية كنزاً هائلاً ـ لكن حجمه كان مشكلة لأن النفاذ إلى عمقه كان يمشي بسرعة الحيوان، ومداه الأسرع هو سعة رئة الحصان ـ فلما جاء القطار البخاري على البر ومعه السفينة البخارية في النهر والبحيرة واستسلمت القارة بأكملها للاستغلال والاستثمار، للإنتاج وللتوزيع، وعندما لحق برق التلغراف بطاقة البخار تحولت القارة إلى شبكة اقتصادية ومالية واحدة مع حجم لم يعرف له في العالم مثيل، وذلك طبيعي لأنه لم يحدث من قبل أن انفتحت قارة كاملة بكل مواردها وكل طاقاتها على هذا النحو. وشاعت في تلك الأيام مقولة أن "صوت قطار السكة الحديد هو نبض القارة الأمريكية ـ يدق"!
وكان الفضاء الأمريكي أكبر مشجع ومناد لقوة البخار ـ وكان أن الميكنة بتفاعلها مع هذا الفضاء الأمريكي تمارس صنع معجزة في الإنتاج تجاوزت كل التوقعات.
ثم كانت الحرب الأهلية الأمريكية هي القبضة التي كسرت آخر الحواجز على أرض القارة، لأن الحرب الأهلية عبّأت قوى، وحلقت صناعات ضرورية  مدنية وعسكرية، وضمنها ثورة في صناعة النسيج حتى يلبس الجنود في الصيف وفي الشتاء، وكانت الإضافة الأكبر في صناعة النسيج أن الأطفال أصبحوا عمالها ـ لأن الرجال كانوا في الحرب، والنساء في المزارع ـ خصوصاً مزارع القطن.
وحين سقطت آخر الحواجز في القارة بين الشمال "الصناعي" والجنوب "الزراعي" ـ وعاد الرجال من ميادين القتال ـ كانت الرأسمالية الأمريكية جاهزة لأداء دورها في سوق اتسع بما فاق الخيال، وساعدته ثروات راكمتها فرصة التجارة أثناء انشغال أوروبا بصراعاتها ـ وفرصة الصناعة التي اقتضتها ضغوط الحرب الأهلية ـ وفرصة الضرورات التي قضت أن يعمل كل السكان ـ حتى الأطفال.
* مشهد:
كانت الرأسمالية الأمريكية من طراز مختلف عما عرفته أوروبا أو آسيا ـ فهذه رأسمالية جديدة، عاملة، ومقاتلة، بل وعدوانية، وليست رأسمالية إقطاعية ووراثية وعلى مشارف الانحلال . فالرأسمالية الأمريكية راكمت ثرواتها من أرض الهنود الحمر التي صادرتها وزرعتها، ومن جهد العبيد الذين جلبتهم ورفعت سوط الجلاد فوق ظهورهم، ومن تجارة المحيط التي سيطرت عليها في غفلة من أوروبا، ومن موارد قارة شاسعة وغنية وصلت خطوط السكك الحديدية إلى كل إرجائها طولاً وعرضاً، وجعلتها سوقاً واحدة ـ ثم إنها كانت رأسمالية لها "قلب من حديد" لم تؤثر عليه الثقافة ـ كما حدث في أوروبا ـ فلم يلن لصوت الموسيقى، ولم يتأثر بمسرح النهضة، ولم يجرب المتعة إلى درجة الانحلال في قصور وأسر أوروبا الحاكمة مثل آل "هابسبورج" وآل "رومانوف" وآل "بوربون".
وفي حين أن الرأسمالية الأوروبية الإقطاعية الوارثة قاومت انتشار التعليم ـ فإن أول ذكاء الرأسمالية الأمريكية إدراكها لأهمية التعليم بمنطق أن "أي عامل يتعلم له قدرة إنتاجية أكثر من عامل جاهل" ـ وكان المهم هو ماذا يتعلم؟!
وينقل واحد من مؤلفي كتاب "العملاق" صفحة من كتاب يدرسه تلاميذ المرحلة الابتدائية ضمن منهج بدأ تعميمه في ولاية "نيو إنجلند" سنة 1833، والصفحة على شكل أسئلة وأجوبة تجري على النحو التالي:
"س: لنفرض أن الرأسمالي الذي يستثمر أمواله حقق أرباحاً كبيرة، فهل هذا يضر بالرجل العامل؟
ج: بالعكس.. ذلك يساعده على أن يدفع أجوراً أحسن لعماله.
س: ما هو الأفضل.. أن يدخر رجل غني أمواله ليستثمرها، أو يصرفها على هواه؟
ج: بالطبع يدخر ويستثمر.
س: هل يمكن أن تشعر بالأسف لأن رجلاً حقق أرباحاً طائلة؟
ج: بالعكس.. سوف أكون شديد السعادة.
س: ما الذي يحول رجلاً من عامل إلى رأسمالي؟
ج: أن يدخر".
وهكذا سؤال وجواب ملء صفحة، وملء كتاب بأكمله!
وهنا كانت أمريكا تقدم نموذجاً جديداً في "ترويض الوعي" يبدأه التعليم ـ ثم تجربة العمل ـ "وفيما بعد جاء دور الإعلام".
* مشهد:
كانت الرأسمالية الأمريكية تنمو وتنمو، وكانت قدرتها على التنظيم خرافية لأن المجال أمامها مفتوح للتجديد والنمو، والاندماج في وحدات لها قوة ودول. وهكذا ظهرت دولة "روكفللر" تحت اسم "ستاندارد أويْل"، وتمتلك النصيب الأكبر من بترول أمريكا الشمالية، ثم راحت تنزل على أمريكا الجنوبية وتكاد تحول فنزويلا إلى مستعمرة لإمبراطورية "روكفللر" الذي كان شعاره "إن الله أعطاني ثروتي وليس من حق بشر أن يعترض على إرادة الله".
وفي فصل كتبه المؤرخ الإنجليزي الشهير "بول جونسون" ـ ضمن فصول كتاب "العملاق" بدأ "جونسون" كلامه قائلاً:
"هناك في تاريخ أمريكا نوعان من الآباء المؤسسين للولايات المتحدة:
ـ نوع من صانعي الاستقلال وكاتبي وثائق الدستور، قادوا محاولة تطوير "الشركة" إلى "دولة" "رجال مثل "ألكسندر هاملتون" ـ و"صمويل جونسون" ـ و"جيمس ماديسون" ـ و"بنيامين فرانكلين" ـ وغيرهم".
ـ ونوع ثان من "البارونات اللصوص"، قادوا الرأسمالية الأمريكية وحاولوا أن يحموا "الشركة" من طغيان "الدولة" "روكفللر"، ثم رجال مثل "فورد" و"فاندر بيلت" و"ديللون" و"راند".
ولم يكن تعبير "البارونات اللصوص" مجازاً بلاغياً، وإنما كان للتعبير  أصلٌ في الحقيقة. ذلك أن الرأسمالية الأمريكية بنت قوتها الطالعة على عصر جديد تحققت كل اكتشافاته في أوروبا، وقد أخذت الرأسمالية الأمريكية هذه الاكتشافات وأخضعتها لفكرة التنظيم الذي لا يحده قيدٌ من عرف أو تقليد.
وذلك حدث للسيارة، وللطائرة، وللكهرباء، وللطاقة النووية، وللتليفون واللاسلكي، وللكومبيوتر، وللصواريخ ـ وحتى لمساحيق التجميل.
ومثلاً فإن أوروبا كانت هي التي بدأت صناعة السيارات، لكن تدافع العمّال في ورشة وانكفاءهم لإنهاء العمل كان يستغرق ثلاثة أيام لصنع سيارة واحدة ـ ثم توصَّل "هنري فورد" في التنظيم إلى فكرة خط التجميع: مسار واحد لهيكل السيارة يضيف إليه كل عامل يمر أمامه مسماراً واحداً أو صامولة واحدة ـ وتم اختصار مدة صنع سيارة واحدة من ثلاثة أيام إلى ثلاث ساعات، وخطوط التجميع صفوفاً ـ واحداً إلى جانب الآخر ـ والعمال لا يتزاحمون أو ينتظر بعضهم بعضاً، وإنما هم واقفون في أماكنهم وخط التجميع يمر أمامهم، ويؤدى كل واحد منهم حركته بسرعة. وكان ذلك فتحاً في وسائل الإنتاج وصل بأمريكا إلى أن تصبح الأقوى في العالم صناعياً وتجارياً.
وكانت الرأسمالية الأمريكية قد وضعت لنفسها هدفاً صاغه "جاك بيتي" في سؤال واحد:
"كيف يمكن تحويل ترف الرجل الغني ـ إلى حاجة يومية للرجل العادي؟"!
وقد كان: وذلك ما حدث للسيارة، وحدث للكهرباء، وحدث للتليفون، وحدث فيما بعد للتليفزيون، والغسالة الكهربائية، وجهاز تكييف الهواء، والكومبيوتر.
وكذلك أصبح الترف الذي خطر للأغنياء حلماً ـ سلعاً جاهزة تحت تصرف الأجراء.
وكان ذلك عالماً جديداً واعداً ـ وقاسياً في نفس الوقت ـ لأن السيطرة على هذه السوق المتسعة كل يوم تحتاج وسائل مختلفة. وينقل "جاك بيتي" نص خطاب بعث به المليونير الشهير "كورنيليوس فاندر بيلت" إلى منافس له، معتبراً أن ذلك الخطاب أبلغ تصوير وقع عليه لروح الرأسمالية الأمريكية "المتوحشة" "كذلك تعبيره".
والشاهد أن الخطاب نص شديد الاختصار موجه إلى شريك لـ فاندر بيلت" تحول إلى منافس له وأقام شركة مستقلة. والنص كما يلي موجه إلى مجلس إدارة الشركة المستقلة:
"السادة:
إنكم حاولتم خداعي. ولن أقاضيكم لأن إجراءات القانون تأخذ زمناً طويلاً، ولهذا فإني سوف "أخرب بيوتكم" I’ ll ruin you .                     المخلص: كورنيليون فاندر بيلت.
* مشهد:
ومع ذلك فقد كانت الرأسمالية الأمريكية التي أكدت سطوتها في حاجة إلى ترتيبات تحمي الثروة: نظام سياسي قوي ـ ونظام قضائي أقوى ـ وقانون يسري على كل الناس "باستثناء الهنود الحمر الذي حوصروا في مستوطناتهم، وباستثناء العبيد الذين سقطت عنهم صكوك العبودية وذلك يكفيهم!"
كانت الحاجة إلى نوع من القانون ماسة في أمريكا منذ نشأتها، خصوصاً على الشواطئ الشرقية التي ظهرت عليها موانئ التجارة عبر المحيط ومخازن السلع "مستوردة أو جاهزة للتصدير". ثم إن المستثمرين الأوروبيين الذين أنشئوا الشركات المساهمة الأولى للتجارة، واعتمدوا فيها على المسئولية المحدودة وعلى الثقة بالمفوضين عبر المحيط ـ كانوا أيضاً في حاجة إلى حماية قانون.
وحتى المغامرون الذين بدءوا بالدخول إلى عمق القارة بحثاً عن الفرص الهائلة المعروضة في انتظارهم ـ كانوا في حاجة إلى وسائط اتصال وتأمين وتمويل يعطونها ما لديهم في مقابل أن تزودهم حيث كانوا بما يحتاجون إليه في حياتهم ـ حتى المسدسات وطلقات النار ـ وتلك علاقات تتطلب قدراً هائلاً من الثقة. وذلك ما أعطى سلطة غير محدودة لرجل الأمن الذي أطلقوا عليه لقب "شريف" "عن أصل عربي انتقل إلى أمريكا أيام الإسلام في الأندلس".
وفي الحقيقة فإن الحاجة قضت بإطارات متعددة للقانون ـ فالشواطئ والموانئ والمخازن تحتاج إلى أطر قانونية لها مواصفاتها ـ لكن الداخل الذي يغزو الأرض الجديدة ويتجّه غرباً يحتاج إلى أطر قانونية لها مواصفات معقدة ـ ثم إن المساحات الشاسعة المفتوحة كانت لها حياة تحتاج إلى أطر قانونية أوسع، وذلك جعل القانون الأمريكي عوالم متداخلة وليس عالماً واحداً كما هو الشأن في بلاد أخرى. وكان المكلفون بوضع أطر القوانين في أمريكا أحسن المشرعين وضعاً في التاريخ. وفي حين أن القوانين في أوروبا صاغتها احتكاكات طبقات من النبلاء، وطبقات من الإقطاعيين، وطبقات من البورجوازيين الكبار والمتوسطين والصغار، وطبقات من الفلاحين، وطبقات من العمال ـ فإن عملية وضع القوانين الأمريكية كان أمامها أن تطلع على التراث السياسي والقانوني بكل غناه وخصوبته، وأن تستوعب، وأن تستوحي ما تشاء، وتصوغه من جديد على أحوالها، وتفصله تفصيلاً محكماً على مصالح وعلاقات أمامها على مساحة قارة جديدة.
* مشهد:
لكن "وحشية البارونات اللصوص" وجدت آخرين غير "فاندربيلت" لا يكفيهم القانون، ولا يحتاجون إلى خراب بيت خصومهم!
وبالفعل فإن الشركة الأمريكية للتليفون والتلغراف A T & T وجدت من يرفع ضدها عشرات القضايا لأن احتكارتها أصبحت عابرة لكل الولايات، وتهمتها أنها لا تريد أن تترك "لقمة لأحد". وأحسّت الشركة أن صورتها تتأثر، وقررت أن تحاول تغييرها "بمسحة ملائكية". يمكن إشاعتها بين الناس. وكان أن لجأت الشركة إلى مشتغل بالأعلان اسمه "آير" طالبة منه "أن يفعل لها شيئاً" ـ وكانت تلك سنة 1908 بداية فن العلاقات العامة "في عصر الصناعة". واكتشف "آير" أن شركة التليفون والتلغراف الأمريكية تعرض خدماتها على الناس تحت حملة إعلانات تناديهم أن يأخذوا خدماتها "لأنهم لا يستطيعون الاستغناء عنها"! ـ وقرر أن البداية من هنا، فاختار لإعلانات الشركة شعارات جديدة تخاطب المستهلكين: "هدفنا أن نخدمك" ـ "روح الخدمة العامة دافعنا" ـ و"ولاؤنا تحت تصرفك" ـ "أنت شريك معنا".
وتغيرت صورة الشركة الأمريكية للتليفون والتلغراف.
وأصبحت العلاقات العامة من يومها "فناً قائماً بذاته"، وهو فنٌ أمريكي. وبلغ طغيان هذا الفن في تأثيره على الرأي العام الأمريكي حداً دعا كثيرين إلى التخوف من أن "البارونات اللصوص" سوف يفلت عيارهم. وذهب أحد أصدقاء الرئيس الأمريكي الأسبق "تيودور رزفلت" يلفت نظره إلى ضرورة عمل شيء، وكان ردُّ "الرئيس" بعبارة صارت مثلاً في التاريخ الأمريكي الحديث: "أنت تريديني أن أمارس الحب مع فيل"!
* مشهد:
لم تكن وحشية الرأسمالية الأمريكية مظلمة ـ كما كان إقطاع القرون الوسطى في أوروبا.
وكذلك فإن الرأسمالية التي أدركت في بدايات القرن التاسع عشر أهمية التعليم على طريقة الاستثمار والأجور والادخار، ـ وصلت إلى أواخر القرن التاسع عشر وهي على يقين من أنه إذا أرادت أمريكا أن تخرج للعالم وتلعب دورها فيه فإنها في حاجة إلى تعليم من نوع جديد، وكان أن بعضاً من أهم مؤسسات التعليم الحديث جرى إنشاؤها، وأقيمت جامعات في الولايات المتحدة الأمريكية تحمل أسماء مؤسسيها القادرين على التمويل والدعم: "هارفارد" ـ "ييل" ـ "ستانفورد".. وغيرها.
وإلى جانب التعليم أدركت الرأسمالية حاجتها إلى المعرفة، فإذا مؤسسات الفكر والبحث الكبرى تلقح بالجامعات وهي الأخرى تحمل أسماء القادرين على التمويل والدعم: "روكفللر" ـ "فورد" ـ "راند".. وغيرها.
كانت أمريكا على وشك أن تنافس العالم في جامعات التعليم العالي ـ وكانت قد بدأت تسبقه بمؤسسات التفكير والبحث "وقد استطاعت هذه المؤسسات بالفعل أن تستوعب طاقة المثقفين الأمريكيين، وبدلاً من نزوعهم ألى "التغيير" ـ وتلك طبيعة المثقف ـ تم تجنيد فكرهم لصالح التقدم وليس لصالح التغيير في مفهوم الرأسمالية الأمريكية".
* مشهد:
عندما عادت أمريكا خلال الحرب العالمية الثانية إلى أوروبا، وبقيت على أرضها تنتظر إرث إمبراطورياتها السابقة في آسيا وأفريقيا ـ كانت واثقة أن هناك حدوداً لمقاومة الآخرين، لأنهم جميعاً ينتظرون إشارتها ـ رغم حساسيتهم الشديدة من القوة الأمريكية التي بدت أمامهم طاغية ـ كانوا يحتاجون مساعدتها في مهمة إعادة تعمير ما خرّبته الحرب.
وأصرت أمريكا على أن تأخذ التنظيم الدولي الذي وقع عليه عبء إدارة العالم بعد النصر، وهو الأمم المتحدة، إلى عاصمتها المالية: نيويورك. وكان أن قام مبنى ومقر الأمم المتحدة على أرض تبرّعت بها أسرة "روكفللر" أشهر "البارونات اللصوص"!
ومع أن الاتحاد السوفيتي راح يشاغب في أروقة هذا التنظيم الدولي الجديد ـ فإن أمريكا تجنّبت أن تحاربه ـ وإنما تصرف رؤساؤها من "روزفلت" إلى "ريجان" بنفس منطق "فاندر بيلت": "حضرات السادة.. "لن أحاربكم لأن الحرب في الأزمنة النووية مخاطرة" ـ لكني سوف أستنْزف قواكم بسباق سلاح لا تستطيعون الخروج منه، ولا تستطيعون الوصول فيه إلى نهاية ـ وكذلك أخرب بيتكم!"
وكانت الفرصة مناسبة اقتصادياً لأمريكا ـ كما كانت مناسبة سياسياً. ويكتب "جاك بيتي" أن السياسة الأمريكية راحت تبشر وتدعو إلى "اقتصاد السوق" ـ ثم إن اقتصاد السوق" تحول إلى "مجتمع السوق" ـ ثم إن "مجتمع السوق" تحول إلى "عالم السوق".
و"عالم السوق" أو "سوق العالم" فيه ألف شركة عابرة للقارات تملك الرأسمالية الأمريكية الأغلبية فيها. وهذه الألف شركة تسيطر على أكثر من نصف اقتصاد العالم إنتاجاً وتوزيعهاً، خصوصاً في قطاعات حاكمة أهمها: المال، وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والإعلام ـ وكلها متربعة على عروشها في أقمار صناعية سارية في كل أرجاء الفضاء، مطلة على الدنيا من علٍ ومن بعد!
                                         **
كذلك أصبح القرن العشرون قرناً أمريكياً ـ وكذلك القرن الواحد والعشرون على الأرجح. وهنا تجئ أهمية تحليل أمريكا ـ كما كانت من قبل أهمية توصيف أمريكا.
والشاهد أن العالم عرف من قبل مستويات من الدُّول:
○ فهناك الدول: القوى Powers "بريطانيا ـ فرنسا ـ النمسا ـ روسيا ـ الدولة العثمانية ـ مثلاً ـ في وقت من الأوقات قبل الحرب العالمية الأولى".
○ وهناك الدول: القوى الكبرى Great Powers "بريطانيا ـ فرنسا ـ ألمانيا ـ إيطاليا ـ الاتحاد السوفيتي ـ مثلاً ـ في وقت من الأوقات قبل الحرب العالمية الثانية".
○ وهناك الدول: القوى الأعظم Super Powers "الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي وحدهما في وقت من الأوقات زمن الحرب الباردة".
○ وهناك بعد ذلك كله "الدولة الكاسحة" ـ وتكل هي الترجمة الأقرب إلى معنى الوصف الذي يطلق الآن على الولايات المتحدة في تفردُّها بالقوة العالمية، وهو وصف. Hyper Power
والمشكلة الكبرى في القوة الكاسحة ـ الأمريكية بالذات ـ أنها ما زالت تجربة مفتوحة وكأن مرحلة الخلق الأولى لها لا تزال مستمرة، هنا فإن وصف القوة الكاسحة وما يتضمنه من الشعور بفعل مستمر ـ ينطبق بشكل مدهش على القوة الأمريكية ـ الإمبراطورية.
لكن الإمبراطورية دائماً، وبقوانين الحياة، علو ثم نزول، وتوهج ثم خفوت ـ والسبب ـ طبقاً لنظرية المؤرخ الأمريكي الكبير "بول كنيدي" ـ أن أعباء الإمبراطورية ـ راسخة أو كاسحة ـ تظل تتزايد حتى ينوء بحملها من أقبل عليها في البداية ـ وقد صدقت نظرية "كنيدي" على كل الإمبراطوريات في التاريخ. وبالفعل فإن الإمبراطورية الأمريكية التي كانت تعطى للاقتصاد العالمي ثلاثين في المائة من مدخوله سنة 1960 ـ تراجعت بعد ثلاثين سنة، وإذا هي تنزل إلى 21% فقط ـ أي أن التفوق المطلق ـ أو النسبي ـ للإمبراطورية الأقوى لم يعد كما كان، وإنما تخلف سواء بالإرهاق، أو بجهد أكثر تصميماً من آخرين.
على أن الإمبراطورية الأمريكية الكاسحة تحاول هذه اللحظة أن تعوض الاقتصادي بالعسكري، وإذا كان نصيبها في القوة الاقتصادية العالمية قد تنازل، فإن سطوتها العسكرية غالبة. وأكبر الظن أن الخطر الحقيقي القادم على الدنيا هو اللحظة التي تحس فيها الإمبراطورية الكاسحة أنها مرغمة على التراجع ـ أمام قوة يمكن أن تسبق، أو تحالف قوى يستطيع أن يتصدى، لأنه ساعتها سوف تكون اللعبة الدولية شديدة الخشونة، بالغة العنف، لأن القوة الأمريكية ـ حتى هذه اللحظة ـ تعلمت كيف تكسب، ولم تتعلم كيف تخسر.
وما لم يحدث غير المنتظر وغير المتوقع، فإن هذه اللحظة موعدها على الأرجح بعد عشرين أو ثلاثين سنة، لكنه طوال هذه المدة وحتى هذا الموعد سوف تظل الإمبراطورية الكاسحة تمارس دورها بكل ما عندها ـ ظاهراً يراه الناس في حياتها ويقدرون على توصيفه، أو باطناً يدركه الناس من تحليل تجربتها ـ طبقة في النفس وفي الوعي، فوقها طبقة وتحتها طبقة ـ ويقدرون على تحليله.
                                            **
وأخيراً فلا أعرف إذا كان ما حكيته عن الولايات المتحدة في مجال "التوصيف" ـ أو إذا كان ما عرضته من خلال كتاب "العملاق" في مجال "التحليل" ـ كلاهما يكفي لفهم الولايات المتحدة الأمريكية؟ ـ لكنها في كل الأحوال محاولة لاستثارة العقول.
ذلك أن فهم أمريكا، او محاولة فهمها، ضرورة حيوية "للتعامل" معها دون "خوف" يصنعه الجهل، ودون "خفَّة" يصنعها الوهم.
فالعداء لأمريكا ـ وهو أسهل المواقف ـ في هذه الأزمنة خطأ كبير لا تحتمل مخاطره، والوقوع في غرام أمريكا خطأ أكبر لا تحتمل خسائره.
ثم إنه ليس معقولاً أن تنتقل السياسة في العالم العربي من مباراة في العداء لأمريكا ـ إلى مباراة في الولاء لأمريكا، لأن حقائق الحياة أعقد من ذلك ـ وأيضاً ضروراتها!